يركز مؤلف الكتاب على مقولة أن دبي وشقيقاتها المنتميات كما يقول - إلى مستقبل القرن الواحد والعشرين المفعم بتجليات العولمة إنما تمثل في التحليل الأخير همزة وصل بين الماضي والمستقبل، وأنها تتميز على وجه الخصوص بأن تجاربها أدت إلى دحض أو تفنيد ما سبق إلى إطلاقه الشاعر البريطاني «كبلنغ» بأن الشرق والغرب لن يلتقيا، بل أثبتت مدن المستقبل أن بالإمكان أن تلتقي الحداثة المستقاة من تجربة الغرب، مع رؤي المستقبل التي عملت المدن الأربع على تجسيدها من خلال مبتكرات المعمار وأساليب الحياة، ولكن على أرضية من الاحتفاظ بأبعاد الشخصية والثقافة الوطنية.

في كتابه «تاريخ مدن المستقبل»، عرض المؤلف الأميركي دانييل بروك، سيرة أربع مدن عالمية لامعة في عالمنا الحاضر، من بينها دبي.

تناول نشأتها وتطورها ودورها وموقعها، وكذلك القواسم المشتركة التي تجمع بينها. وقد احتلت دبي، على الرغم من صغر سنّها، مقارنة ببدايات شقيقاتها الثلاث الأسبق منها في الزمن، سان بيترسبورغ الروسية، ومومباي الهندية، وشنغهاي الصينية، موقعها المنافس عن استحقاق، بشهادة المؤلف الذي رأى في مسيرتها قصة «مذهلة»، سواء في حجم الإنجازات أو في سرعتها، كما في آفاقها المفتوحة.

وحظى كتابه بتقييمات عالية من قبل مرجعيات أميركية، إعلامية ونقدية، لما احتواه من تشخيص وربط أجرته هذه المدن، «القائمة في الشرق، والتي أقيمت لتبدو وكأنها في الغرب»، بين الماضي والحاضر، وما يجمع بينها من معالم وروابط في الشكل والفلسفة التي قامت على أساسها.

أفرد المؤلف فصلين لدبي: واحداً لفترة المؤسس، طيب الله ثراه، المرحوم الشيخ راشد آل مكتوم، الذي وضع اللبنات الأولى للإمارة التي صارت عالمية الشهرة والموقع. والثاني، لفترة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي تابع المسيرة بصعود فلكي لا حدود لرحلته وطموحاتها، وفق شعاره: وضع دبي في المرتبة العالمية رقم واحد.

في الفصل الأول، يعرض المؤلف قصة المدينةويؤشرإلى حقيقة عميقة في هذا الصدد، وهي أن دبي كانت على الدوام متعددة اللغات، لكونها على مفترق طرق. بل هي «في موقع المركز من العالم».

والدليل على ذلك، كما يقول، أن تجار دبي «كانوا يتاجرون مع الصين منذ ألفي سنة»، وفق ما تشير إليه الآثار المعروفة. ساعد على ذلك موقعها الجغرافي بين أوروبا وأفريقيا وآسيا. كما يعود ذلك إلى «حفظ السلام والاستقرار الذي ضمنه آل مكتوم منذ تولي الحكم في عام 1833».

ويشير الكاتب في تنويهها، إلى أن الاستعمار البريطاني أغفل الاهتمام بدبي بالصورة نفسها التي أبداها بالنسبة لمدينة مومباي الهندية. ويعود الفضل في نهوض الإمارة إلى مبادرات عائلة آل مكتوم.

«ففي عام 1900، رفعت إيران رسوم الجمارك على البضائع، فسارع الشيخ مكتوم بن حشر إلى إعفاء ميناء دبي من الرسوم والضرائب، فكان أن تدفق التجار الإيرانيون على دبي». ومن هنا، يقول، توسعت تجارتها ورسّخت نفسها كمركز تجاري في الخليج.

ثم ينتقل إلى مرحلة ازدهار تجارة اللؤلؤ في أوائل القرن العشرين، والذي جنت منه منطقة الخليج ثروة كبيرة، بحيث صارت تشكل 95 % من اقتصادها. مرحلة انطوت مع حلول الكساد الكبير في أواخر العشرينيات. لكن «سياسة الانفتاح التي اعتمدها آل مكتوم، جعلت من دبي جزيرة مزدهرة «.

وفي هذا السياق، نوّه الكاتب بتحويل دبي إلى نقطة مركزية في الاستيراد والتصدير لمنتجات الهند من المنسوجات، واليابان من الإلكترونيات، في التجارة الدولية، وبالتالي إلى «مدينة عصرية، كما أرادها الشيخ راشد طيب الله ثراه، عندما تولى الحكم عام 1958، والذي كان قد بدأ قبل ذلك، بمشروع جرف الخور.

وفي هذا المجال، يسلط الكاتب الأضواء على اهتمام الشيخ راشد منذ البداية بالبنية التحتية، بما هي استثمار جيّد على المدى الطويل. لكن كان ينقصه رأس المال. «فذهب واقترضه من جارته الكويت». ولم تكتمل نظرته العصرية إلى دبي إلا بعد اكتشاف النفط وامتلاكه لرأسمال المستقل للمضي قدماً في عملية البناء. وبعد ذلك، وعلى إثر عودته من زيارته الأوروبية الأولى، قرّر ضم دبي «إلى العالم المعاصر».

وهنا يعدد المؤلف إنجازات الشيخ راشد الكبرى في هذا المجال، بدءاً من بناء مرفأ دبي الذي افتتحه عام 1979، والذي غدا من أكبر المرافئ البحرية في العالم. ثم أشار إلى وضع الشيخ راشد لتصوراته الكبيرة للمدينة، بحيث جرى تخطيط بنائها، بناء على تعليماته، على أسس «كما لو أنها لا تملك النفط، ولتكون مركزاً لمنطقة الشرق الأوسط، وبحيث تتسع لمليون نسمة، وتحقق الانتقال من العالم الثالث إلى العالم الأول خلال 15 سنة».

ومن حلم المؤسس، الذي لم يعش ليرى كيف صارت دبي كما أرادها، إلى حلم مكمّل المسيرة ومطوّرها، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي «أراد أن تحتل دبي قمة العصرنة، وتتحول إلى مدينة تمثل العالم كله».

ويستعرض المؤلف منجزات هذه المرحلة التي بدأت أواسط 1981، بالتوقف عند أبرز محطاتها وطموحات ورؤى قائدها الذي يضع الاستراتيجيات «ويشرف ويدير كل شيء»، بهدف جعل مدينته لتكون «الرقم واحد، ليس في المنطقة، بل في العالم»، والذي يتجول بسيارته البيضاء بمفرده، ويمارس عمله في مكتب بأعلى البرج، وليس من قصر، كما هي حال الملوك».

وفي هذا السياق، يعود إلى البدايات، عندما أشرف صاحب السمو الشيخ محمد بتكليف من والده المغفور له بإذن الله الشيخ راشد، على بناء مطار دبي، ثم إلى عام 1980، حين أطلق مشروع طيران الإمارات، الذي تمدد من محيطه الإقليمي، لتشمل رحلاته اليوم معظم مدن العالم.

وإذ يشير بروك إلى أهمية الإعفاء الضريبي في استقطاب عالم الأعمال إلى دبي، إلاّ أن الأهم من ذلك كان في السياسات التنموية الجذّابة التي اعتمدها، والتي كان من شأنها أن عزّزت الإقبال على المدينة. وفي هذا الصدد، ذكر مرسوم تملك الأجانب الذي صدر عام 2000، والذي كان الأول من نوعه في منطقة الخليج.

على الأثر، تدفقت رؤوس الأموال من البلدان المجاورة «بحيث صارت دبي مثل مدينة ميامي الأميركية بالنسبة للنخبة في بلدان أميركا اللاتينية». فالإصلاح الإداري هذا «وضع دبي بموازاة دبلن الإيرلندية ولاس فيغاس».

كما توقف المؤلف عند محطة «المناطق الحرة»، التي أطلقها الشيخ محمد، والتي كانت باكورتها منطقة جبل علي، ثم تبعتها مدينتا الإنترنت والإعلام، ومركز دبي المالي الدولي، بهدف اجتذاب الشركات العالمية متعددة الجنسيات.

ولضمان الإقبال عليها، حرص صاحب السمو على منحها وضعاً خاصاً «بما في ذلك إنشاء مناطق اقتصادية خاصة، وجعلها تخضع لقوانين خاصة داخل محيطها المحدّد»، بحيث تتحول معها دبي إلى «مركز أعمال دولي للشرق الأوسط». بل أعفى مدينتي الإنترنت والإعلام من الرقابة، باستثناء منع الدخول إلى المواقع الإسرائيلية. وفي هذا الخصوص، يشيد المؤلف بشفافية الإمارات، «حيث المحجوب معلن عنه لتنافيه مع الدين والقيم والثقافة».

وينوه المؤلف بالتعددية التي جعلت دبي «أهم مدينة متنوعة في العالم، بل جعلتها عالماً مصغراً لكوكبنا». وفي هذا الصدد، يشير إلى ميزة أخرى لدبي، بكونها «مدينة عالمية، لكن أكثر سكانها غير عالميين»، بمعنى أن كل جالية تحتفظ بأسلوب حياتها.

كما يخصّ الإنجازات العمرانية التي تشكل علامة فارقة لدبي، من مراكز التسوق، خاصة مول الإمارات وابن بطوطة، المرتبط اسمه بالتاريخ، ومجمع التسوق الصيني، كما على أبراجها، خاصة برج خليفة الأعلى في العالم، وبرج العرب، وأبراج المارينا، ومجمعات الجميرة، «حيث يتلاقى الناس، وتتوفر المنتجات والبضائع من كافة أنحاء العالم. وهذه هي روعة دبي».

وإذ يشير إلى الانعكاسات السلبية لأزمة 2008 المالية على دبي، إلاّ أنه في ذات الوقت يقول بأن «هذه المدينة ما زالت تحتفظ بطاقة هائلة. بل هناك طاقة أكبر في فكرة دبي». فهي «مشروع قيد الاستكمال». وبذلك هي «تفرض الاعتراف بالفرص، كما بمخاطرها، ومن ينكر تجربة دبي، ينكر العصرنة ذاتها، ويخنق الأمل بإمكانية التعلم على العيش الاجتماعي معاً في مدينة واحدة، وبالنهاية في عالم واحد».

 

المؤلف في سطور

«دانييل بروك» كاتب صحافي أميركي، نشأ في مدينة «نيويورك»، ويقيم حالياً في «نيو أورليانز» بولاية «أريزونا»، وما زال ينشر مقالاته وموضوعاته الصحافية في عدد من الدوريات الأميركية، ويأتي في مقدمها مجلة «هاربر» الثقافية، ومجلة «ذي نيشن» ذات الاتجاه التقدمي المستنير، إلى جانب شهرية السياسة الخارجية «فورين بوليسي».

وقد تخرج المؤلف في واحدة من الجامعات المرموقة بالولايات المتحدة، وهي جامعة «يال»، وأصدر عدة كتب، منها كتابه بعنوان «الفخ»، وكتابه بعنوان «البيع من أجل الإنقاذ»، وما زال يقوم بجولاته بين عواصم العالم، بوصفه صحافياً حراً ويعمل لحسابه الخاص، وهو ما أتاح له أكبر حيز من حرية البحث والنشر والتعبير.

وما برح كتابه عن «عواصم المستقبل» محل اهتمام واسع النطاق من دوائر النقاد، ومن جانب أجهزة النشر والترويج الثقافي، لدرجة أن نظموا له بعد صدور الكتاب المذكور جولات لعرض وتوقيع نسخ من هذا الكتاب في مواقع شتي من الولايات المتحدة، ومنها «نيو أورليانز» و»فيلادلفيا» والعاصمة «واشنطن» و»نيوهان» (حيث تقع جامعة يال) و»نيويورك»، إلى جانب زيارة يقوم بها إلى العاصمة الكندية «تورنتو»، وفضلاً عما قام به من زيارات ميدانية وجولات بحثية في إطار تجميع المادة العلمية والوقائعية لهذا الكتاب.

عدد الصفحات: 480 صفحة

تأليف: دانييل بروك

عرض ومناقشة: فكتور شلهوب

الناشر: نورتون آند كومباني، نيويورك، 2013