التسامح الذاتي

التسامح كلمة لها جذور عميقة جداً في ذات الإنسان، تؤثر فيه، وتؤثر في نظرته للحياة، وتؤثر في اتخاذ القرارات، والأكيد أنها ستؤثر في الآخرين والمحيط الذي يعيش فيه.

نتوقع بسهولة أن نجعل الآخر يستطيع أن يسامح، لكن يحتاج إلى أمور مهمة.

مثلًا أن يعترف بمشاعره السلبية والإفصاح عنها فذلك يخفف العبء في داخل الشخص، ويجعله أكثر توازناً في مشاعره وردة فعله وعندما يعبّر ويبوح بمشاعره تجاه من تعدى عليه يبدأ يشعر بالارتياح، لأنه لم يكتم هذه المشاعر، لأن كتمان المشاعر يصنع داخل الشخص المقاومة والصراع، فلن يرتاح بعدها وكأنها حمل ثقيل عليه. وأن يعترف بوجود هذه المشاعر فلا يهرب منها أو يتجاهلها، ويواجهها وجهاً لوجه. ثم يسمح لهذه المشاعر أن تغادره بهدوء وسلام، بعد ذلك سيلاحظ أن داخله بدأ في عملية الصفح والتسامح بتدرج ومن دون مقاومة، وهذا يأخذ بعض الوقت.

ما أردت الحديث عنه اليوم هو التسامح مع الذات، البعض يعاقب نفسه أو يجلد ذاته لخطأ ارتكبه أو لقصور وقع فيه، فيعيش في دائرة التأنيب والتدمير الذاتي، الذي يستنزف منه الكثير نفسياً وجسدياً، هذه الطريقة لا تعالج المشكلة أو القصور الذي حدث في الماضي، بل تزيد حدة المشاعر الضاغطة على الشخص. بعض الأشخاص يمارسون عملية تأنيب الضمير ليهربوا من تحمل المسؤولية، وليخفف الفرد الشعور بأنه ظالم أو مخطئ أو مقصر، وكأنه يكفر عن نفسه بهذه الطريقة.

هنا ستكون المشكلة أكبر وأكبر وهي الشعور بالتأنيب من دون التحرك والتغيير أو التطوير من ذاته، وكأنه يعطي نفسه التصريح أن يستمر في الخطأ أو التقصير، وهنا يخادع نفسه. إذاً لا بد من مواجهة الذات في الخطأ والتقصير، والاعتراف بذلك.

ويواجهه الخلل والضعف مواجهة حقيقية، ومعالجة الجذور والعمق، والوصول إلى الخلل، مع الابتعاد عن جلد الذات والتأنيب.

لا بد من التركيز على نقاط القوة التي يمتلكها الشخص في تجاوز هذا الخطأ، وصنع بديل قوي يعوّض الذي فات، أحياناً عن طريق خدمة أو عطاء من دون مقابل، نعم الماضي لن يعود لكي يتعوض، لكن تحمل المسؤولية من جديد يجعل الشخص يشعر بقيمته ووجوده أكثر. هناك من ظلم نفسه سابقاً بسلوك سيّئ أو تصرف متهور، اليوم يستطيع ترميم ذلك في البحث في نفسه عن نقاط الإيجابية وتكبيرها، وتعزيز السلوكيات الجيدة، وهنا صنع من نفسه إنساناً جديداً بدل الدخول في دهاليز التأنيب وجلد الذات. إذاً الحل مساعدة الذات عن طريق التصالح معها وتقبلها وتغييرها للأفضل.

التسامح مع الذات يشمل احترام إنسانيتك وتقبل سلبياتها وإيجابياتها كلها، ومن الوارد جداً أن تخطئ وتصطدم بقيودك أثناء محاولتك للتغيير وتحقيق ما تريد. ولكن اعلم أن هذه هي حقيقة كل البشر، ويجب عليك أن تتقبل بشريتك كما هي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات