دون شك أنه عندما يقال إن العزلة مرض، أو عندما نسمع مفهوم العزلة المرضية، فإنه لم يأتِ من فراغ أو دون سبب، لأنك عندما تقرر الاعتزال والابتعاد عن الفعاليات اليومية والمناسبات الاجتماعية المختلفة فأنت كمن يسمح للوساوس بالهجوم وفسح المجال للأفكار السوداوية بالحضور، ببساطة العزلة تجعلك وحيداً وكأنك تصارع في ظلام دامس، فلا أحد ينير الطريق ولا أحد يوجهك ويرشدك، وكثيرون وقعوا فريسة للاعتزال وأصيبوا بأمراض نفسية جسيمة، وهناك من سببت له العزلة الخوف والرهاب من الناس وجعلته إنساناً شكاكاً وغير راضٍ ولا يرى إلا النقد والخطأ في كل مكان.

‫لطالما حذر الباحثون من أن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة والعزلة الاجتماعية يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والخرف والاكتئاب. لكن دراسة أجراها باحثون من جامعتي «سري» و«برونيل» البريطانيتين ونشرتها دورية «نيوروساينس آند بيوبيهافيور ريفيوز»، أضافت بُعداً آخر للتداعيات الصحية لهذه التهديدات، مشيرة إلى أن المعاناة من الوحدة والعزلة الاجتماعية تؤدي إلى الإصابة بالتهابات جسدية طويلة الأمد.‬

لذا من البديهي أن تلاحظ أن من قرر العزلة والانطواء والابتعاد عن الناس وعن التفاعل الاجتماعي، هم في الأغلب مرضى يعانون من علة نفسية لم يجدوا العلاج أو لم يتوجهوا لطلب العلاج، ليس إنساناً طبيعياً من يبتعد عن وهج الحياة وصخبها وأيضاً إيجابياتها ويسجن نفسه في مكان محدود طوال أيام وشهور وسنوات، من المؤكد أنه يعاني من معضلة نفسية. المشكلة الأخرى أن المجتمع برمته يتضرر من وجود هؤلاء المضطربين الذين يقررون العزلة، فهم يعيشون معتمدين على الآخرين فلا ينتجون ولا يقدمون أي فائدة لمجتمعهم، وكما قال أحد الأدباء: «الشخص المنطوي على ذاته لا يحدث أي أثر في الحياة».

لكل من يعتقد أن الابتعاد عن الصخب والمجتمع ذكاء، ولكل من يختار العزلة والانطواء لأي سبب، اعلموا أنها ليست حلاً وليست طريقاً سهلة، أنت فقط تدمر نفسك ولا أكثر.

لكن هناك ما تسمى بالعزلة الاختيارية التي لها هدف وغاية، ومن أهدافها تصفية الذهن وتحديد الأهداف والتفكير فيما مضى، بمعنى عزلة للمراجعة والتفكير في الأخطاء ودراستها لتجنب الوقوع فيها مرة ثانية، صحيح نحن نحتاج للانفراد مع أنفسنا بين وقت وآخر للبعد عن الضوضاء والضجيج والزحام الحياتي المحمّل بالأفكار وسيل لا ينقطع من المعلومات، هنا نكون في أمسّ الحاجة للتوقف للراحة الذهنية، لكن من المهم التنبه لنقطة جوهرية وهي أن لا نطيل الوقوف وأن لا نستمر في تلك العزلة التي تبدأ كحاجة نفسية لتمسي قاسية مؤلمة، فالمبالغة بالانفراد والابتعاد عن الناس سرعان ما تصبح مرضاً مؤلماً بكل ما تعني الكلمة.. توقف للتفكر والتأمل ولكن لا تجعله جزءاً من حياتك اليومية.