سفر المشاعر

جلست بين جدران صامتة وحيدة برفقة كتاب، ورغم ذلك سافرت مشاعري وأفكاري بعيداً حيث أقرأ، تجولت بين البشر وفي المدن وتعرفت أفكاراً وتعلمت واكتسبت الخبرات، فكيف هو ذاك السفر، في أي وقت دون تجهيزات مسبقة ولا تذكرة ولا مطار ولا طائرة، هو صفحات كتاب يأخذني حيث الفكرة والهدف، هي حروف وكلمات سردها كاتب لترحل معه بنفس الرحلة، لا تترك الفراغ يتسلل في يوميات حياتك كن أنت القبطان وقائد حياتك.

فقط اختر عنوان الرحلة ووجهتك المفضلة، وارحل كل يوم، حتى لو كانت الرحلة بحرية تلاطمك أمواج البحر، واجه الأهوال بفكرك، وواصل حتى أقصى نقطة بحرية لتتلاشى بعيداً عن شواطئ اعتدت بأنها المرسى والأمان، لتعشْ جو الفكرة وتغامر في الأهوال، وصارع لتصل مع الكاتب لمراد الأقدار، ولتجدْ الغوص في الأعماق لمكنون ومغزى الرحلة، وبين حين وآخر أطلق عنان فكرك وأكمل معه الرواية وإن كنت شاعراً فأسرد بيت شعر على وزن القافية لتكن ملهماً تعيش اللحظة، لا تستسلم ولا تتوقف حتى النهاية، واقلب الصفحات وعبر بمخيلتك عن خواطر، وارسم إن كنت رساماً لوحة تعبر عن مغزى الرحلة.. توقف ما أردت ولا تنسَ أين حدودك الجغرافية لتكمل متى ما أردت، حاول تكمل بعدها وزادك فنجان قهوة، لا تستهنْ بنفسك فأنت ترتقي بفكرك ونفسك، ولتبدِ رأياً صائباً في جوانب الرحلة قد يكون ألهمت غيرك بمفتاح القصة، جميلة الرحلة والمغامرة الفكرية الملهمة إذا خطت بعدها حكم مكتسباتك من هذه الرحلة.

وسفر المشاعر لا حدود له والفكر يرتقي والإلهام يرتوي وبدون ذلك لا حضارة لنا سوى أرفف خيم عليها تراب الهجر، فاهجر فراغك ولا تنتمِ للفاشلين السلبيين، وكن كما أنت ووازن بين كل رحلة، احجز لك مقعداً وكن شغوفاً محباً بتلك الجولات.

فرحلات الأجداد للغوص كان واقعاً محفوفاً بالمخاطر خطته الأقلام شعراً وروايات ودروساً وعبر لأبطال عبروا غمار الأهوال وتسلحوا بالصبر، تلك حضارتنا نعتز بها، وحضارتك اليوم تعلمك ماضيك وماضي أجدادك وماضي الحضارات ومسيرتها، لتكمل أنت المسيرة وتخط الجديد لك وللأجيال بالفكر المستنير والأدب الرفيع، والدروس الواعظة، وليكن لك كنز منوع من المعارف والأدب وثقافات العالم في بيتك ترتبه بأبجديات، لتبنِ عقول أبنائك ولتكن أنت القدوة.

فالفعل قبل القول مؤثر فيهم، ازرع فيهم حب الكتاب، وابنِ لهم مجداً، دعهم يتعرفوا على كل زمان ومكان، وعلى شخصيات سطروا في التاريخ خلوداً لهم، وعلمهم التفكر والتأمل وأخذ الدروس والعبر، ليكن لهم بناء معرفي وثقافي، لتكبر آمالهم وأحلامهم، وليكن لهم شيء من الطموح لغد مشرق بأهداف تسمو بهم..

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات