عقب الافتتاح الأسطوري لأولمبياد بكين عام 2008، أشفق جميع المراقبين على كل الدول التي سوف تستضيف الدورات التالية، وفي مقدمتهم انجلترا، كما أجمعوا على أن لندن باتت في موقف لا تحسد عليه بعد أن وضعت في هذه المقارنة الصعبة رغم كل ما لديها من تاريخ وعراقة وحضارة، ولكن بعد حفل افتتاح أولمبياد لندن 2012 الذي شهدناه على مدى ما يقرب من أربع ساعات في الساعات الأولى من صباح أمس، يمكن التأكيد على أن لندن وضعت أيضاً كل من سيأتي بعدها، وفي مقدمتهم ريو دي جانيرو، في موقف أصعب عند استضافة الأولمبياد.

لقد تعامل الإنجليز مع أهم لحظة في الحدث، وهي الافتتاح بذكاء شديد. أدركوا مبكراً صعوبة مجاراة الصين في كم التكنولوجيا التي استخدمتها في بكين، وأنهم مهما قدموا وابتكروا فالمقارنة في النهاية لن تكون في صالحهم، كان عليهم البحث عن البديل، ووجدوا في ماضيهم وحاضرهم وما يتطلعون إليه في المستقبل الخيار الأمثل لتقديم أنفسهم للعالم.

ومنذ اختيار الرائع داني بويل مخرج فيلم "المليونير المتشرد" لإخراج حفل الافتتاح، وضحت معالم الطريق البديل، فقد قررت بريطانيا استثمار أفضل ما لديها والاعتماد على تاريخها وحضارتها ونجومها في مختلف المجالات بما يتناسب وكون لندن أول مدينة في العالم تستضيف الأولمبياد لثالث مرة، وهذا ما تأكد عندما أعلن بويل منذ البداية وأكد مراراً أنه لا يمكنه مضاهاة ما قدمه تشانغ مو من تكنولوجيا سخرت لها الصين ميزانية ضخمة عند إخراجه حفل افتتاح أولمبياد بكين.

كان من الطبيعي أن يعتمد بويل على ملكاته الخاصة كمخرج سينمائي، واستثمار كل ما تتميز به بريطانيا على صعيد قوتها الناعمة، مع الاحتفاظ بالقدر المعقول من استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تحفظ مكانة بريطانيا على هذا الصعيد، ولهذا وجدناها موجودة في كل فقرة منذ البداية لحظة بزوغ فجر حضارة بريطانيا من رحم الزراعة وخروج الشجرة من باطن الأرض، وظلت متواصلة بأسلوب مختلف عما شهدناه في بكين، وكان للمزج بين الخيال الفني والواقع المسرحي دوره البارز في عرض لم يكن له وجود في أي أولمبياد سابق.

بويل نجح في وضع بريطانيا في المكانة التي تناسبها وتستحقها من خلال تقديمه أفضل ما تملكه إلى جانب حضارتها الزراعية والصناعية العريقة.

 استعان بشخصيات شهيرة مثل جيه كيه رولينغ، مؤلفة سلسلة روايات (هاري بوتر)، والنجم السينمائي الكوميدي المحبوب مستر بين ونجم كرة القدم الشهير ديفيد بيكام، واستعرض بويل عضلاته في مشهد ربما لا يجرؤ عليه أحد غيره، بإقناع الملكة إليزابيث بالظهور في لقطة سينمائية في قصر بكنجهام مع دانييل كريغ نجم أفلام (جيمس بوند) الذي توجه إلى القصر لاصطحاب الملكة في طائرة هليكوبتر هبطا منها بمظلتين إلى الاستاد في مشهد تحول من سينما إلى واقع فعلي بتزامن أكثر من رائع مع دخول الملكة بالفعل إلى الاستاد.

ذكاء الابتكار منح حفل افتتاح أولمبياد لندن كل ما كان يحتاجه من إبهار استمتع به أكثر من مليار نسمة حول العالم، ولعل المشهد الأخير والمبتكر في إيقاد الشعلة وانفراده عن كل الدورات السابقة سيبقى عالقا في الأذهان لفترة طويلة، ويجعلنا نشد على أيدي المنظمين لإخفائهم كل تفاصيل هذا المشهد ووضعه داخل ملف كتب عليه «سري جداً».