دروب تنهش الذاكرة

كنا نسير دروباً غير معبدة، تراب منه خلقنا وإليه سنعود تارة أخرى، تلك الدروب لها ذكريات راسخة، بين جوانبها أشجار من وحي الطبيعة أصيله تتحدى تقلبات الطقس وتبدل الأجواء، عبر فصول السنة المختلفة تقف صامدة، تلك مورد البيئة التي تحتضن الطيور وخلايا النحل لتختبئ عن متغيرات الزمن، وأنت تمشي في تلك الدروب تحن لتلك الخطوات وكأنك تمشي لاستعادة شيء فقدته بين مزارع النخيل التي كانت موارد زراعية لأجدادنا وآبائنا، فكانت تجملها أخلاقهم السامية وطباعهم الأصيلة، لتسمع أصوات بعض الطيور المتمسكة بها، رغم بعض الأماكن المهجورة الخاوية.. تسير مثقل الخطى تستعيد ذكريات طفولتك في تلك المزارع وكأنما للمكان نفسه ذاكرة تحن لأصحابها، نحتاج لتلك الأماكن لنستعيد شيئاً من زمننا الماضي، ولو كانت أرضاً جدباء وآباراً تملحت، ولكن لا ننسى أفضالها، بها عاش الآباء والأجداد، وبها تنافسوا على العمران والزرع، ومهرجان التمور تشاركه النساء والأطفال، ومن جذوعها تضللوا، ومن خوصها صنعوا الفرش ولمسات ما زالت فخراً، نشاطهم منذ الصباح الباكر يسري في أجسادهم الهمم.

تلك الأرض التي عمروها وسخروها لخدمتهم بكتهم كما تبكي البشر بعضها، بكتهم لأنها شاخت وهرمت لرحيل الساقي المعمر والمزهر، وما زالت الطيور تقف على جذوعها المتهالكة تغرد بأبيات شعر تبكي على الأطلال ترثي أصحابها خير رثاء، فأين الساقي وأين الجود، كانوا هنا وكانت الحياة مزهرة، عطشا دون تلك المنابع ما نرتوي، لو شربنا عذب الماء المنقى، ظمأ أبد الدهر للأصلي.

وفي جنح الليل سكون وتسبيح المكان لا يفتر، وعند الصبح لوحة أخرى على وجهه الحياة تضعها، وكأنها جادت اتساع مخيلة فنان حولها معرض لوحات فنية من صميم المشاعر والوجدان، في زواياها لوحات يتذوقها يقدرها جدباء لو لم يعمرها، سِر وتأمل لتتسع مخيلتك وفكرك بأن الدار ما زال غالياً لا نبيع الأصل والإرث والأمان، احتضنها لعلها تغفر لك تقصيرك، واسقها من دموعك لعلها تغفر لك الحرمان، وحاورها واستمع لعتابها وتذلل لها لعلها تشفع وتقبل الأعذار، واجلس على أرضها بين أفلاجها اليبسا تشم منك رائحة أحبابها، لترتاح وتلفظ أنفاسها الأخيرة في سكرات الموت، تموت مبتسمة بأنك ما زلت على الذكرى.

الدار خراب بعد أهلها، وللدار عليك حق في الوصل، لا أدري هي سامحتني أم ضميري أنهش الذكرى بالأسى، تعلم كيف الضياع بدونها، وأنها العهد الذي انكثا.. تربيت فيها وتعلمت، فكيف تنكر المعروف وتصبح مذنباً، اسمع لضميرك ودع دموعك تخفف ما أثقلت.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات