تناولنا في الحلقة السادسة من ملف صناعة البطل عددا من النماذج وتجارب الدول الناجحة في مجال صناعة الأبطال، لإلقاء الضوء على الأساليب المتبعة لتحقيق غايتها وأن يصبح لديها أبطال أولمبيون عظام يكرسون مفهوم تقدمها وتفوقها عالميا، وعندما نتعمق في الأساليب سنجدها مشاريع وضعت بناء على دراسات، وتحولت إلى سياسات خصصت لها الميزانيات اللازمة فتحقق لها النجاح وأفرزت النتائج المأمولة.

فما كان للصين أن تتحول إلى هذه القوة الرياضية العملاقة وتصبح المنافس الأقوى للولايات المتحدة دون سياستها في البناء والتأهيل الرياضي منذ الصغر وعمر 5 سنوات، حتى أصبح لديها 200 ألف مدرسة رياضية رصدت لها ميزانيات ضخمة وللمتفوقين حوافز مغرية كانت سببا في ثراء الكثير من الأسر الفقيرة، مما حول الأسر إلى أدوات ضغط ودفع لأبنائها.

هذه السياسة التي اهتمت بالبناء الجسدي والبدني والفني والنفسي للرياضي نجحت في إخراج نخبة من الأبطال الذين عززوا مفهوم التفوق الصيني عالميا، على الرغم من أن انطلاقتها الأولمبية بدأت في عام 1984 فقط، وهذا ما دفع الإعلام في أولمبياد لندن 2012 إلى فتح ملف صناعة الصين للأبطال ومراكزها الخاصة للتدريب التي وصل بهم الحد إلى وصفها بـ"مراكز التعذيب"، لكن هذا لم يمنع ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، إلى المطالبة بإدراج جميع الرياضات التنافسية ضمن المناهج التعليمية للطلبة البريطانيين حتى لا تتراجع بلده بعد أن احتلت المرتبة الثالثة في الترتيب العام بأولمبياد لندن، وما شجع كاميرون على هذه المطالبة، بيان حكومي كشف أن نصف الميداليات التي حصلوا عليها أحرزها رياضيون ينتمون لمدارس خاصة تهتم بالرياضات التنافسية.

النماذج التي طرحناها كانت مختلفة بما يتناسب وظروف كل دولة، فجاميكا بعد أن قدمت عداء مميزا هو أسافا باول، أهدت الحركة الأولمبية عداء أسطوريا هو أوسين بولت وبدأ معه بزوغ نجم بلايك، ولديها سياستها في صناعة الأبطال من خلال مشروع خاص يسمى "بطل" و حيث تختبر سنويا 2000 طالب لاختيار العناصر التي تتمتع بالخصائص المؤهلة للبطولة، ويتم ضمهم لمركز خاص يضم 300 موهوب يفرز العناصر المتميزة على صعيد الجنسين، والجزائر لديها مشروع يعرف بـ"العجلة الدائرة"، والمغرب لديها ما يسمى بـ"المشروع الأولمبي" الذي يصب تركيزه على 6 ألعاب فقط ورصد له 330 مليون درهم مغربي، وقطر لديها مشروع "أكاديمية أسباير" للموهوبين الذي كان من ثماره معتز برشم الذي منحها برونزية الوثب العالي في لندن.

الإنجازات الكبيرة لا تصنعها إلا سياسات توضع بعد دراسات ينتج عنها مشروعات عملاقة، محددة الاختصاصات، واضحة الأهداف، وخاضعة للرقابة الدائمة والتقييم لبلوغ الطموحات، ومن هذا المنطلق لا يمكن الاكتفاء بما يوضع من تقارير عن مشاركات تسجل الإيجابيات والسلبيات، وما يعتقده صاحبها من مقترحات وتوصيات، ولا تخرج عن كونها مجرد إثباتات. نحن بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي.

فسبق أن نادت اللجنة الأولمبية بمشروع "صناعة البطل"، ولكنه تحول إلى مشروع "الأولمبياد المدرسي" الذي منحته وزارة التربية والتعليم اهتمامها وأطلقته في العام الدراسي المنتهي. لكن هل هذا هو ما نريده وسوف يصل بنا إلى الهدف؟ أم أننا في حاجة إلى مشروع دولة بالمواصفات التي ذكرتها؟، من هنا أكرر، النجاحات الكبيرة لا تصنعها إلا سياسات لابد وأن تكون بنفس القدر.