بعد سنوات من العمل وفق آليات واستراتيجيات عصرية وأهداف وطموحات لا نهائية، رغبة في الوصول بالمنتج الرياضي إلى أبهى صوره، وبعد أن نجحت الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة في قطع مشوار كبير في هذا الاتجاه، اكتشفت أن عدداً لا بأس به من الاتحادات والجمعيات واللجان الرياضية والشبابية المسؤولة عنها، لا ناقة لها ولا جمل في هذا المضمار، وأن الأمور داخلها تسير بعشوائية.
وربما لا يعلم العاملون فيها ما تعنيه كلمة استراتيجية، إنه أمر يدعو بحق للدهشة، خاصة وطبقاً لمتابعتنا لكل ما يحدث على أرض الواقع، فالهيئة حريصة على عقد اجتماعات دورية خصيصا لمناقشة موضوع الاستراتيجيات والاستماع لأي شكاوى ومقترحات، وتطالب كل الهيئات التابعة لها بالانتظام في تقديم استراتيجيتها كأساس في اعتماد الميزانيات والتخطيط للمستقبل، ووصل بها الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بوضع نماذج جاهزة لأسلوب الإعداد إلكترونياً، رغم هذا كانت النتيجة صرخة من أمين عام الهيئة.
فالانتقاد اللاذع والتهديد المباشر الذي يوجهه إبراهيم عبد الملك، أمين عام الهيئة عبر الإعلام، وذلك خلال ورشة العمل التي عقدتها الهيئة لممثلي الهيئات المنضوية تحت مسؤوليتها قبل يومين، إنما هو تعبير صارخ عن حجم الدهشة والأسى، وما شعر به مسؤولو الهيئة بعد وقوفهم على الحقيقة وضياع الكثير من جهودهم السابقة هباء، أعلم أن سقف أحلام الهيئة كان عالياً في هذا الاتجاه، واعتقدت أنها ستجد هيئات رياضية وشبابية تواكب تطلعاتها وأفكارها المستقبلية، لكن الواقع كان أشبه بالصدمة التي أجبرت أبو محمد على هذه الحدة والقسوة على هذه الهيئات لعلها تفوق من غفوتها وتدرك المطلوب منها حتى لا يسبقها الآخرون.
الحقيقة أن الهيئة لديها إدارة تخطيط استراتيجي وتميز مؤسسي، متطورة ومواكبة لكل متطلبات العصر، نجحت خلال فترة وجيزة في إعداد الكثير من البرامج الكفيلة بمعاونة أي هيئة رياضية كانت أو شبابية على النهوض بعملها وتحقيق مستويات عالية من التطوير، فما أوجدته من أحدث الوسائل والآليات لوضع الاستراتيجيات كاف لإحداث ذلك، لكن يبدو أن بعض الهيئات، وقد يكون عددها كبيرا، ليس لديها المنسقون القادرون على الاستفادة من هذه الوسائل وتسخيرها لخدمة برامجها، وهذا ما يجب أن تركز عليه الهيئة عامة والإدارة خاصة في المرحلة المقبلة.
أعلم أنها استهدفت من خلال ورشة العمل الأخيرة وما سبقها من ورش، إعداد منسقين استراتيجيين في هذه الهيئات، قادرين على استخدام هذه الآليات الإلكترونية، لكن الواقع يتطلب المزيد.
نعم الواقع يتطلب المزيد، وعلى إدارة التخطيط عقد الكثير من هذه الورش، والأفضل دعوة أعداد قليلة من ممثلي الهيئات غير المدربين لتعليمهم كيفية التعامل مع هذا المشروع وآلياته، مع تكليفهم بإعداد نماذج عملية للتطبيق وتصحيحها إن لزم الأمر حتى يتقنوا التعامل مع لغة العصر، ويساهموا بفاعلية في إحداث النقلة المأمولة للرياضة والشباب من قبل الهيئة.
على الهيئة العامة أن تعلم بأن عملها الآن كمن ينحت في الصخر، وعليها الصبر حتى يؤتي ثماره ويتحقق ما نتطلع إليه جميعاً، لكننا نطالب الهيئات أيضاً بتحمل مسؤولياتهم في هذه المهمة وإلا فليتركوا مواقعهم لمن هم أكثر قدرة ورغبة في أداء دورهم الوطني للنهضة بكل أركان الدولة.