لدينا إرث عميق الجذور يحث على الحذر والتنبه من الصديق، بل وكيفية التعامل مع الصديق والصداقة، ولعل من أهمها ذلك المثل الشهير الذي يقول: احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة، فإن انقلب الصديق فهو أعلم بالمضرة. 

وذلك الذي يقول: اللهم قني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم، وغيرها من الأقوال. فما هي الحياة التي نعيشها ونحن مسكونون بالحذر والخوف حتى من أقرب الناس إلينا؟ وكيف تطيب لنا الحياة ونحن نضحك مع أناس أمضينا معهم جل حياتنا في وفاق ومحبة وإخلاص واحترام، لكننا نخشاهم ونخافهم؟ فهل فعلاً باتت الصداقة عملة نادرة؟ ثم من هو الصديق؟ أليس أنا وأنت وهو وهي، ذلك الذي يتذمر من صديقه ويهجوه باكياً ويشكو من زمن شح فيه الأصدقاء أليس هو أيضاً صديقاً قد يوجد من يتذمر منه ومن يتضايق بسببه. فلماذا لا نطبق قول الشاعر العربي القديم الذي قدم لنا وصفة سحرية في كيفية المحافظة على الصديق، ولخص كلمات كثيرة في الحث على تجاوز الهفوات التي قد يقع فيها كل إنسان، حيث قال: 

وكنت إذا الصديق أراد غيظي، وشرقني على ظمأ بريقي 

غفرت ذنوبه وكظمت غيظي، مخافة أن أعيش بلا صديق

وهذا بالضبط الذي يجب علينا أن نتمسك به، فليس من الضروري أن تنتهي علاقتك بكل إنسان تعرفه بالابتعاد والإقصاء، ومن ثم الفرقة النهائية، فلماذا لا يحدث صمت وأن نحول هذه الصداقة من التوهج والبريق إلى مستوى أقل، دون قطيعة، بمعنى أنه ليس من الحكمة عند وقوع سوء تفاهم بين أي من الأصدقاء أن تنتهي هذه العلاقة التي قد تكون امتدت لسنوات طويلة، حيث يمكن المحافظة على روح الصداقة، وبالتالي تدوم العشرة والمحبة، حتى وإن كانت في مستوى أقل، فلعل قادم الأيام تعيدها لتوهجها وبريقها. 

هناك قصة قديمة تروى عن الأصدقاء تقول: كان صديقان يسيران فاختصما فقام أحدهما بصفع الآخر، فما كان من صديقه إلا أن كتب على التراب اليوم أعز أصدقائي صفعني على وجهي. ثم واصلا سيرهما، حتى وجدا نهر ماء فقررا أن يستحما، وأثناء سباحتهما، كاد الصديق الذي تلقى الصفعة أن يغرق، لكن أنقذه صديقه الذي ضربه سابقاً. 

وعندما خرجا من الماء، توجه الذي كاد يغرق وكتب مرة أخرى - لكن هذه المرة وهو ينحت ما يكتبه على جدار جبل - كتبت اليوم أعز أصدقائي أنقذني من الموت. سأله صديقه قائلاً عندما صفعتك كتبت على التراب، وعندما أنقذتك من الغرق نحت على الجبل؟ فقال، عندما نتألم من الأصدقاء يجب أن نكتب على التراب لتختفي مع أول هبوب للرياح، وأما عندما يقدم لنا الصديق عملاً جميلاً فلابد أن يتم نحته حتى يدوم في عقولنا وقلوبنا. الصداقة ببساطة تعني الاهتمام.