لم يكن أكثر المتفائلين بقوة الشارع العربي ولا أكثر المتشائمين بتمكن الشارع من فعل شيء أن يتوقع أو يتخيل أن عربة الخضار والفواكه ستطيح بكرسي الرئيس، وأن الشاب محمد بوعزيزي أحرق نفسه ومعها أحرق نظاماً كاملاً، وكانت بداية الشرارة نحو التغيير.
تابعنا من خلال الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام يوم 17 من ديسمبر الماضي حين صادرت السلطات البلدية عربة الشاب محمد بوعزيزي اليدوية التي يبيع عليها الخضروات والفواكه، فذهب لإدارة البلدية ليشكو ويحاول استردادها، لأنها كل رأس ماله الذي يعيش عليه وأسرته، فصفعته إحدى الموظفات على وجهه، وخرج من مبنى البلدية وأضرم النار في جسده.
بوعزيزي خريج جامعة يبلغ من العمر 26 عاماً، ظل عاطلاً عن العمل لسنوات، ولم يجد سوى العمل بائعاً متجولاً على عربة تدفع باليد، لكن السلطات البلدية صادرتها منه لأنه لم يحصل على ترخيص لها.. مات الشاب بعد أسبوعين متأثراً بالحروق، لكن ما فعله كان شرارة الانتفاضة للشعب التونسي التي انطلقت من ولاية سيدي بو زيد، ومنها قال كلمته.
وكما يحدث في مثل هذه المناسبات، التفت الشعوب في الوطن العربي حول إرادة التغيير، ممنية نفسها في أقطار كثيرة أن يكون لها ما كان لشعب تونس، ملوحة بمطالبات مماثلة، فالأوضاع في معظم الدول العربية ليست سيئة فحسب، بل مأساوية، وما تحياها شعوب كثيرة من حياة الذل والمهانة هي أيضاً كثيرة، فليس أقسى على النفس من أن يجد الإنسان نفسه محروماً من أبسط حقوق الحياة، وهي العيش الكريم، حيث تصان آدمية الإنسان وتحترم كرامته، ما أصعب الفقر والجوع، وما أقسى الصفعات التي يتلقاها الرجال، وما أشد الدمع حين يذرف من المآقي من أجل لقمة العيش، هنا يصبح الموت أكثر رحمة.
ما يحدث في تونس فيه الكثير من العبر والدروس التي ينبغي أن تستفيد منها الأنظمة التي تحكم رقاب شعوبها وتجثم على صدورها، وتمارس ضدها صنوف الديكتاتورية، أصبحت الدول في ظلها مؤسسات بوليسية، يعيث فيها من يحكمون البلاد والعباد فساداً وظلماً وقهراً، ليس لها سوى انتفاضات شعبية تزيح عن كاهلها ما ابتليت به.
مثل هذه الأحداث نتخذها أيضاً مناسبة لذكر النعمة التي أنعم الله بها على هذه الأرض وخلف لها قيادة سياسية عادلة، لها من الحكم والرشاد ما يكفي لأن يحيا الناس فيها حياة كريمة هانئة، مستقرة بثوابت ليس لأحد الاقتراب منها.