دون شك، هناك ضغوط تتعرض لها الأسر في كافة أرجاء العالم، فطبيعة الحياة المعاصرة، لها وقع كبير على دورها ورسالتها في بناء أفراد صالحين، يؤدون أدواراً حيوية ومثمرة في مجتمعاتهم، وكما هو معروف، فإن الأسرة هي السياج الأول، أو المحطة الأولى التي يكتسب منها الأطفال القيم والمبادئ والأخلاق، ونحوها من المثل الحياتية.. أمام طبيعة حياة اليوم، وُجدت حلول، سواء للرجل أو المرأة، في كيفية التعامل مع الأطفال، وتقديم احتياجاتهم اليومية من الغذاء والملبس والرعاية والاهتمام، وكان من بين تلك الحلول، الاستعانة بالمربيات، أو بالعاملة المنزلية، أو حتى بدور الحضانة، لتقوم بجزء من وظيفة الأم والأب.
والإشكالية في هذا السياق، هي الاعتماد الكلي والتام على مثل هذه الحلول، لأنها، وببساطة متناهية، ليست الحل الناجح، بل لها آثار وخيمة على الصحة النفسية للطفل. قبل أيام، نشر في عدة صحف، عن صدور مذكرة رسمية لنقابة علماء نفس الأطفال الألمان، حذرت من عواقب نفسية داخلية كارثية على الأطفال، نتيجة تخلي الأبوين المبكر عن تربيتهم.
وقدمت هذه المذكرة، دراسة سريرية حديثة على الأطفال الصغار، تثبت ارتفاع نسبة هرمون التوتر «كورتيزول»، في دماء الأطفال تحت 3 سنوات، الذين يتركهم أهلهم في رعاية دور الحضانة. وجاء في الدراسة: إن «الكورتيزول» يرتفع في الدم، كلما زادت فترة انقطاع الطفل اليومية عن والديه، ويتسبب ارتفاع هرمون التوتر، في عواقب نفسية وخيمة على الطفل مع مرور الوقت.
وطالب الأطباء بتوفير أجواء ثابتة وآمنة للطفل تحت سن 3 سنوات عند تربيته. وقالوا في المذكرة: إن ترك الطفل في هذه السن لرعاية غير الأبوين، يعرضه لأمراض نفسية بعيدة المدى، ستظهر أثناء البلوغ، على شكل أمراض خطيرة. وتم في مستشفيات وعيادات الأطباء، رصد العديد من هذه الأمراض الممتدة بين مشاعر الحرمان والخوف والكآبة والشعور بالنقص وغيرها. نقلت لكم هذا الخبر بشكل مختصر جداً، رغم وجود معلومات كثيرة في غاية من الأهمية، وتلامس كل أسرة «الأب والأم»، وفي هذا السياق، فإنني لست من النوع الذي يلقي هذه المسؤولية على كاهل الأم وحسب، وإنما يشاركها الأب المسؤولية بالتساوي، وإذا حدث خلل، فهو من الطرفين، وليس من طرف واحد. وهذه الدراسة، واحدة من مئات الدراسات والبحوث في هذا المجال، والتي تتفق جميعها على نقطة واحدة وأساسية، وهي أهمية القدوة في حياة الطفل، وأهمية تغذيته بالحب والحنان، وهي الجرعات التي لن يكتسبها إلا من والديه.
ولكم أن تتخيلوا أطفالاً في مقتبل العمر، يعانون من مرض نفسي خطير وجسيم، كالتوتر، ولمن ليس لديه معلومات حول ماذا يعني التوتر، يتم تعريفه بإيجاز، بأنه رد فعل عاطفي وبدني، ويمكن لأي شخص الشعور به. ويمكن أن يكون التوتر إيجابياً ويمنحك الطاقة، ولكن خطورته، عندما يكون غير صحي، حيث يسبب مشاكل صحية. كأمراض القلب والسكتة القلبية وضغط الدم والبول السكري، ومتلازمة القولون المتهيج، والربو والتهاب المفاصل، وغيرها. لذا، فإن المطلوب من كل أب وأم، محاولة التعويض، وتطمين صغارهم، وقضاء أكبر وقت ممكن معهم، بعد انتهاء فترة عملهم.