ركن القراءة

تقاس حضارات الأمم بتنوع ثقافاتها المنقولة عبر الأجيال والسنوات، والمتكونة من العادات والتقاليد المتوارثة، لتصبح مرآة تعكس ثقافة الأمة سواء كانت شعوب متحضرة أو غير متحضرة، ولطالما نحن ـ المسلمين- تأثرنا بحضارتنا الإسلامية العربية الأصيلة، ثم دخل إلينا الاحتلال الأجنبي من كل حد وصوب، وقد أثر هذا فينا، وفي ثقافة شعوبنا.

الثقافة تنعكس على نخبة الأمة، ويمكن اعتبار الثقافة جزءاً لا يتجزأ من المورد الأساسي، الذي يثقف فيه عقولنا، من خلال دروب المعارف، ومن أهم تلك الدروب هي الكتب التي قال فيها المتنبي:

أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ وَخَيرُ جَليسٍ في الزّمانِ كِتابُ

في ظل هذه الأجواء لماذا لا نخصص لنا ركناً للقراءة يكون زاوية، ننطلق فيها إلى الأجواء ونخصص مكاناً في المنزل أو في الجامعة أو في العمل أو المدرسة، ويشعر الفرد في فترة من الفترات أنه يحتاج إلى الهدوء، ويخلد إلى ركن هادئ وزاوية، ليرتاح فيها ويقضي لحظات بسيطة مع صفحات من كتاب يقرأه، ويحب تقليب صفحاته، ويشعر براحة عندما تقع عيناه على هذه الصفحات، وتداعب الأفكار خيال المخ وتنتقل إلى مشاعر القلب، قد تكون لحظات هروب من شيء ما، أو لحظات يحتاج إليها الفرد بين ساعة وأخرى، مصحوبة بموسيقى هادئة تنقله إلى عالم ينسى فيه نفسه، ويقرأ فيه أكثر وأكثر.

تستطيع خلق الأجواء، وتتخيل أنك لو كنت عند البحر تسمع صوت أمواجه، وأنت تقلب صفحات كتاب كصفحة ماء البحر، أو عندما تقرر الخروج إلى البرية، وتختار ركناً هادئاً تحت أشجار الغاف المعمرة، حيث الكتاب والهدوء والمكان، الذي يدفعك إلى التأمل وفي الوقت نفسه السباحة في الرواية أو الكتاب، وتتخيل أبطال القصة وقد تسمع حفيف الأشجار وهي تعزف سيمفونية، تعطي دافعاً للإبداع أو التأليف.

لماذا لا تكون لدينا عادة حمل الكتاب أينما ذهبنا ليكون بين أيدينا جاهزاً، لكي نقراه في أية لحظة، مثلاً لو كنت مسافراً في الطائرة تستطيع قراءة كتب لا كتاب، وجرب أن تسافر بالقطار من مدينة إلى مدينة، لتستمتع بالأجواء وتستغل الفرصة وتقرأ روايتك أو تأخذ قصة تاريخية، وتسافر في رحلة القطار فقط، لتقرأه وتعود إلى المنطقة نفسها فأنا قد جربت تلك التجربة، وقد استمتعت غاية الاستمتاع.

وعندما تبدأ تتشكل الغيوم الممطرة والأجواء الشتوية تلك تكون أكثر متعة للقراءة خارج نطاق أسوار المباني، لتبدأ رحلة قراءة الكتب تحت المظلات، وسط الأمطار أو الثلوج لتدفئنا محتويات الكتاب، الذي نستمتع به ونحمله، وهو الذي يعطينا الدفء، الذي قد نفتقده في تلك الأجواء، الكتاب قد تستطيع حمله في أي وقت، وفي أي زمان مادام لديك حب القراءة، وحب تجميع الكتب، وحب المؤلفين والمفكرين، وأخبارهم ومتابعة آخر إنتاجهم، والسعي للحصول على تلك المؤلفات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات