سرّ الشغف بالمعرفة ١

ظلت البشرية عبر القرون تبحث عن جواب حول التساؤل عن الكيفية التي يتمّ من خلالها فتح أبواب العلم أمام الطفل، وكيف نجعل التعليمَ عملية سهلة وممتعة؟

عندما يلقي المعنيُّ بالعملية التعليمية نظراته على طلاب المدارس سيغدو مألوفاً لديه مشهد بعض الطلاب الذين يبدو على وجوههم الملل وقلّة الرغبة في التعليم، بينما قد يشاهد وجـوهاً لطلاب آخرين تبدو عليهم النظرة الجادة إلى التعليم والاهتمام به، ويراهم يسعون للمشاركة والمناقشة، ويبرز السؤال عن أسباب التفاوت، وعن سر الشغف من جانب بعض الطلبة وغيابه لدى آخرين؟

معلوم أنّ التعلمَ عمليةٌ تتم في الدماغ، والعلوم العصبية الحديثة تشرحُ آليَّةَ عمل الدماغ، ولهذا فإنّ من وظيفة العلوم العصبية أنْ تفسّر ما يحدث في الفصل الدراسي أثناء التعلم، ولذا تكثرُ المساعي لإجراء اختباراتٍ مضبوطة الشروط حول خصائص التعليم الفاعل، الذي يمكِّنُ التلاميذَ الصغار من التعلم بسرعة، ويجعلهم يحافظون على ما تعلموه؟

ولكن ما المدخلات سواء أكانت في تسلسل التعلم، أم في أنماط التعليم؟ وهل مِن الأفضل أنْ يتعلم الطلاب من الاستماع؟ أو من المشاهدة أو النشاطات من خلال التحسس؟ أو من التفاعل مع نظرائهم؟ أو من الأفضل التعلم بالاستماع إلى شرح المعلم أو الحاسوب؟ هذه هي التساؤلات التي باستطاعة العلوم العصبية أنْ تجيب عنها.

التعليم في أحد مستوياته ليس تكـيُّـفاً للدماغ، فكل ما يقدمه المعلم للطالب وما يتشارك به معه وما يحركه فيه من أشياء ما هو إلّا تغيير فيزيائي يجري في دماغ الطالب، وقد ظنّ العلماء لسنوات مضتْ أنّ الدماغَ البشري يكتملُ نموه ويغلق للأبد، لكنْ في العقد الأخير أثبتت العلوم العصبية أنّ الدماغ يتغير باستمرار، ويمكن أنْ يؤثر بصورة جوهرية ودائمة في التعلم، وفي كل المراحل العمرية، ولهذا فالتحوّل يظلُّ ممكناً، وما علينا إلّا أنْ نفهمَ كيف نتمكن من استغلال تكيُّفيّة الدماغ نفسه بأفضل الأشكال، والتكيفية معناها الحرية والمرونة في التعلم والتغيُّـر، وإلا سيكون الدماغ مقيداً وظائفيّاً وغير قادر على التغير.

 

 

 

طباعة Email