يعتقد الكثير من الآباء، أن أطفالهم يحتاجون للطعام واللباس، وتوفير وسائل الترفيه وحسب. وغني عن القول، أن هذه النظرة أو الاعتقاد خاطئ تماماً، والسبب أن الأطفال ليسوا كما نعتقد، بحاجة لهذه الأمور فقط، فهم بحاجة لما هو أهم وأكبر، بحاجة لاكتساب الخبرات، وبحاجة القدوة، ولمن يقلدونه، ولمن يكون نموذجاً لهم.
وهذه المعضلة الحقيقية التي تحدث دوماً، فينشأ الصغار دون قدوة، ودون التوجيه الذي يثقون فيه.
والأخطر من ذلك، أن الطفل عندما يفتح عينيه على الحياة، ويخطو أولى الخطوات، يصطدم بالعديد من علامات الاستفهام، وتحيط به الكثير من علامات التعجب، ويكون عندها في أمسّ الحاجة لمن يقف بجواره، ويعلمه ويرشده ويوجهه، بل بحاجة لمن يثق به.
تكثر الاستفهامات في ذهن الطفل، فيطرح السؤال، وينتظر إجابات، ولذا، يحتاج الأطفال للاهتمام، وأن نشعرهم أن تساؤلاتهم تنم عن الذكاء والتفوق والتميز، لا التحطيم وكسر فؤادهم الصغير، وإحباط حماسهم.
وهذا بالضبط، الجانب الذي حذر منه أطباء ومعالجو الأمراض النفسية، حيث يرى الكثيرون أن المشاكل النفسية تنشأ عند الطفل، بسبب الأب أو الأم، أو كليهما، فسوء المعاملة، التي تتمثل بالضرب والتوبيخ والإهانة، والتي تحبط الصغير، وتجعله ينشأ غير واثق من نفسه، بل وفي وسط دائرة من الخوف، مع جملة من الأمراض النفسية الأخرى، أو حتى في التجاهل والغياب المستمر للأب أو للأم عن التأثير في حياة صغيرهم، فهو بين يدي المربية أو العاملة المنزلية بشكل دائم، ينشأ ويكبر، وهو يجهل أباه وأمه.
في الوقت نفسه، ينمو، وتتزايد احتياجاته، فلا يجد بجانبه من يقدم له التوجيه والحنان، فيحدث أن يلجأ للأقران في المدرسة أو الشارع، لعلهم يملؤون الفراغ الذي يشعر به داخل نفسه.
سألت سيدة عن سر تميز أبنائها وبناتها، فأكبر أبنائها التحق بكلية الطب، وآخر كلية الهندسة، وأما بناتها، فواحدة منهن لحقت بشقيقها في كلية الطب، والأخرى تكمل تعليمها في أنظمة الحاسب الآلي، والأبناء الأصغر سناً، يتمتعون بثقافة واسعة، وتعليم مميز، وثقة واحترام، يلمسها ويشعر بها كل من يحتك بهذه الأسرة، فقالت إن السبب، هو الجلسة اليومية لجميع أفراد العائلة، حيث تعوّد الأبناء منذ نعومة أظفارهم، على جلسة يومية، بعد عودة الجميع من المدرسة، ووصول الأب والأم من أعمالهم، حيث يجلسون ويسمعون أخبار بعض، فيحكي كل واحد كيف كان يومه، والمشاكل التي تعرض لها، فتعودوا على هذا الوضع، وعندما كبروا وشبوا، كانت فضيلة هذه الجلسة ماثلة، والمصارحة عادة لا يمكن الاستغناء عنها، فنجحوا، لأنهم كانوا يجدون من يحل مشاكلهم، ويذلل العقبات لهم بالنصحية والتوجيه، وإكسابهم الخبرات التي يحتاجونها.
أعتقد أننا في كل منزل من منازلنا، بحاجة لمثل هذه الجلسة اليومية، وأن نعوّد أطفالنا عليها، لأنها اجتماع عائلي يومي هام، تجعل الجميع متكاتفاً ومتعاضداً، يشعرون ببعض، فيكونون أقوياء بالتغلب على مصاعب ومشاكل الحياة اليومية، وألا يقعوا فريسة بأيدي قرناء السوء، فلا شيء يجذبهم إليهم، لأنهم، وببساطة، يدركون أخطارهم، فجميع تساؤلاتهم تجد الإجابات، وكل ما يدهشهم ويستغربونه، يجدون من يشرحه لهم ويبلغهم عن سره، فلا فضول قاتل يتملكهم، ولا نزوات منحرفة قد تحيط بهم، لأنهم في حماية، والسبب التفاهم، ومنحهم المزيد من الوقت.