لا يوجد أغلى من تراب وطني

أبصرت النور في منتصف الستينات من القرن الماضي في مستوصف المرقاب، وهي من المناطق الحديثة في ذلك الوقت في مدينة الكويت، وعندما بلغت ثمانية شهور عدت مع والدي إلى منطقة اللية في الشارقة، وكان صيفاً، وتمتعت بالحبو بين جدران عريش منطقة الليزيرة، وهي التي كان يتخذها أهل اللية والخان كمصيف، وكان بها نخيل وطوي الماء، والتي تسمى حالياً بمنطقة المجاز، وعندما كنت أحبو، أحضرت لي أمي لعبة العروسة التي تصدر أصواتاً، ولكنها تعطلت بعد أن دخل فيها التراب، ولأنني كنت قد اتخذت التراب في حياتي كلعبة فقد كانت فرحة حياتي أن أعرف أن هذه هي بداية العودة إلى وطني..

ونحن نعيش في الكويت فهمت من والدي ووالدتي أننا لا بد إن نعود إلى موطننا الأصلي الشارقة بعد فترة، وكنت قد فهمت هذا الشيء أكثر وأكثر عندما ركبنا السفينة التي أبحرت بنا من ميناء شعيبة إلى اللية في ثلاثة أيام لنقضي الصيف بأكمله هناك، وكنت فرحة بهذه الإجازة، ولكن ما إن وصلنا رأيت السلم الطويل الذي أخذ يهتز بفعل الرياح .

ولم أكن أتخيل كيف يمكنني ان أنزل من هذا السلم الطويل أنا وأخي محمد، ولكن حمدت الله لأن خالي عبدالله حملنا أنا وأخي محمد وأنزلنا إلى لنج الشيوخ ثم وصلنا إلى الميناء، وعند وصولنا إلى منطقة اللية تفاجأنا بكمية التراب، وكان أخي محمد قد استغرب هذا التراب وقال كيف سأمشي على هذا التراب، بينما أنا كنت فرحة جداً بهذا البحر وهذا التراب، لأننا سوف نقضي الصيف وسط هذه الأجواء التي لا يعوضها شيء.

ومن تراب اللية إلى التمتع ببحرها وقواقعها وبيوتها ودرايشها وأشجارها كاللوزة والنخلة والسدرة، ولا أخفيكم سراً أنني مازلت أتخيل تلك الأيام وأتمنى عودتها، لكنها موجودة في خيالي ولن أنساها إن شاء الله ما حييت، فهذا التراب هو تراب وطني الذي أحببته منذ أن كنت طفلة، لم أكن أفهم آنذاك معنى أن الوطن غال، ولكن الذي تربى على حب الوطن لا يستطيع مفارقة حتى تراب الوطن.

بعد الطفولة اصبحنا نفهم ونعي ما معنى الولاء والانتماء لهذه الأرض الطيبة التي أعطتنا الكثير وكيف يجب الحفاظ عليها ما دمنا أحياء، وأن ترابها يجب أن يفدى بالغالي والنفيس، وأن حب الوطن ما له مثيل بعد حب الله سبحانه وتعالى، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعوضنا عن الوطن أي شيء.

وكلما خطوت خطوة أو كبرت سنة بسنة أو فهمت أكثر وعرفت ما هو الوطن، ازداد حبك وولاؤك لهذا الوطن المعطاء الذي ما زال يقدم لك أي شيء تريده كمواطن أو كمقيم أو كمحتاج في البلدان الأخرى، فهو لا يميز أحداً على أحد، وقد عرف عن شعب الإمارات أنه من الشعوب المتسامحة والسعيدة التي تحب الخير للغير كما تحبه لنفسها، وهنيئاً لنا في هذه الأيام في حلول اليوم الخامس والأربعين لاتحاد الإمارات العربية المتحدة لينعم شعب الإمارات بأنجح تجربة وحدوية في العالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات