يأتي هذا الكتاب أقرب إلى حلقة مستجدة وفائقة الأهمية في السلسلة التي تعكس مدى اهتمام مؤلفه الأميركي، الدكتور «بريان لاتل» بقضايا منطقة البحر الكاريبي (أميركا الوسطى) بشكل خاص وقارة أميركا اللاتينية بشكل عام، ولا سيما من منظور علاقات هاتين المنطقتين بالولايات المتحدة وبالتحديد بمكانتها ومصالحها وخاصة في عالم الاستخبارات بكل أبعاده السرية والخطيرة والملفوفة دوما بستار من الغموض والازدواجية.
ويستمد الكتاب أهميته المميزة من حقيقة أن المؤلف يُعد من الخبراء الأميركيين الثقات في هذا المضمار، حيث عمل في ميدان الاستخبارات لصالح وطنه الأميركي على مدار أكثر من ثلاثة عقود متخصصا في منطقة أميركا اللاتينية ، مع التركيز بالذات على تطور الأحوال في كوبا، التي شهدت، كما هو معروف، تحولا جذريا بانفجار ثورة هافانا بقيادة فيدل كاسترو ورفاقه من الشباب الثوري اللاتيني وكان في صدارتهم «أرنستو تشي غيفارا» الذي ما لبث أن أصبح رمزا لكل دعوة وحركة تغيير ثورية حتى كتابة هذه السطور.
وعبر فصول هذا الكتاب يتناول المؤلف تاريخ التناقضات السرية كما يمكن وصفها بين الاستخبارات المركزية الأميركية التي بلغ من عدائها لثورة كوبا الحد الذي وضعت فيه مخططا تآمريا لاغتيال زعيمها فيدل كاسترو، وبين وكالة الاستخبارات الكوبية التي أمر الرئيس الكوبي كاسترو بإنشائها مع أوائل عقد الستينات وعقب هزيمة غزو كوبا بمعرفة المخابرات المركزية فيما أصبح يعرف تاريخيا باسم «عملية خليج الخنازير» وكانت هذه الوكالة الكوبية محل اهتمام مباشر وإشراف يومي بل وشخصي على أنشطتها من جانب كاسترو الذي يتهمه هذا الكتاب بأنه كان لديه معلومات تفيد بأن ثمة مواطنا أميركيا اسمه «لي هارفي أوزوالد» يخطط لاغتيال الرئيس الأميركي «جون كيندي».
عقد الخمسينات من القرن العشرين كان فاتحة خير بكل معنى على الولايات المتحدة الأميركية بالذات، بدأ هذا العقد الخمسيني بأميركا وهي تتخذ خطواتها نحو احتلال المكانة الأولى في عالم منتصف القرن المذكور، وكانت قد خرجت من أتون الحرب العالمية الثانية لتشكل القوة الوحيدة التي لم تلحقها ويلات ذلك الصراع العولمي الذي أدى إلى تدمير أوروبا واندحار اليابان .
ولكي تكتمل نشوة المكانة السامقة على الخارطة الدولية بادرت أميركا إلى مشروع «النقطة الرابعة» تحت شعار مساعدة شعوب العالم ، واستمرت هذه المبادرات في تجميل صورتها في عيون معاصريها حيث لم تقصّر دوائر «هوليوود» في تزويق هذه الصورة الإيجابية بكل الألوان الطبيعية ومن خلال أفلام جاءت على مر الخمسينات آية فنية من حيث الإبداع والتشويق.
حلت سنوات الخمسينات لتضع في موقع المسؤولية الأولى عن كوبا ، رئيساً كان اسمه «باتستا» تحولت معه الجزيرة الكاريبية إلى مرتع لإرضاء مزاج التايكونات، وهم كبار رجال الأعمال الأميركيين الذين استفادت منهم شريحة محدودة العدد من العملاء والأعوان والمحاسيب والانتهازيين في كوبا وكان في مقدمتهم ،طبعا ،رئيسهم «باتستا» المذكور أعلاه.
فجأة تغيرت الدنيا وتبدلت الموازين، قامت ثورة في كوبا ، فكان أن تحولت من مرتع للمليونيرات الأميركيين إلى جزيرة مشاغبة تحدّت أميركا بجلالة قدرها، حين أعلنت قيادتها الجديدة خلع «باتستا» ونفيه خارج كوبا، ثم أعلنت أيضا رفضها للمذهب الرأسمالي الأميركي.
وانحيازها لموسكو، وهي المنافس السوفيتي، الشيوعي في ذلك الزمان. هنالك بدأ العالم يردد أسماء القادة الكوبيين الجدد وقد تميز من بينهم اسم الشاب المثقف القادم من أغوار من أميركا اللاتينية، وما لبث أن اتسعت شهرته كي تدوي في أرجاء العالم الأربعة، والاسم بالكامل هو: أرنستو تشي جيفارا.
صار الاسم رمزا لرفض أوضاع الظلم في الداخل والاستعمار المفروض من خارج الحدود والانحياز عن وعي وتضحية لجموع الفقراء والمحرومين والمعذبين في الأرض. ثم كان هناك الاسم الذي حمله قائد الثورة الكوبية وهو: فيدل كاسترو.
من يومها أصبح «كاسترو» رمزا لتحدي ما كانت تمثله أميركا من سطوة ومكانة، ومن نفوذ أقرب إلى الهيمنة، سواء بالنسبة للعالم بشكل عام أو بالنسبة لأميركا الكاريبية الوسطى أو أميركا الجنوبية اللاتينية بشكل خاص. وكان ذلك على وجه التحديد في عام 1959.
والمعنى أن جاءت ثورة كوبا بقيادة فيدل كاسترو تحديا يكاد يعصف بكل ما ظلت أميركا تعيشه من هيمنة على مقاليد تلك المنطقة التي ظلت واشنطن تصفها بأنها «ردهتنا الجنوبية» أو أنها «فناؤنا الخلفي» ، بل بلغ بها أمر السطوة إلى حد أن بادر رئيسها «جيمس مونرو» في عام 1824 إلى إعلان بسط نفوذ أميركا بغير منازع على نصف الكرة الغربي، أي مناطق اليابسة غربي المحيط الأطلسي شمالا وجنوبا تحت الشعار الشهير في التاريخ الأميركي، وهو مبدأ مونرو.
عملية خليج الخنازير
ثم ها هو كاسترو يأتي بثورته ورفاقه لكي يهدد هذا كله ، وهو ما ينبغي التصدي له ، بل والقضاء عليه ، كيف لا وقد أدى كاسترو إلى أن أصبح للمنافس السوفيتي الشيوعي وقتها موطئ قدم على مقربة فراسخ بحرية معدودة من فلوريدا ، جنوبي الولايات المتحدة الأميركية.
من هنا كان لا بد لإدارة جون كيندي التي استجدت مع فاتح ستينات القرن أن تتخذ قرارها بالإطاحة بكاسترو والقضاء على ثورته، في محاولة استرجاع نفوذ أميركا ودورها المهيمن في تلك المنطقة، وحتى لا يشكل أمثال كاسترو أشباه جيفارا نماذج قد يمتد خطرها إلى سائر أصقاع قارة أميركا الجنوبية.
تلك هي الظروف التي دفعت واشنطن إلى تدبير عملية تقضي بغزو كوبا ذاتها وإنهاء المسألة في ضربة واحدة. وكان أن عهدوا بتنفيذ العملية إلى وكالة المخابرات المركزية الأميركية التي لم تقصّر من جانبها في استخدام أو تجنيد عملائها، وكان معظمهم من المهاجرين أو الفارين أو المنشقين على نظام كاسترو الجديد في كوبا وحملت العملية اسمها الشهير وهو غزوة خليج الخنازير.
لكن الفشل في الغزو كان من نصيب هذه العملية التي زاد معها رصيد كوبا وكاسترو وجيفارا وثورتهم ، ونظامهم السياسي الجديد.
صحيح أن هذا النظام الثوري في كوبا ارتكب أخطاء ، واستأثر بمقاليد السلطة والنفوذ في الجزيرة الكاريبية المشاغبة، لكن الصحيح أيضا أن نظام كاسترو بكل سلبياته استطاع أن يحرز إنجازات لا سبيل إلى التهوين من قدرها، ويكفي أن يكون في صدارتها القضاء على الأمية في كوبا والارتقاء بجودة التعليم وتعميم الرعاية الصحية العلاجية المجانية لكل مواطني الجزيرة بغير تمييز.
بعد 63 سنة
63 سنة انقضت على ثورة كاسترو ورفاقه. شاخت الثورة ، تفرّق شمل الرفاق ، اعتزل كاسترو نفسه مهام الحكم في الجزيرة ولم يعد يَرْشح من سيرته سوى أخبار الشيخوخة والمرض وربما انتظار نهايته في يوم قريب أو بعيد.
لكن القوم سواء في أميركا أو في كوبا، في نصف الكرة الغربي بشكل عام ، لم ينسوا عبرة التحولات البالغة الخطورة التي جسدتها الثورة الكوبية التي فجّرها وقادها فيدل وزملاؤه.
عبر العقود الستة التي انقضت من عمر زماننا. وما زال لكاسترو خصوم وثارات وعداوات سواء بين صنوف معارضيه المهاجرين أو الهاربين إلى ولاية فلوريدا الأميركية أو حتى بين المخضرمين من أركان الاستخبارات الأميركية الذين نتصور أن لم ينسوا هزيمتهم أيام غزوة «خليج الخنازير».
في هذا الإطار يأتي الكتاب الذي نعايشه في هذه السطور، ويحمل العنوان التالي: أسرار كاسترو.
ويعرض الكتاب لطبيعة وتطورات الأمور بين وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وبين ما يطلق عليه الكتاب الوصف التالي: ماكينة استخبارات كوبا.
وقد اتبع المؤلف «بريان لاتل» أسلوب إجراء مقابلات شخصية، وخاصة مع الشخصيات الموصوفة بأنها من أكبر المنشقين على كاسترو ونظامه وأسلوب حكمه في الجزيرة الكاريبية، بل من الشخصيات التي سبق لها أن عملت ضمن ماكينة استخبارات كاسترو ومن ثم أمكنها أن تطلع على أسرار هذه الماكينة.
اغتيال كيندي
وفي محاولة إيجابية في تصورنا يعرض المؤلف إلى أسرار ومخططات سبق وأن دبرتها الاستخبارات المركزية الأميركية ومنها ما كان يتعلق بالعمل على اغتيال كاسترو شخصيا، وإن كانت محاولته هذه قد أفضت بالمؤلف إلى القول ، إقرارا أو ادعاء بأن كاسترو كان يعرف معلومات مسبقة بشأن هارفي أوزوالد الذي نسبوا إليه تنفيذ اغتيال الرئيس الأميركي جون كيندي في نوفمبر من عام 1963.
وربما تتمثل دلالة هذه الصفحات من الكتاب في أن كان ثمة حرب سرية وخطيرة مندلعة تحت السطح بين استخبارات أميركا ،التي خططت لقتل كاسترو وبين استخبارات كوبا ،التي تجمعت لديها معلومات كانت في حوزة زعيمها كاسترو شخصيا حول مخطط مقبل لاغتيال رئيس الولايات المتحدة.
بيد أن ناقدي هذا الكتاب يأخذون على المؤلف أنه أورد كل ما طرحه من أسرار وما بسطه من معلومات عبر فصول الكتاب، دون أن يورد أي أسماء من قريب أو بعيد ، وإن كان ثمة اعتراف بقدرة الجواسيس العملاء أو «المصادر» الكوبية التي كانت تلجأ إلى أميركا على الاجتياز السهل لاختبارات أجهزة كشف الكذب التي يتعين عليهم الخضوع لها في حين أن المؤلف يحرص من ناحية أخرى على انتقاد الكوبيين من اتباع كاسترو أو من خصومه لأنهم كما يقول «بريان لاتل» لا يتمتعون بالمهارات اللازمة لفك طلاسم الشفرات التي تعد بداهة من ألزم وأهم أعمال الاستخبارات.
وعلاوة على ذلك ، يذهب المؤلف إلى أن ثمة ضباطا أو مسؤولين لهم أهميتهم في الاستخبارات الأميركية، ومنهم بالذات المتخصصون في شؤون الكاريبي وأميركا اللاتينية ممن كانوا في السابق في صف كاسترو ، (والمؤلف يذكر بالتحديد عددا من الأسماء في هذا السياق) ولدرجة يصل معها مؤلف كتابنا (ص 66) إلى القول بأن الاستخبارات الكوبية كانت ترصد أنشطة نظيرتها الأميركية في العواصم الخارجية (وأميركا اللاتينية بالذات) وربما تسبقها بفضل معلومات تتوافر فيها إلى تجنيد العملاء أو إلى الاتصال بالمصادر التي تفيد في نجاح العمليات.
وفيما ألمح المؤلف إلى حكاية المعرفة المسبقة من جانب كاسترو بالنسبة لمخطط اغتيال كيندي، يسترعي الاهتمام أن المؤلف (ص 102) يلمح من الجانب الآخر إلى أن الرئيس كيندي كان يعلم من جانبه أيضاً بل ويشارك كذلك فيما كانت تدبره الاستخبارات الأميركية من حملات إرهابية تشنها على الصعيد الدولي في تلك الحقبة.
معلومات بلا أسماء
30 عاماً من التخصص
من هنا أيضا ينصح المحللون الاختصاصيون في هذا المضمار بأن يعوّل القارئ المدقق على سيرة مؤلف هذه النوعية من الإصدارات، وبمعنى أنه كلما طالت سنوات عمل المؤلف مثلا في سلك الاستخبارات، ومع تعمقه في التخصص بالنسبة لموضوع الكتاب الذي قام بإصداره ، فذلك أمر يكفل إلى حد معقول قدراً ما من الثقة فيما يعرضه من فصول الكتاب، وهو ما ينطبق إلى حد ليس بالقليل على الدكتور «لاتل» مؤلف هذا الكتاب الذي قيض له أن عمل خبيرا استخباراتيا، كما قد نسميه، واختصاصيا كذلك في شؤون كوبا وسياساتها وتوجهاتها على مدار أكثر من ثلاثين عاما ، وخاصة خلال ذروة الفترة التي كان فيدل كاسترو يقبض فيها على مقاليد الرئاسة والزعامة في الجزيرة الكوبية.
على كل حال يكاد الكتاب يرسم صورة بالغة الغرابة للعاصمة الكوبية هافانا.
وهي صورة مرسومة من منظور الأعمال السرية أو فلنقل العالم التحتي الذي تدور فيه أنشطة المنظمات العاملة تحت جنح الظلام ، من هنا يبدأ الكتاب من هذا العالم السري أو السفلي الذي كانت فيه كوبا تحت سيطرة عصابات المافيا الكوبية المتحالفة بالطبع مع دوائر تهريب المخدرات والقمار وكازينوهات المتعة الرخيصة لحساب أصحاب الملايين، بل أحيانا أصحاب المليارات القادمين من أرض الولايات المتحدة.
وبعدها يتحول الكتاب إلى الثورة الكوبية التي قادها كاسترو ورفاقه الثوريون حيث انتزعت السلطة من أيدي المافيا ، وانهارت بذلك البنى والهياكل التي كانت تقوم عليها أنشطة الولايات المتحدة ومواطنيها ، إلى حيث خابت مساعي أميركا في القضاء على كاسترو غزوا أو اغتيالا أو حصارا أو تسللا أو تداخلاً في شؤون بلاده بواسطة عملاء استخبارات واشنطن ، وهنا ينتقل كتابنا أيضا إلى حيث يتابع أنشطة جهاز الاستخبارات الذي أنشأه كاسترو شخصيا ، وظل يتعهده بالاهتمام ويدفعه إلى أن يتعلم من خبرة «الأصدقاء» السوفييت في استخبارات موسكو العتيدة التي ظلت تحمل عنوانها الشهير: «كي. جي. بي»
وبعدها أصبحت الحرب سجالا بين استخبارات أميركا واستخبارات كوبا التي ما لبثت أنشطتها السرية أن انتشرت، كما يؤكد هذا الكتاب، لتغطي أصقاعا واسعة النطاق ما بين أوروبا إلى أفريقيا إلى نصف الكرة الغربي حيث أضافت كما يذكر محللو الكتاب فصولاً جديدة ومثيرة إلى تاريخ الاستخبارات خلال سنوات الحرب الباردة في تجسيد المقولة التي اختارها المؤلف عنواناً للكتاب وهي: أسرار كاسترو.
المؤلف في سطور
الدكتور «بريان لاتل» عمل أستاذا بجامعة «جورج تاون» المرموقة في الولايات المتحدة والشهيرة بأنها تتعامل من المنظور الأكاديمي مع أهم القضايا العالمية في المشرق والمغرب، وقد تولى المؤلف تدريس موضوع «كوبا وأميركا اللاتينية» على مدار خمس وعشرين سنة في تلك الجامعة.
وكان قد بدأ تخصصه في موضوع كوبا بالذات منذ أن التحق بالعمل التحليلي في سلك الاستخبارات المركزية الأميركية عند أوائل الستينات، وهو يشغل حاليا موقع كبير الباحثين في «معهد الدراسات الكوبية ـ الأميركية» حيث تتعامل معه الدوائر السياسية المختصة بوصفه من المراجع الثقات في الشأن الكوبي ـ اللاتيني وخاصة في ضوء سلسلة الكتب والدراسات التي سبق إلى إصدارها ويتضح من مجرد عناوينها اهتمامه العميق ومتابعته المتواصلة لمجريات الأمور داخل كوبا على وجه الخصوص، وذلك منذ قيام الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو في عام 1959 وحتى الفترة الراهنة التي ما زالت تشهد شيخوخة كاسترو وابتعاده عن التعاطي المباشر مع القضايا والحياة السياسية، مرورا بفتّوة الثورة والدولة في هافانا بكل ما شابها من أخطاء وأيضا بكل ما استطاعت تحقيقه من منجزات وخاصة في مجالات الصحة والتعليم، فضلا عما واجهته من صعوبات وتحديات كانت فادحة وجسيمة في بعض الأحيان.
من هنا تعددت إصدارات المؤلف لهذه النوعية من الكتب التي نشرها تحت عناوين من قبل «بعد فيدل» أو «فن الاستخبارات» وصولا إلى صدور هذا الكتاب عن الاستخبارات الكوبية.
عدد الصفحات: 288 صفحة
تأليف: بريان لاتل
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مؤسسة بلجريف/ ماكميلان، نيويورك،



