كن هكذا مع نفسك

لو تناغمت مع الطبيعة وتصالحت مع نفسك، فكأنك تعالج جروحاً أدماها الأسى والحرمان، تنسجم روحك بتلك الأجواء الرحبة في الكون الفسيح، يلهمك الخيال، ويريحك استنشاق ذلك الهواء، لتخرج من عمق أنفاسك ملوثات كادت تخنقك بدخان الهموم، كن أنت وحيداً هنا صامتاً وبداخلك مناجاة روحانية.

وإذا أطلت الجلوس ستأتيك جيوش الأفكار تطرق أبواب تفكيرك، استجمعت قواها من تلك اللحظات الصعبة، لتهزم ضعفك لتستسلم للآتي إلى التغيير لمستجدات تستشرف أيامك المقبلة، فارفع رأسك إلى أعالي أغصان الشجر، ولا تنظر إلى الأوراق البالية على الأرض، لأنها ستصبح رماداً مع مرور الزمن.

ومتع ناظريك بجريان نهر لا ينضب من العطاء، اجلس على إحدى ضفتيه لترتوي عيناك من صفاء الحياة، وتابع ذلك الشلال المتدفق من أعالي الجبال، لترى القوة تعانق الصلابة، ليداخلك شيء يزلزل كيانك، لتفيق من غيبوبة كادت توقف حياتك، لا تتجاوب لصدى الأحداث، كن ذلك المتغافل المتجاهل لتلك المتطفلات.

كن هكذا صامداً تحتويك الطبيعة تتسامر ليلاً مع السكون والهدوء والدجى، والظلام تداخله أنوار الشوارع وأضواء كشموع توقد بك مشاعر قد ماتت، قتلتها الأحداث وضغوط الحياة ومنغصات بشرية، كن هكذا مع نفسك، تعانق النجوم لترتقي عن الثرى، لا تخلد إلى النوم إلا بعد صفاء ذهنك، ودرسك في القناعة والرضا بما قسمه الله لنا، فلا يوجد إنسان كامل.

فالرزق مقسوم بين البشر لحكمة من الخالق، ولقول رسولنا الكريم: «من أصبح آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، تلك هي القاعدة التي تبنى عليها تفاصيل حياتنا حتى لا تنهار.

وتلك مبادئ لا يقدّرها إلا من أدرك قيمتها، وكل حكيم سعيد سطر أهدافه، وتحدى مصاعب الدنيا بالصبر، ليصقل شخصيته ويبني إنساناً قوياً، يدرك أن الحياة لا تستقر على حال ولون واحد، فالاختلاف إدراك واتساع الفكر بالخبرات، لا تركن للتفكير.

فالحياة قصيرة، فلا تهدرها، استغل لحظاتك بالتأمل وبالعطاء، وأن ترسم ابتسامة، وتمسح دمعة، فكم نحتاج أن نشتري سعادتنا بالعطاء الإنساني، وأن تقضي الحوائج قدر مستطاعك وتدخل السعادة في قلوب البشر، كأنك تخطط لسعادة الدارين، اجعل خطاك هادئة، لا يحدث ضجيج وأثرك قوي راسخ لا تمحوه عواصف الدهر، وسيرتك من بعدك خالدة الذكر.

لا تعبث ببنائك بالتباهي، اصمت فصمتك غداً رواية، وكن صامداً كالشجرة الراسخة الممتدة جذورها في الأرض تتحدى جفاف المكان، فكم من خريف يأتي بعده ربيع مزهر، وكم من جفاف طال زمان سقته الأودية في سويعات وارتوت أنظار البشر واكتست الأرض بحلة جديدة، لتغسل أكداراً وأدراناً، وهكذا تتبدل الأحوال فلا تستقر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات