أيقونة الزمن الجميل

أوراق متناثرة تجتمع بها ذكريات الأمس والماضي وأيام رحلت، تلك الأوراق تسرد من أفواه السطور حكايات وروايات وأحداثاً بالية، ذلك الدفتر العتيق له رائحة خاصة بزمن يحرره من عبث الجديد والدخيل، رسمت به خرابيش ورموز لا يفكها إلا من عاش تلك الحقبة من الزمن.

وذلك الباب العتيق بنت فيه بيوت العنكبوت، واستوطنته دهاليز النمل، مفتوح على مصراعيه لا يغلق في وجهه المارة بيت الكرم والقيم والأصالة، وكأنه لوحة تراثية تزين المكان تاركاً أثراً لحضارة ورائحة من عمروها، محطة استراحة من ضجيج الحياة، وإذا أطلت النظر غفلت وسرحت بالخيال وكأنك استرخت أعصابك بقيلولة تأخذك بأحلام بسيطة في سكيك الفرجان لترسم بقية تفاصيل اللوحة، وتتعمق المكان لتصل إلى مفردات الحياة البسيطة البعيدة عن تعقيدات زمن السرعة والتقنية، لتتنفس معاني الإيجابية والأخلاقية.

وكأنك جمعتك مع أهل المكان معرفة بعيدة المدى، وكنت تائهاً ووجدت من يؤويك ويحتويك، ونخلة تظلل المكان تتحدى الجفاف تظل شامخة طيبة أصلها ثابت صامدة في وجه الزمن لتخلد ذكرى المكان، وإذا حل الغروب كساها بحلة جديدة تضفي على المكان سكينة وهدوءاً ومساجاً لأعصابك، وكأنك تعيش حلماً يهديك راحة البال على مخدة بالية ومفرش يهديك السلام الداخلي، وربما نمت بعمق لترحل أحلامك إلى نسائم الفجر وتلك الروحانية لتعيش لحظات مع خطوات أهل الحي الباكرة للعبادة والعمل يستبقون لأرزاقهم، منطلقين للمزارع وبحر تلاطمهم أمواجه العاتية، في مهرجان على الشواطئ وكأنهم خلية نحل لا تكل، وأيادي النسوة الحانية في البر والبحر ترافق الرجل لتبني حياة ناجحة متأصلة بالقيم الرفيعة، ترافقه في حله وترحاله، تبني عصراً من الزمن خالداً وقصة أسطورية يتناقلها الأجيال.

وإذا أسهبت التفاصيل ستجتمع معهم على آنية واحدة للغداء تتلاقى بها أيديهم لتحل البركة، وجرة طين تحوي ماء بمعادن لا تتغير لتستلذ بمائه بعد مشقة اليوم، وتجلس بعدها متظللاً بشجرة في ساحة البيت على حصير لترتشف كوب شاي أوقد على جمر، لتتسامر حلو الحديث تعيش اللحظة دون مبالغات وتكاليف، وأم تحيك ثوب طفل، وأطفال يعيشون بهجة اليوم بألعاب تتوارثها الأجيال ببهجة وضحكات وعفوية، جماليات المكان لا تنتهي تتذوقها بوجدانك، لتصبح شاعر المكان وكاتب القصة وملحناً على أوتار الزمن، لتسمع أهاجيس المقاهي وأغاني في بشتختة وكأنها تتراقص على مسامع الناس سيمفونية الزمن الراحل، لتظل صداها في القلوب قبل المسامع، وأنت ما زلت تجوب تلك الرحلة على متن الخيال قد تصادفك سحابة ممطرة في طريقك تحمل البشائر والخير الوفير محملة بمزون بشرى بأن القيم الأصيلة متأصلة في القلوب الصامدة الراسخة على المبادئ المعتزة بتراثها وهويتها، لترتوي عذب المعاني ونقاء النوايا وتطمح لمواصلة المسيرة ورفعتها بالارتكاز على الأساس المتين للقيم.. وتعزم على مواجهة تحديات الحياة بالثبات على الموروث الثقافي فهو فخرك واعتزازك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات