«حقوق الإنسان» هي الحقوق الواجب إقرارها والتسليم بها وتفعيلها لصالح البشر على اختلاف الأزمان والثقافات والحضارات. ويشهد التاريخ الإنساني الطويل بأن البشر لم يقصّروا في المطالبة بتلك الحقوق ،وإن اختلفت التفسيرات والمصطلحات، يستوي في ذلك البسطاء من فلاحي الزمن القديم، أو الفلاسفة في عصور الحضارات الكلاسيكية، أو قادة الفكر الإسلامي ومن بعدهم آباء الثورة الفرنسية أو أعلام الفكر السياسي الإنجليزي والأميركي على السواء.
على أن القرن العشرين هو الذي اتّسم منذ عقد السبعينيات بالذات باشتداد ساعد الدعوة إلى حقوق الإنسان ،على نحو ما وصلت إلينا في هذه الحقبة الاستهلالية من القرن الحادي والعشرين: وقد تمثلت مسبّبات هذه الدعوة في معاناة أهل القرن الماضي ويلات اثنتين من الحروب العالمية المدمرة (1914 و1939) فضلاً عن حروب أهلية وصراعات مدنية وصراعات داخلية تعرضت فيها حقوق الإنسان لكل عوامل الإنكار والتهميش والاستبعاد وخاصة ما يتعلق بالفئات الاجتماعية المستضعفة المرأة والطفل على وجه الخصوص.
ويهتم هذا الكتاب بعرض تطّور هذه الدعوة وبملابسات إنشاء المنظمات الوطنية (الأميركية) وغيرها كي تعمل على تكريس هذه الدعوة وتعميق جذورها في المجتمع البشري، ورصد المخالفات والانتهاكات التي يتعرض لها القانون الدولي الإنساني، مع تأكيد الكتاب بالذات على نشر ثقافة تكفل، أو تؤكد، عدم الإفلات من طائلة العقاب بالنسبة لمن ينتهكون حقوق الإنسان باعتبار ذلك جريمة مرتكبة ضد الإنسانية.
للإنسان حقوق بقدر ما أن عليه واجبات، هذا ما ظلت الحضارات والثقافات تدعو إليه وتؤكد عليه طيلة الحِقَب التي عاشتها البشرية عبر تاريخها الطويل.
ظلت حقوق الإنسان تتخذ أشكالاً متباينة وصيغاً متنوعة ربما ابتداء بفلاح «أهناسيا» في مصر القديمة من إقليم الفيوم غرب النيل، وهو يحمل في روزنامة التاريخ اسم «الفلاح الفصيح» الذي سجلت البرديات كيف وقف أمام قصر حاكم الإقليم على امتداد ساعات الليل والنهار مطالباً بحقوقه. وظلت صيحته العتيقة، والبليغة أيضاً ،تتردد عبر أروقة الزمان، حيث يقول: يا قوم كيف يصلُح العدل، بينما يأكل القاضي على مائدة اللئام؟
بعدها ظلت الحضارات التليدة تتناقل دعوات العدل والحق التي ينبغي أن تصبّ جميعاً في صالح الإنسان، وكان من أشهرها بالطبع ما سبق إليه الفيلسوف الإغريقي «أفلاطون» في كتابه الشهير «الجمهورية»، وفي مقولته الأشهر التي حملت وصف «اليوتوبيا» وهي اللفظة المشتقة من اليونانية الكلاسيكية بمعني «اللامكان» أو هي العالم الخيالي الذي ينعم فيه عامة البشر بما لهم من نصيب عادل من، حقوق الإنسان.
ثم تواترت كما هو معروف- طروحات المدن الفاضلة التي تكرس حقوق البشر فيما ظلت هذه «اليوتوبيات» تتردد عبر تراث الحضارات العريقة والثقافات المستنيرة ومع اختلاف العقائد واللغات والأفكار والتوجهات.
هكذا قرأ العالم أطروحة الفيلسوف المسلم «أبو نصر الفارابي» عن اليوتوبيا التي يقودها أهل العلم والتقوي وقد اختار لها عنوان «آراء أهل المدينة الفاضلة»، واطلع قراء الإنجليزية على كتاب اليوتوبيا المدينة الفاضلة، ولعله أشهر ما احتوته هذه السلسلة بعد أن أصدره في عام 1516 المفكر السياسي الإنجليزي، سير «توماس مور»، فيما تابع هذا التقليد مفكرون وفلاسفة آخرون ما بين «توماس كامبا نيللا» الإيطالي في كتابه بعنوان «مدينة الشمس»، إلى الفيلسوف الإنجليزي سير «فرانسيس بيكون» (1561-1626) في كتابه بعنوان «نيو أتلانتيس» الذي تصور فيه مجتمعاً فاضلاً يقوم على إدارته فريق من العلماء، وبالتحديد أهل العلوم التطبيقية من كيمياء أو فيزياء أو طب وما في حكمها، وصولاً مع القرن العشرين إلى مدينة «الدوس هكسلي» التي تصورها مجللة بروح أقرب إلى التشاؤم وأودع رؤيته لها في كتابه الصادر عام 1932 بعنوان «عالم جديد شجاع».
مصداقية هذا الكتاب
يكتسب كتابنا مصداقيته من حقيقة أن مؤلفه، وهو المفكر والناشط السياسي الأميركي «أرييه ناير» يُعَدّ في صدارة الرعيل الأول من قادة حقوق الإنسان، بوصفها حركة سياسية ودعوة جماهيرية واجتهادا فكرياً في آن معاً، إلى جانب مكانة مؤلفنا بوصفه مؤسساً لحركة معاصرة تحمل اسم «المجتمع المفتوح»، وهي بدورها من أهم الحركات الداعية إلى إقرار وتأكيد وتفعيل حقوق الإنسان، ولدرجة يقول معها محللو هذا الكتاب وقت صدوره أخيرا في أميركا، إن مؤلفه «أرييه ناير» يعد موضوعياً شخصية شاركت بدور مشهود في صنع التاريخ الذي تعرض له فصول هذا الكتاب، لاسيما وأن المؤلف ورفاقه من الدعاة الثقات لإقرار حقوق الإنسان واجهوا العديد من الصعاب والتحديات لكي يتحولوا بحقوق الإنسان من دعوة فكرية أو طرح سياسي إلى حيث أصبحت كما هو حاصل حاليا- حركة جماهيرية استقطبت الملايين عبر اختلاف الأفكار والاهتمامات والسياسات والثقافات، وقد تحقق هذا الإنجاز بفضل ما اتصف به هؤلاء الرواد من انضباط وصلابة وروح مهنية ونزاهة سلوكية.
يضم هذا الكتاب 13 فصلاً، يبدأ معها المؤلف تأريخه بطرح تحليلي لمبادئ القانون الطبيعي كما يسميه، وهو القانون الذي نجد له وصفاً بالغ الإيجاز وناصع البلاغة في تراثنا الروحي المستنير وتعّبر عنه مقولة الخليفة العظيم «عمر بن الخطاب» متسائلاً: متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟
وهذا هو بالضبط ما ترجمته متون المواثيق الدولية المعتمدة التي دائماً يأتي استهلالها على النحو التالي: وُلد الإنسان حراً، وليس لأحد أن يحول بينه وبين حريته إلا بقانون.
بعد ذلك يمضي مؤلف كتابنا ليورد أكثر من تعريف لماهية الحقوق، وهي تشمل بداهة حق الحياة، وحق التعبير، وحق الجنسية، وحق الاختيار في العمل وفي الزواج، إلى آخر ما أصبح تضمه صكوك دولية يأتي في صدارتها مثلاً «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي توصلت من بعده الجماعة الدولية إلى تفسيره وتوضيحه في اثنتين من أهم الوثائق التي تكرس منظومة الحقوق، وهما على وجه التحديد:
(1) العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية.
(2) العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
«العفو الدولية» ومنظمات أخرى
بعدها يتحول بنا المؤلف في فصل آخر إلى حديث بالعرض والتحليل للقانون الدولي الإنساني، ومن ثم إلى المنظمات التي ندبت نفسها للسهر على إقرار الحقوق وتفعيل بنود هذا القانون الإنساني، الذي يرون أن مدار انطباقه من حيث المكان هو الكرة الأرضية بطولها وعرضها، في حين أن «أشخاص» هذا القانون، كما يقول المصطلح الفني هو الناس هو الكائن البشري في كل مكان، وعليه يتوقف الكتاب ملياً عند «منظمة العفو الدولية» (الفصل الثامن) ثم عند حركة رصد حقوق الإنسان- «هيومان رايتس ووتش» (الفصل التاسع) وقد باتت تضم أطرافاً وشخصيات من أقطار وقارات وثقافات وهويات شتى.
وثمة فصل له أهميته الخاصة ، هو الفصل الحادي عشر وقد اختار له المؤلف عنواناً له دلالته التي لا تخفي وهو: المساءلــة، هنا يسهب الكتاب الحديث من منظور الرصد والتحليل عن الأهمية الفائقة لنشر ثقافة عدم الإفلات من العقاب، وبمعنى أن يُدرك مرتكبو جرائم حقوق الإنسان - خاصة تلك المرتكبة ضد الإنسانية كما ألمحنا، ومنها جرائم الإبادة الجماعية إضافة إلى نوعيات أخرى من الجرائم ومنها مثلاً حالات الاغتصاب الجماعي واستخدام النساء سبايا في حمأة الحروب أو استغلال الأطفال في الاشتباكات المسلحة وهو ما تعبر عنه ظاهرة أو آفة الأطفال، الجنود الذين يلقون بهم في ساحات القتال أو يستخدمونهم في كشف حقول الألغام بوصفهم قوى استطلاع قبل زحف الجيوش، أو يستخدمونهم مع النساء في عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات وفي حمل المؤن والذخائر والمعدات الحربية عبر ساحات القتال فضلاً عن استخدامهم في تهريب الماس، الذي تقايضه العصابات المقاتلة مقابل الحصول على السلاح وخاصة في أصقاع الغرب كما هو معروف من القارة الأفريقية: كلها جرائم مرتكبة ضد الإنسانية وكلها لا تسقط من ثم بالتقادم ولا يجوز العفو عن مرتكبيها، بل يظل عنصر المساءلة معلقاً فوق رؤوسهم وإن طال المدى.
وهذا هو المعنى الذي يقصد إليه كتابنا من نشر الثقافة التي تقضي بعدم الإفلات من طائلة الحساب والعقاب.
عن سلامة الأنصار
في السياق نفسه يشدد الكتاب على ضرورة أن يُكَفل القدر المعقول من السلامة والأمن لدعاة حقوق الإنسان وأنصارها أنفسهم، كما يورد في هذا الصدد أكثر من حالة دالة على ما قد يتعرض له هؤلاء الدعاة والأنصار من أضرار يمكن أن تهدد سلامتهم بل وحياتهم ذاتها. وتربط فصول الكتاب أيضاً بين دعوة حقوق الإنسان وبين دعوة إقرار الشرعية وانتزاعها، كما يقول المؤلف، من براثن النظم الدكتاتورية القمعية.
نلاحظ من جانبنا أن مؤلف الكتاب رغم سابق مساهماته الجديرة بالتقدير في مجال حقوق الإنسان - إلا أنه لم يكد يتخلص من العداء الأميركي التقليدي للمنافس السوفييتي الذي كان خلال حقبة الحرب الباردة التي انتهت طبعاً بزوال الاتحاد السوفييتي مع مطلع التسعينات، بل إن المؤلف لايزال يصدر عن العداء الأميركي نفسه للنظام الصيني الراهن الذي يراه وريثاً في هذا المجال بالذات للنظام السوفييتي السابق.
ورغم القيمة الواضحة التي يتحلى بها هذا الكتاب إلا أن هناك من النقاد الثقات، ومنهم مثلاً البروفيسور «صمويل موين» أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، من استرعى الانتباه إلى عامل قصور يشوب تأليف الكتاب، ويتمثل هذا العامل في أنه يتألف في التحليل الأخير من مجموعة من المقالات أو الدراسات التي عمد المؤلف إلى الجمع بينها لكي تشكل في النهاية قوام هذا الكتاب، وبمعنى أن الكتاب يفتقر في عُرف الأكاديميين إلى المنهج المتعارف عليه في علم التاريخ.
وعندنا أن المؤلف قد بذل قصارى جهوده بوصفه مؤرخاً غير محترف بقدر ما أنه يُعد من القيادات الطليعية كما أسلفنا- لحركة حقوق الإنسان منذ أن اشتد ساعد هذه الحركة خلال ولاية الرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر».
ربما نتفق مع ما يذهب إليه البروفيسور «صمويل موين» من التحفظ على إطلاق مصطلح «تاريخ» على عنوان هذا الكتاب، وربما كان من الأفضل مثلاً أن يكون العنوان من قبيل ذكريات، أو انطباعات أو ملاحظات أو حتى مع استخدام عبارة «من تاريخ حركة حقوق الإنسان». لكن هذا كله لم يحل بين الكتاب وبين أن يكون بمثابة ناقوس لا يلبث يدق عبر الفصول والسطور ليذكّر العالم بأن حقوق الإنسان مازالت بعيدة عن أن تتسم بالطابع المأمول من حيث العمق والدقة والشمول.
دفاع عن المهمشين
ثم يحسب للمؤلف تركيزه على حقبة أواسط السبعينات من القرن الماضي، وهي المرحلة الفاصلة التي شهدت مفاجأة حقيقية ،جسّدتها اهتمامات العالم بغير سابق تمهيد- بما للبشر من حقوق الإنسان، وقد بدأ العالم وقتها، وكان هذا طبيعياً بالحقوق السياسية، ثم تحولت القضية إلى حيث باتت تشمل الحقوق الاقتصادية ثم كان لها أن تتفرع بعد ذلك، وهو أمر صحي في حد ذاته، إلى حيث أصبحت تغطي حقوق الفئات المستضعفة في المجتمع البشري ومنها كما هو معروف المرأة والطفل ومتحدّي الإعاقة والمسنين وشعوب السكان الأصليين (وخاصة في أستراليا وقارة أميركا الجنوبية) ومَنْ في حكمهم من فئات اجتماعية- إنسانية ما برحت تعاني من صنوف التجاوز أو الحرمان أو التهميش.
ومن جانبنا، نتصور أن من إيجابيات هذا الكتاب أيضاً ما يتمثل في دعوة المؤلف إلى أن تتعمق جذور الدعوة إلى إقرار حقوق الإنسان في تربة الأقطار المختلفة، بمعنى أن تصل أصول هذه الدعوة إلى القواعد الشعبية العريضة، ومنها من لايزال بحاجة إلى التوعية بأن له حقوقاً ينبغي مراعاتها وإقرارها والنضال من أجل تفعيلها لصالح أجيال، بعضها لايزال في طور النشأة وبعضها لايزال في ضمير الغيب. والمعنى في هذا السياق أن تخرج حركة الدعوة إلى حقوق الإنسان من دوائر الاقتصار على النخبة الاجتماعية إلى حيث تمتد آثارها ودعواتها إلى أوسع قطاعات الجماهير بحيث تشمل الرجال والنساء على اختلاف الأجيال والأعمار والمهن والمشارب والاهتمامات.
ثم هناك أيضاً عامل «المأْسسة» كما قد نسميه. ويتمثل بداهة في ترجمة الحملات المُنادية بالحقوق من مجرد دعوات يقوم بها الأنصار والمفكرون وتتم على شكل مقالات وإذاعات ومؤتمرات، إلى حيث يجري تجسيدها تنظيمياً في أشكال مؤسسية تتمثل في قوى ومنظمات المجتمع المدني التي تتمتع بالاستقلالية من جهة وتعمل على إقامة جسور بينها وبين الجماهير العريضة من جهة أخرى.
وأخيراً يحذّر المهتمون بهذا الجانب من جوانب النشاط الإنساني من الإغراق في «أمركة» دعوات حقوق الإنسان، أو من المبالغة في بيروقراطية الحركات أو المنظمات التي تتبنى الدعوة إليها، ناهيك عن أن تسمح بأي وصاية عليها من جانب الحكومات، وهو ما قد يفضي سلباً إلى فقدان هذه الدعوة وتلك المنظمات ما لابد وأن تتحلى به من استقلالية وشعبية وتأثير على الجماهير.
الكاتب في سطور
«أرييه ناير» هو الرئيس الفخري للمنظمات التي تحمل عنوان «المجتمع المفتوح»، في الولايات المتحدة الأميركية. وقد عمل على مدار 12 سنة مديراً تنفيذياً لمؤسسة «رصد حقوق الإنسان» بعد أن تولى تأسيسها في عام 1978 بفضل جهوده التي ظل يواصل بذلها على مدار 15 سنة في مجال إقرار الحريات المدنية في أميركا.
وبوصفه داعية لهذه الشعارات الجماهيرية التي تعمّ كل مواطني أي مجتمع، فقد دأب على نشر مقالاته في إصدارات «النيويورك تايمز» وفي مجلة «فورين بوليسي»، كما واصل لأكثر من عشرة أعوام كتابة عمود في مجلة «ذي نيشن» بشأن قضايا حقوق الإنسان في أميركا والعالم، وهو ما ظلت المجلة اليسارية الأميركية المذكورة تهتم به على مدار تلك الفترة.
وقد زادت المقالات التي نشرها كذلك في دوريات أخري، ومنها مثلاً «واشنطن بوست» واسعة النفوذ، على 200 مقالة ،إلى جانب عكوفه على إصدار 7 كتب تناولت في مجموعها قضايا حقوق الإنسان، من منظور تاريخها وتطورها وآفاق مستقبلها وتجديد دعاواها وأهمية تجسيدها في أطر مؤسسية تكفل لها أسباب الحيدة والاستقلالية والاستمرار، بعيداً عن سطوة السلطات الرسمية أو تعقيدات الأطر البيروقراطية.
وبوصفه داعية في هذا المجال، وإلى جانب هذه الجهود المبذولة في مجال كتابة المقالات وإصدار الكتب، ظل المؤلف يحاضر في العديد من الجامعات والمعاهد الأكاديمية المرموقة في طول الولايات المتحدة وعرضها، ومن ثم أهديت إليه العديد من الجوائز الرفيعة في مجال حقوق الإنسان من مؤسسات عديدة في أميركا وخارجها.
عدد الصفحات: 379 صفحة
تأليف: أرييه ناير
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مطبعة جامعة برنستون، نيويورك، 2013

