مرت الأيام وجاء الوقت الموعود، حيث يقام مهرجان التراث السنوي المعروف باسم مهرجان صير بونعير، وفيه يستعيد الجميع ذكريات الماضي وحكايات سنين طويلة مضت أصبحت من الأساطير، بعد أن جرفتنا المدنية الحديثة وأبعدتنا عن حياة الماضي وكل تقاليده التي لم يعد متبقياً منها إلا المناسبات التراثية وبعض الأدوات التي اتخذناها زينة على الحوائط.
والسفن التي حولناها إما إلى مطاعم عائمة وإما إلى قوارب للنزهة، ولأنه ما زال يعيش بيننا من جربوا هذا الماضي أو من يحرصون على الاستمتاع بأجوائه من وقت لآخر، سيبقى لمهرجان الصير عشاقه الكثر من كل الطبقات والمستويات، الذين نراهم ونحنّ إلى حكاياتهم من عام إلى آخر.
وطبقاً للبرنامج السنوي لنادي دبي الدولي للرياضات البحرية، فمن المقرر أن يقام المهرجان هذا العام يوم بعد غد السبت، مشتملاً على سباق السفن للمسافات الطويلة من جزيرة الصير إلى خط النهاية الجديد أمام فندق برج العرب، مروراً بجزيرة القمر، ولكن يبدو هذا العام أن في «الجو غيم» قد يحول دون إقامة السباق في موعده، ويجبر المنظمين على تأجيله ولو ليوم واحد.
حيث تمر على الدولة رياح قوية محملة بالأتربة، وهي أجواء ضارة بالسفن وتحد من قدرة البحارة على الرؤية والإبحار بشكل ممتع، وهو الهدف الأساسي من تنظيم السباق، صحيح أن سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي وزير المالية، راعي وصاحب فكرة السباق، رصد للفائزين فيه جوائز قيمة تضاعف من قوة التنافس على قمته، إلا أن المتعة والاستمتاع برياح الماضي التي تجذب ما يقرب من 1500 بحار للمشاركة تبقى رغبة من الجميع.
كنت أحد المحظوظين الذين صاحبوا هذا السباق وقاموا بتغطية المهرجان منذ انطلاقته الأولى عام 1991، وأحمل الكثير من الذكريات الجميلة للساعات والأيام التي قضيتها على الجزيرة أو في اليخوت المرافقة للسباق، زعبيل والفتح والسطوة وجميرا، وقد تعودت على رؤية وجوه دائمة في السباقات طوال هذه السنين، سواء على صعيد المشاركين أو على صعيد المنظمين والمتابعين.
وكنت أنتظر من عام إلى آخر اللقاء السنوي المرتقب مع سمو الشيخ حمدان بن راشد في منبر الفهيدي، ذلك اللقاء الذي كان رافداً للكثير من القرارات المصيرية التي تهم مستقبل الرياضة، وكنا نتداول فيه كل مجالات الرياضة، مستفيدين من حرص سمو الشيخ حمدان على متابعة كل ما يدور في ساحتها من أنشطة أو قضايا.
ويبقى من رموز هذا المهرجان كل من الفريق سيف الشعفار، وكيل وزارة الداخلية، أحد المتبحرين في علم الفلك والرياح، والذي رغم مشاغله العديدة في مجال عمله إلا أنه كان حريصاً على الحضور في هذا المهرجان كل عام، وسعيد حارب، رئيس اتحاد الرياضات البحرية، الذي كان على مدى 21 سنة مضت العقل المدبر والقلب النابض لتنظيم هذا السباق.
وكان يمنحه من الفكر والجهد ما قد لا يقدر عليه أحد بإيثار وحب شديدين. وحقيقة، لا أعرف هل سيواصل سعيد ممارسة هذا الدور في ضوء التعديلات الأخيرة في إدارة النادي، أم أنه سيكون لأول مرة بعيداً عن مياه مهرجان الصير التي ربما تعرفه أكثر منا؟.