للحياة وجه آخر

إذا اختار الإنسان الموت على الحياة فهو حتماً هروب من واقع مرير تعذر عليه تغييره. وإذا شارف الإنسان عند نقطة اليأس والهزيمة والاستسلام فقد نفد صبره ولم يعد لديه رصيد كافٍ ولا شاحن لقواه. تلك هي لحظات العزاء والمواساة له عند الانهيار. الكبت يولد الانفجار، والتمثيل بهدوء الأعصاب موت بطيء.

استجمع ما تبقى ولو القليل المتناهي لترحل من ذاك المكان، ومن تلك اللحظات القاسية، وعن هؤلاء المتسلحين بقنابل كاتمة للصوت، ارحل بعيداً ولا تبالي، واغسل قلبك وعقلك من أدرانهما، ارمِ بنفسك في بحر لكي تتوه في أعماقه وتطفو بعدها خفيف لثقل ما تركته في قاعه من هموم وآلام ومآسٍ، واسبح وكأنك تحررت من قيود شجونك، جالس الشروق لتشرق أيامك الجديدة، وخط حكم الماضي وخبراته وقت الغروب، لتنتهي الصفحة بمآثر الزمن، سافر بعيداً بعيداً، ولا تلتفت مَن ورائك، وكن في مقدمة ركاب الطائرة، اركض في الهواء العليل وشارك سباق الخيل وخلفك غبار يعدم رؤيتك لتتلاشى بعيداً عن أنظار أحرقتك.

واجلس وحيداً تسامر الزهور المتفتحة والطيور المغردة، تجوّل في شوارع المدن العريقة وانظر في وجوه ناس غريبة وابتسم لأنها اللغة ولقلبك راحة ولجمالك مكمل، تنقل في فسيح الأرض وتعرف على الثقافات الجديدة والطقوس الغريبة، واستمع للمسات الموسيقى المتدرجة في نغماتها بين الهدوء والحزن وشيء آخر لا تترجمه إلا لغاتهم، وارتشف قهوتك في طقوس جديدة، وتعرف على العتيق والجديد، تنفس الهواء العليل ومتع ناظريك وامنح قلبك متسعاً لشيء جديد، اكتب ما شئت واقرأ ما جهلت، وفي جيبك مفكرة ذكريات اللحظات الجميلة، غامر في غابات مجهولة واكتشف وتعلّم والتقط صوراً استثنائية، تسلّح بالهمة، وكن حذراً شغوفاً، قم بحفلة شواء في ليلة قمرية عند بحيرة هادئة، لتحتفل مع نفسك مع قلبك، لتكتب أبجديات روايتك الجديدة بعقلك وتجمّلها بعبارات من قلبك، مارس هوايتك ولا تترك فرصة فراغ تتغلغل بها هفوات سلبية.. ففي نهاية كل يوم متعب من الرحلات والمغامرات تخلد في سبات عميق تسترخي فيه أعصابك، وترمم به عافيتك، كل ذاك لأجلك لنفسك لروحك، امنحها هذه اللحظات لتستعيد ما فقدته، لتكون أنت، لتسري بك قوة الجسد، وحكمة العقل.

ولهدوء قلبك، جدد روحك لتسمو من جديد بعيداً عن التوافه، لتتعافى نفسيتك، للحياة وجه آخر، ولوحة ترسمها أنت بجميل ألوانك. فقط غيّر مسارك وأهدافك وقيمك، وكن لنفسك قبل كل شيء.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات