«السلك» و«السليكون»

سياسيون ومغامرون ومبتكرون على طريق العولمة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

هذا الكتاب الصادر في ربيع العام الحالي، والذي نقدم له عرضاً تحليلياً في جزءين يتخذ من ظاهرة العولمة المستجدة على عالمنا منذ عقد التسعينات المنصرم موضوعاً أساسياً، يرصد من خلاله نوعية وتطور المسارات التي قطعتها الظاهرة المذكورة عبر تاريخ العالم وبما أدى إلى تقلص، إن لم يكن إلغاء، المسافات الفاصلة مكانياً ومن ثم زمانياً بين أرجاء كوكبنا بكل ما يحتشد فيه وما يموج به من أفكار وطروحات وتيارات.

والكتاب يتناول أبعاد هذا الاستعراض من خلال عرضه التفصيلي، والتحليلي أيضاً، لعشر شخصيات مرّت على حياة كوكبنا عبر تاريخه الطويل ابتداء من المغولي جنكيز خان في القرن الثالث عشر، وهو الذي ارتبط اسمه بما يوصف بأنه طريق الحرير الواصل من أيامها بين أصقاع الشرق من القارة الأسيوية إلى مشارف الثغور عند المشارف المتوسطية وما يجاورها من تخوم القارة الأوروبية، وليس انتهاء بالزعيم الصيني دنغ هيساو بنغ، الذي عمل على تحويل مسارات بلاده إلى وجهة العولمة .

وبين الشخصيتين يعرض الكتاب أيضاً إلى الشخصيات المحورية الأخرى التي كان لها إسهاماتها المتميزة، وأحياناً الراديكالية في إرساء وتطوير مؤسسة – ظاهرة العولمة، ما بين البرتغالي هنري الملاح إلى الفرنسي جان مونيه إلى الإنجليزية مرغريت تتشر إلى الأميركي سايروس فيلد.

صحيح أن الأجيال الراهنة من البشر تتصور أن العولمة ظاهرة مستجدة في حياة كوكب الأرض.

وصحيح أيضاً أن هناك من الدارسين والمحللين من يعزون العولمة إلى ما شهدته الإنسانية، وخاصة منذ منتصف القرن الماضي، من إنجازات جاءت أيامها أقرب إلى الفتوحات وخاصة مع التوصل إلى آليات البث الفضائي المتلفز عن طريق الأقمار الاصطناعية ناهيك عن إنجازات ما أصبح يعرف بأنه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي ما لبثت مع العقد الأخير من القرن المذكور أن دخلت ما يمكن وصفه بأنه حقبة التثوير.

ولاسيما بعد اكتشاف شبكة الإنترنت العنكبوتية التي أتاحت ما أصبح الناس يستخدمونه في زماننا الراهن من وسائل الاتصال- التواصل الاجتماعي، على اختلاف ما تتسم به من سبل وأساليب وكفاءات لم تكن لتخطر يوماً على البال.

كل هذا صحيح بل وتشهد به تلك الطرائق التي لم تعد تفّرق موضوعياً بين ساكن البادية وساكن الغابة، ولا تميز بينهما وبين إنسان الحاضرة الذي ينعم بأحدث ثمرات التكنولوجيا المتقدمة.

لكن الأصح كما يؤكد المفكر الأميركي جيفري غارتن هو أن ظاهرة العولمة ليست بالجديدة على حياة البشر، ولا هي تنتمي فقط إلى القرن العشرين على نحو ما ألمحنا إليه في مستهل هذه السطور.

البروفيسور جيفري غارتن يذهب إلى أن العولمة ظاهرة لها تاريخ ممتد على مسار الكسب والاجتهاد الإنساني، ويرجع – في تصور الأستاذ الأميركي – إلى عصور خلت من عمر الحضارة البشرية.

حكاية العولمة

من هنا حرص البروفيسور غارتن على استعراض مراحل وشواهد هذا التاريخ في كتاب يصفه غارتن في العبارة التالية: إنها قصة العولمة يتم سردها من خلال حياة عشر شخصيات استثنائية.

هذه العبارة تجسد العنوان الفرعي للكتاب الذي نستعرضه معاً في هذه السطور.

على أن العنوان الرئيسي لكتابنا يجسد بدوره مشكلة طريفة من حيث أصول الترجمة من الإنجليزية إلى العربية، فالعنوان يمكن ترجمته بلاغياً كما نؤكد على وجه يقول بما يلي: من السلك إلى السليكون، هكذا اختاره المؤلف مزداناً بهذا الإيقاع الموسيقي في الأصل الإنجليزي.

لكن لا مناص في تصورنا من ترجمة عنوان الكتاب بحيث يتيح العنوان مفهوماً واضحاً لقارئنا العربي، ولو جاء ذلك على حساب الإيقاع الموسيقي، وليصبح العنوان كما يلي: من طريق الحرير (القديم) إلى وادي السليكون (السوبر – معاصر).

وها هو مؤلفنا يختار سرد هذا التاريخ واستعراض حقائقه ومراحله من خلال ترجمة حياة 10 شخصيات عاشت وعملت وكسبت وأصابت وأخطأت ضمن حيز زمني طويل استغرق من حياة البشر ما يصل – كما يوضح الكتاب – إلى 800 سنة قد تقل وقد تزيد، شهد فيها البشر العديد من المغامرات والإنجازات والمكتسبات بقدر ما شهدوا أيضاً العديد من المتغيرات والإحباطات والتراجعات، وإن كان كشف الحساب النهائي يؤول إلى صالح التقدم الإنساني في مواجهة سائر المشاكل والعقبات.

الشخصيات العشر التي تدور من حولها سرديات هذا الكتاب هي:

(1) جنكيز خان

(2) الأمير هنري (الملاح)

(3) روبرت كلايف (المغامر الإنجليزي)

(4) ماير روتشيلد (المصرفي الأشهر)

(5) سايروس فيلد (الملياردير الذي ربط ضفتي الأطلسي بأول أسلاك التوصيل)

(6) جون روكفلر التايكون- البليونير الأميركي الذي شيد صناعة الطاقة

(7) جان مونيه السياسي الفرنسي داعية الإتحاد الأوروبي

(8) مرغريت تاتشر

(9) أندرو غروف الذي يعزى إليه، في تصور مؤلف هذا الكتاب، قيام ما يوصف بأنه الثورة الصناعية الثالثة.

(10) دنغ هيساو بنغ الزعيم الصيني الذي يعزى إليه تحويل الصين من العزلة الأيديولوجية إلى الانفتاح المقتدر على عالم الربع الأخير من القرن العشرين.

عن المحور رقم 11

مع هذا كله، فمن حق مؤلف هذا الكتاب علينا نحن معشر القارئين أن نسجل له أن بحثه الذي نتناوله في هذه السطور، مازال يصدر عن رؤية نراها إيجابية بكل معنى.

يحرص المؤلف على اطلاعنا على المنهج الأساسي الذي اتخذه مقياساً لاختيار شخصيات كتابه العشر. ويتلخص المنهج في أنها الشخصيات التي جعلت العالم أصغر حجماً وأوثق اتصالاً (أو تواصلاً): منهم ذلك الفتى المغولي (جنكيز) الذي نشأ وسط أحراش الاستبس في وسط آسيا، ثم نهض إلى حيث أنشأ أكبر إمبراطورية، عرفها التاريخ (ولكن – كما نضيف من جانبنا – مع التسبب في معاناة الشعوب وآلام الملايين) .

حكاية الأمير الملاح

وبعد جنكيز خان، يأتي دور الشخصية رقم (2) من قائمة هذا الكتاب، وصاحبها اسمه هنري

ويسبق اسمه لقب الأمير فيما يلحق باسمه لقب آخر هو «الملاح».

الأمير هنري الملاح (1394- 1460) يعرض له مؤلف الكتاب على أنه المكتشف الرائد الذي جعل الكشوف وارتياد مجاهل المحيطات واليابسة علْماً قائماً بذاته.

هنري الملاح ينتمي إلى العائلة الملكية التي حكمت البرتغال، ينسبون إليه اكتشاف السواحل الغربية لقارة أفريقيا، المطلة على مياه المحيط الأطلسي.

ورغم اتسام كشوفاته ورحلاته البحرية بصفات أقرب إلى الطابع الكولونيالي، إلا أن هنري ترك للمؤرخين والجغرافيين ثروة من المعلومات التي ظل حريصاً على استقائها وتجميعها من مصادرها البشرية المباشرة- سواء كانت هذه المصادر تجاراً أو مغامرين أو شخصيات من سكان الأصقاع الأفريقية التي عمل على ارتيادها خلال الفترة التي نشط فيها وخاصة منتصف القرن الخامس عشر للميلاد.

الرائد والمنحرف أيضاً

ولأن كتابنا يتعامل مع ظواهر بشرية فها هو المؤلف يخصص الفصل الثالث من هذا الكتاب إلى شخصية غريبة حقاً في التاريخ الحديث: اسم صاحبها هو: روبرت كلايف، عاش في الفترة 1725- 1774، لا يرتبط اسمه بجدارة أو بطولة بقدر ما يرتبط بأكثر من سلوك مرفوض إلى درجة الانحراف، بل والجريمة في بعض الأحيان.

كان مغامراً منذ يفاعته، حين حط على ظهر سفينة حملته في رحلة استغرقت عاماً كاملاً من لندن إلى مدراس في الهند، والتحق بخدمة شركة الهند الشرقية البريطانية، طبعاً، في وظيفة كاتب صغير، شق طريقه في شبه القارة الهندية: مغامراً إنجليزياً، بلا نسب أو حَسَب، لا يرتبط بشيء ولا يحرص على أمر، لكنه في غضون 15 عاماً تحوّل من موظف مجهول إلى قيادة تحولت معه الشركة المذكورة أعلاه من شركة تجارية كانت محدودة إلى مؤسسة عملاقة متعددة الجنسيات.

هنا يحاول مؤلف الكتاب أن يطل على ظاهرة روبرت كلايف من المنظور الذي يعتمده خلال سطور الكتاب، ويتمثل في حلقات كسر العزلة الفاصلة بين أرجاء الكرة الأرضية طريقاً إلى ظهور واستقرار ظاهرة العولمة.

رحل كلايف عن العالم في عام 1774، ولمّا ينقضِ نصف قرن من بعده إلا وقد اتسع نطاق الكشف والارتياد – والاستغلال أيضاً- ليمتد من الهند إلى أصقاع أخرى في جنوب شرقي آسيا، إلى الملايو وهونغ كونغ وسنغافورة وبورما وأفغانستان، وصولاً إلى الصين.المسافات تنكمش

أخيراً، وقرب نهايات هذا الجزء الأول من قراءتنا لمضامين هذا الكتاب، نصل إلى شخصية المحور رقم خمسة من محاور هذا الكتاب: سايروس فيلد (1819- 1892).

جاء إسهامه في صرح العولمة من خلال إنجازه التاريخي في الوصل الدينامي بين ضفتي الأطلسي – الشطر الغرب- أوروبي والشطر الشرقي من سواحل الولايات المتحدة.

صحيح أن الضفتين كانتا في حال من الارتباط عبر الملاحة البحرية، لكن الأصح هو ما أنجزه سايروس فيلد حين استطاع أن يربط بين الشاطئين من خلال الكابل البحري أو ما عرف في أيامه بأنه التلغراف عبر الأطلسي أو ما أصبح يعرف في بلاغة أيامنا بأنه شبكة الإنترنت اﻠفيكتورية أي همزة التوصيل المنسوبة بداهة إلى عصر الملكة فيكتوريا (1837- 1901) ثم جاء يوم 27 يوليه 1866: مدام سايروس فيلد أمسكت برقية تقول: وصلنا في التاسعة صباح اليوم.

الكل على ما يرام. نشكر الله فقد استقر الكابل (البحري – المحيطي) ويعمل بكل كفاءة..«

بعدها انهمرت البرقيات المتبادلة بين ملكة إنجلترا ورئيس أميركا فضلاً عن سائر الوزراء ورجال الدولة، ويومها سجل المؤرخ سستر هيرن سطوراً تقول: اليوم قرأ العالم مقتطفات متقاربة للغاية: أسعار بورصات وول ستريت، ثمن الحبوب في أسواق بروكسل - ﺒﻠجيكا.

وإلى الجزء الثاني – الأخير من إطلالتنا على هذا الكتاب، في الأسبوع المقبل بإذن الله،

تاجر بارع يحدد مسار العالم

تنتقل محاور الكتاب إلى الفصل الرابع الذي يدور حول شخصية المليونير ماير روتشيلد (1744- 1812) ويطلق عليه مؤلفنا الوصف التالي:الأب الروحي للنشاط المصرفي العالمي (العولمي).

بدأ حياته في التعامل التجاري لبيع وشراء العملات النقدية التي كان معظمها مصنوعاً أو مسكوكاً من الذهب أو الفضة في أوروبا- القرن الثامن عشر، فضلاً عن التعامل في سائر المصنوعات الثمينة، مثل الأوسمة والميداليات والتماثيل المصنوعة من الأحجار الكريمة. وكأي تاجر شاطر لم يكن ليتورع مع الأيام أن يبعث بالهدايا إلى الأفراد النافذين في الدوائر الأرستقراطية القريبة، أو المقربة من سدة الحكم ومقاليد السلطان.

واستطاع أن يشغل موقع الوسيط – السمسار بين الأمير الألماني ويليام وبين البنوك الإنجليزية، وكان ذلك مع ثمانينات القرن الثامن عشر بقدر ما كانت تلك هي الخطوة المحورية لدخول ماير روتشيلد ساحة التجارة العالمية والأنشطة المصرفية الدولية.

يطل كتابنا في فصله الرابع على ما أنجزه ماير روتشيلد خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر من توطيد دعائم المنظومة المالية ذات البعد العالمي، التي يؤكد مؤلفنا أنها كانت من ألزم ما يكون لتلبية طموحات البلايين من البشر كي يدخلوا إلى مصاف الطبقة المتعلمة الوسطى وصولاً إلى ما بات عصر العولمة يستلزمه من حيث مجابهة مشاكل البيئة وتغيرات المناخ.

تجاوز كوكب الأرض

يتوقف المؤلف عند مقال نشرته صحيفة»الفاينانشيال تايمز« وقالت فيه: قَدَرنا الذي لا شبهة فيه (كبشر) هو أن نواصل التحرك إلى ما يتجاوز كوكب الأرض. هنا يعلق مؤلفنا موضحاً أن هذه الدافعية نحو التحرك فيما يتجاوز كوكبنا إنما يرجع الفضل فيها إلى شخصية من طراز هنري الملاح الذي ظل شغوفاً بالتماس معلومات جديدة واجتياز المزيد من الحواجز الجغرافية ومواصلة التحرك إلى الأمام برغم أن هذا الأمام كان في أيامه محفوفاً بخطر المجهول وقد لا يعود بجدوى وربما يؤدي إلى دمار أو هلاك.

المؤلف

عمل المؤلف أستاذاً في جامعة يال، حيث واصل التدريس على مدار عشر سنوات (1995- 2005) أستاذاً لعلم التجارة الدولية والمالية وإدارة الأعمال. وقد شغل أيضاً منصب وكيل وزارة التجارة لشؤون التجارة الدولية في الفترة من عام 1993 إلى عام 1995 في عهد إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، فضلاً عن سنوات طويلة أمضاها البروفيسور جيفرى غارتن في خدمة كبرى المؤسسات التمويلية والمصرفية في الولايات المتحدة.

تأليف: جيفري غارتن

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة هاربر كولنز، لندن، 2016

عدد الصفحات: 445 صفحة

طباعة Email