يأتي هذا الكتاب حلقة هي الأحدث صدوراً، وربما تكون الأكثر عمقاً والأوسع إحاطة بين الأعمال الفكرية التي أصدرها آل غور، الذي بدأ حياته نائباً في الكونغرس الأميركي ثم نائباً للرئيس بيل كلينتون خلال حقبة التسعينات من القرن العشرين، إلى أن أصبح على مدار السنوات المنقضية من هذا القرن الجديد في صدارة أنصار البيئة الكوكبية وأبرز الدعاة الحادبين على حمايتها من آثار الدمار أو التلوث أو من نتائج الصراع العسكري أو مغبة الإسراف غير المسؤول في استهلاك مواردها إلى حد النضوب أو الاستنفاد.
ويكاد النقاد الأميركيون يجمعون، في تحليلاتهم لهذا الكتاب، على أنه يتميز بالجمع بين التعرض لميادين وتخصصات شتى تهم كل من يعيش فوق كوكب الأرض، وهي تتعلق بالذات بقضايا السياسة والاقتصاد، فضلاً عن إنجازات العلم وأخلاقيات السلوك. على أن الكتاب لا يحلق خلال تحليلاته وطروحاته إلى ذرى الأبراج العاجية، ولكنه يعمل جاهداً على تبسيط المادة على نحو لا يخلّ بالخطاب العلمي، الذي يحرص المؤلف على الالتزام به.
ومن ثم يحفل الكتاب بأمثلة حقيقية يستقيها من معطيات الواقع بقدر ما يحيل فيها إلى أحداث التاريخ، وهو ما أضفى قيمة على فصول الكتاب، خاصة وأن مؤلفه حائز جائزة "نوبل" الدولية تتويجاً لتاريخه في الدفاع عن سلامة كوكب الأرض وعن علم المستقبليات، الذي يدعو فيه المؤلف دوماً إلى ممارسة الاستشراف لصالح أجيال المستقبل وما قد تواجهه من أخطار وتحديات.
على الرغم من تّبوئه واحداً من أرفع المناصب في بلاده، فإن مؤلف الكتاب الذي نعايش محتوياته وطروحاته فيما يلي من سطور، أكد أن المرء يمكن بفكره وإخلاصه لمبادئه أن يكون أكبر من المنصب وأن يذكره الناس ولو بعد سنوات تغيب فيها شمس الوظيفة ويتحول معها المرء من مسؤول كبير إلى فرد من المواطنين العاديين.
نتحدث عن آل غور، السياسي الأميركي الذي ظل نائباً للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون على مدار السنوات الثماني التي سادت على مدار عقد التسعينات من القرن العشرين.
يذكر المحللون جهود آل غور في إصلاح الأداة الحكومية في بلاده من حيث مواجهة الروتين وتسريع وتيرة الإجراءات الإدارية، وكيف قاد في هذا المضمار جهوداً جماعية أثمرت عن ظاهرة اصطنعوا لها مصطلحاً كان مستجداً عند منتصف التسعينات على مفردات معاجم الشأن العام في أميركا. والمصطلح هو: إعادة اختراع الحكومــة.
بديهي أن كان المصطلح يومئ إلى معاني التغيير على نحو جذري في بعض الأحيان.
هذا الاهتمام بالكوكب
وبديهي أيضاً أن الاهتمام الذي نوليه من جانبنا في مثل هذه السطور لن يتوجه إلى قضية لا تهم سوى أميركا وأهلها.
لكن اهتمامنا- وهو أيضاً اهتمام العالم- إنما ينصّب على الجانب الأخطر من أفكار وطروحات آل غور، ويتلخص في العناوين والقضايا التالية:
(1) قضية البيئة الكوكبية والأخطار التي تتهددها.
(2) قضية المستقبل، آفاقه واحتمالاته.
(3) قضية الإنسان في زمن العولمة ما بين تيارات السلب والإيجاب.
والحق أن آل غور كان سياسياً مظلوماً، إن صح التعبير، بين أقرانه في أميركا. لماذا؟ لأنه خاض انتخابات الرئاسة ضد جورج بوش على أعتاب القرن الوليد، ورغم ما حققه من فوز من حيث أصوات الناخبين فقد جُوبه بمخطط مرسوم بذكاء احترافي أدى إلى إعلان فوز خصمه الجمهوري من جانب المحكمة العليا، ولدرجة دفعت "غور" إلى نوع من الانزواء كما نتصور.
لكن يُحسب له أن جهد في ترجمة المرارة إلى نوع من توسيع الآفاق الفكرية ومن ثم معاودة خدمة قضية بيئة كوكبنا، إلى أن أصبح في صدارة الدعاة إلى الحفاظ عليها، لا لخدمة أجيال الحاضر، ولكن أيضاً لمصلحة أجيال مستجدة بعضها يجتاز طور النشأة وبعضها لايزال في علم الغيب. هكذا أصدر آل غور كتابه المهم في عام 2006 تحت العنوان التالي: الحقيقة غير الملائمة (بمعنى الباعثة على القلق أو التي لا تريح أحداً).
كلمة حق ولو قاسية
وقد نرى في مثل هذا العنوان، وهو يعكس صعوبة المصارحة، انعكاسا للمقولة التي تتردد في تراثنا العربي الإسلامي المستنير وتؤديها العبارة التالية: كلمة الحق لم تُبق لي صديقاً.
ولأن الكتاب كان يصدر عن منطق المصارحة العلمية، والعملية أيضاً، فقد كان طبيعياً أن يعلن بعد عام واحد من صدوره عن فوز مؤلفه آل غور بجائزة نوبل العالمية الرفيعة.
وفي ضوء هذا النضج من حيث التجربة المعرفية والخبرة الميدانية بأحوال البشر فوق سطح الكوكب، اختار الرجل هذه المرة أن يتطلع إلى الآتي بكل ما يحفل به نذيراً كان أو بشيراً، ومن ثم جاء أحدث كتبه الصادرة أخيرا بعنوان: المستقبل، وتحديداً يأتي العنوان الفرعي للكتاب نفسه ليقول بالتالي: 6 محركات للتغير الكوكبي (العولمي إن شئت).
في هذا الكتاب الحافل (558 صفحة) يقوم مؤلفنا بسياحة واسعة النطاق يجمع فيها كما نتصور- بين سلبيات نعايشها في الحاضر وبين آفاق جديدة يمكن استشرافها لحساب المستقبل.
ومن سلبيات الحاضر التي يعرضها كتابنا ما يلي على سبيل المثال:
٪ .
٪ .
٪ .
٪ ( "") .
الدولة القومية مهددة
أما في جانب الإيجابيات فإن المؤلف يفرد مساحات واسعة من اهتماماته وتحليلاته في هذا الكتاب ليحدّث قارئيه عن آخر ما توصل إليه العلم والاختراع، وخاصة في عالم تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وبما يتصل بهذا الميدان الطموح من التقدم المذهل في استخدامات الحواسيب وكائنات الذكاء الاصطناعي- الروبوت وما في حكمها من الإبداعات في عالم الإلكترونيات.
وبرغم تركيز فصول الكتاب في كثير من المواضع على دنيا العلم والاختراع، وطبعاً على أوجاع البيئة الكوكبية وتأثيرات هذا كله على حياة الإنسان إلا أن المؤلف، وربما بحكم تجربته الميدانية في مضمار الشأن العام في بلاده، وبعد أن عمل نائباً في الكونغرس ثم نائباً كما أسلفنا- لرئيس الدولة لا يلبث أن يطرق أيضاً ميدان السياسة.
هكذا يتطرق مؤلفنا إلى الدولة القومية، وهي أكمل صورة توصل إليها تطور الاجتماع البشري حتى زماننا الراهن.
يحذر آل غور في هذا الصدد من أن الدولة القومية التي ما برحنا نعيش في كنفها يمكن في مستقبل الأيام أن تتعرض للتآكل والاستضعاف، وحين يركز المؤلف الحديث في الفصل المعنون "السلطة (أو القوة) في الميزان" على مستقبل السياسة فهو يذهب إلى أن الدولة القومية كما نعرفها بكل سلطاتها الثلاث من تشريعية وتنفيذية وقضائية وبكل منظماتها السياسية ومؤسساتها المجتمعية هذه الدولة تعاني الآن الافتقار إلى متعة السلطة وبمعنى تسّرب مقاليد الأمور من بين أصابعها ولحساب أطراف باتت عاتية النفوذ في عالمنا المعاصر.
وهو يحدد هذه الأطراف على نحو تلخصه عبارات الكتاب التالية: إنها الشركات عبر الوطنية. وهي الشبكات العاتية التي تضم أصحاب المشاريع وتنتظم بلايين الأفراد الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى في طول العالم وعرضه، هنالك يحذر آل غور بالتالي من نقل الولاءات إلى تلك الكيانات العملاقة ولغير صالح الدولة القومية التي طالما حرصت على أن تضم وتستوعب سكانها على اختلاف العقائد والمذاهب والمشارب والأديان والأصول العرقية وما إلى ذلك، وحافظت على هذا الكيان التعددي طيلة أجيال من بعد أجيال.
مرة أخرى يقول كتابنا في هذا الخصوص: هناك الكثيرون ممن باتوا يعملون على تحويل ولاءاتهم السياسية بعيداً عن الدول القومية، التي عاشوا في كنفها عبر العديد من الأجيال. ثم يسوق المؤلف أمثلة للتدليل على ما يذهب إليه، مستعرضاً مناطق وأصقاعاً على الخارطة على النحو التالي: من كردستان إلى كتالونيا (إسبانيا) ومن إسكتلندا (إنجلترا) إلى سوريا ومن الشيشان إلى جنوب السودان، ومن مجتمعات السكان الأصليين في جبال الأنديز (أميركا الجنوبية) إلى مجتمعات القبائل في افريقيا جنوبي الصحراء الكبرى: تلك سلبيات بلا شك تهدد مستقبلاً بخطر إعادة تشكيل خريطة العالم على نحو يفتقر إلى السلامة، ويهدد بالتفتت والتشرذم وزعزعة الاستقرار.
نحو رؤية إيجابية
ومع ذلك يعود آل غور إلى التماس رؤية إيجابية للمستقبل، فيضيف قائلاً: لأن الدول القومية مازالت هي مستودع القوة الأساسي، ومن ثم فهي الأقدر على وضع وتمرير السياسات التي توجه المسارات في العالم، فإن السبيل الوحيد لاستعادة سيطرتنا (نحن البشر) على مصائرنا إنما يتمثل في السعي إلى تحقيق توافق عالمي (كوكبي) بين الآراء ضمن مجتمع الدول الذي نعيش فيه وبما يضمن تنفيذ السياسات الكفيلة بحماية القيم الإنسانية.
وقبل أن نتهمه بالإغراق في التفاؤل، وخاصة بعد هذا الحديث المتشائم عن تهاوي الدولة القومية، يبادر مؤلف الكتاب ليقول: لقد شهد تاريخ العالم نماذج عديدة جسّدت ما ندعو إليه بشأن التوافق الكوكبي بين الآراء: تأمل مثلاً يضيف المؤلف حركة تحرير العبيد في أميركا، أو حركة مناهضة الفصل العنصري (الابارثيد) في جنوب افريقيا، أو حركة المناداة بحقوق المرأة، أو فرض القيود بموجب الصكوك الدولية على تشغيل الأطفال أو اتفاقات جنيف لمناهضة التعذيب أو العقوبات القاسية أو غير الإنسانية أو الانتشار السريع لحركة تصفية الاستعمار ومد الاستقلال للشعوب التي طالما رزحت تحت نير الاحتلال الأجنبي وخاصة في عقد الستينات من القرن العشرين، أو فرض حظر عالمي على انتشار الأسلحة النووية، هذا فضلاً عن الموجات المتعاقبة من الدعوة إلى التحول الديمقراطي. ألا تشكل كلها ظواهر على إمكانية الإنجاز أو الانتصار؟
العوامل الستة المحورية
ثم يعلق آل غور على هذه القائمة التي حرص كتابه على استعراض أهم بنودها وقد حازت في تصوره حالة عولمية من التوافق بين أطراف كوكبية شتى، فيقول: إن هذه الظواهر أدت إلى توليد زخم جاء ناجماً عن تقاسم الأفكار وشراكة المثل العليا على صعيد فئات وجماعات من أفراد ملتزمين بها عبر أقطار عديدة في كل أنحاء عالمنا، وبعد أن ناضلوا للضغط على حكوماتهم كي تخفّ إلى حيث التعاون على سنّ القوانين وصياغة المعاهدات التي أفضت بدورها إلى تغيير يقوم على أساس قاعدة عريضة من التوافق في كثير من أرجاء عالمنا.
وإذ يتطرق المؤلف إلى العوامل الستة المفروض أن تشكل صورة المستقبل، فإننا يمكن تلخيص هذه العوامل على النحو التالي:
(1) اقتصاد عالمي (عولمي) شديد الترابط والتواصل.
(2) توسع إلى حد، مذهل كما قد نقول، في استثمار نتائج التقدم الإلكتروني والحوسبي، وخاصة باستخدام الروبوت وما في حكمه من ثمار وآليات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن البشر.
(3) ميزان جديد في القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية يتحول به المؤشر الفعال من الغرب إلى الشرق، وبالتحديد من الدول الغنية إلى الاقتصادات الصاعدة أو الناهضة، ومن نظم السياسة إلى أسواق الاقتصاد ومن الدولة القومية إلى الفعاليات الخاصة.
(4) زيادة سريعة في حجم سكان العالم ويوازيها تزايد في استهلاك الموارد الطبيعية الحيوية، وفي مقدمتها المياه، بصورة تنطوي على الخطر، سواء من حيث الإسراف أو من حيث التلوث.
(5) نشوء تكنولوجيات جديدة ومبتكرة، وخاصة في مجال اكتشاف واستحداث عناصر جينية يتم بفضلها تحويل نوعيات النبات والحيوان و.. ربما البشر أيضاً (!)
(6) نشوء علاقات جديدة بين البشر وبين كوكب الأرض، بمعنى عناصر الأرض ومواردها وتقلبات مناخها وعناصر الطبيعة التي تضبط إيقاع الحياة على سطحها،
هي إذاً عوامل ستة يتصور آل غور أنها كفيلة بتحريك إيقاع الحياة في كوكبنا، منها كما رأينا السلبي والإيجابي. وأياً كان الرأي في أي منها، فالمؤكد أن مثل هذه الطروحات المستقبلية جديرة بأن تستحق الفهم والتعمق والتحليل، خاصة وأن صاحب هذا الكتاب مفكر مهموم بالقضايا التي يتعامل معها، فما بالنا وقد نهض آل غور إلى معالجة موضوع الكتاب وكما يقول الناقد مايكل ليند (نيويورك تايمز، عدد 8/2/2013) متّبعاً أسلوباً يجمع بين محصلة إنجازاته في الماضي ودقة استشرافه للمستقبل.
المؤلف في سطور
آل غور، نائب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، أمضى سنوات في موقعه المحوري في البيت الرئاسي الأبيض، وأحاط فيها بأبعاد السياسة الدولية. ولكنه استطاع في الوقت نفسه أن يثري معارفه، ويعمّق الاهتمامات التي اشتهر بها، وخاصة ما يتعلق بقضايا البيئة الكوكبية. وتصَّنف الكتب التي أصدرها وخاصة بعد تخففه من أعباء منصبه في الإدارة الحاكمة في واشنطن ضمن قائمة أكثر الكتب مبيعاً وأوسعها رواجاً، ومن أهمها كتابه بعنوان "الحقيقة غير المُريحة" ثم كتابه بعنوان "كوكب الأرض في الميزان" وكتابه بعنوان "العدوان على العقل".
وقد فاز آل غور بجائزة نوبل الدولية في عام 2007 حيث نوهت لجنة الجائزة الرفيعة بجهوده المشهودة في الدفاع عن قضايا البيئة. وإلى جانب منصبه كنائب سابق لرئيس للولايات المتحدة فقد كان المؤلف عضواً في مجلس النواب لأربع دورات ثم عضواً بمجلس الشيوخ في كونغرس الولايات المتحدة على مدار دورتين. وقد ترأس على امتداد السنوات التي بدأت مع القرن الواحد والعشرين عدة مؤسسات بحثية ومجتمعية تضم صفوة من المفكرين والعلماء والأكاديميين من أنصار البيئة ودعاة حمايتها، وينظر إليه مؤرخو المستقبليات على أنه ثاني أهم المفكرين أو الدعاة في هذا المجال بعد رائد المستقبليات إلْفن توفلر صاحب كتاب "صدمة المستقبل".
عدد الصفحات: 558 صفحة
تأليف: آل غور
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: راندوم هاوس، نيويورك، 2013



