يجمع هذا الكتاب بين المتابعة التاريخية لمرحلة بالغة الحساسية من حياة الشرق الأوسط العربي المعاصر وبين الرصد والتحليل السياسي لتطورات الأمور على مستوى المنطقة، وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ودخول العالم والمنطقة عقد الخمسينات الذي شهد، كما يوضح الكتاب أيضاً اشتداد ساعد حركة القومية العربية مع ظهور قيادة "جمال عبد الناصر" وتصفية التركة الإمبريالية.
وخاصة غروب شمس الإمبراطورية البريطانية بعد معارك السويس، هذا فضلاً عن زيادة أهمية البترول العربي بوصفه سلعة استراتيجية لها دورها الحيوي بالنسبة لدول غرب أوروبا عامة ولأميركا ولو بدرجة أقل، كما يؤكد الكتاب. ثم يضاف إلى هذا كله أبعاد الصراع الدولي الثنائي، أو شبه الثنائي، خلال حقبة الحرب الباردة، فضلاً عما أعقب حرب يونيو 1967 من اتساع وتعّمق الوجود السوفييتي في المنطقة ولا سيما بعد أن حلّت نهاية عام 1968، كما يوضح الكتاب، لتشهد تعويض كل ما أصاب الطرف العربي من خسائر في مجال الأسلحة والمعدات.
يتابع الكتاب أيضاً أدوار الرؤساء الأميركيين من "كارتر" و"ريغان" إلى "بوش الأب" و"بيل كلينتون"، ويتوقف ملياً عند موقف الرئيس بوش، الذي حاول القيام بدور فعّال في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط العربي، مسلَّحاً في ذلك بخبرة واسعة ومتنوعة في مضمار السياسة الخارجية. وبرغم ضغوط حزبه الجمهوري، إلا أن الكتاب يسجل لصالح بوش الأب موقفه الرافض لقبول النتائج التي ترتبت على غزو النظام العراقي السابق للكويت.
في غمار الأحداث الخطيرة والمتلاحقة، بل والتي تشهد في كل لحظة متغيرات وتطورات شديدة الخطورة بدورها، تتزايد في كل لحظة أيضاً أهمية الأرض التي تعيش عليها أمة العرب بين جناحها المشرقي وجناحها المغربي على السواء.
ماذا إذاً عن مصطلح "الشرق الأوسط" ؟
هذا المصطلح بدا غريباً، حتى لا نقول دخيلاً، منذ استخدامه على نطاق واسع مع بدايات عقد الأربعينات من القرن العشرين، وبالتحديد خلال وقائع الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945).
في تلك الفترة، كانت تداعيات تلك الحرب الملتهبة الضروس تمتد لتغطي الأصقاع المنبسطة ما بين مناطق الشمال الإفريقي، وخاصة من الأراضي الليبية غرباً إلى التخوم المصرية شرقاً (حيث دارت ـ كما هو معروف ـ معركة "العلمين" المعروفة بين قيادتي المارشال رومل الألماني والمارشال مونتغومري الإنجليزي)، وهي التي حسمت بصورة أو بأخرى مصائر الحرب العالمية، وخاصة في مسارح العمليات بجنوب البحر المتوسط وشمال افريقيا.
اختيارات الحلفاء
في تلك الأجواء، اختارت قيادات الحلفاء موقعاً دقيقاً وبالغ الحساسية لتموين وإمداد القوات الحليفة (غرب أوروبا وأميركا بالذات)، وكان طبيعياً أن يتجسد هذا الاختيار في القاهرة، بل ويتخذ مكانه بالذات في حي من أحياء العاصمة المصرية، كان متميزاً من حيث اسمه وأيضاً من حيث غلبة عناصر الاحتلال البريطاني في السكن والإقامة به؛ نتحدث عن حي "غاردن سيتي" القريب من ميدان التحرير في قلب القاهرة، وقد ظل خلال وقائع الحرب العالمية مقراً لمركز تزويد القوات الحليفة باحتياجاتها اللوجستية اللازمة لإدارة دفة الحرب، وكان أن أطلقوا على هذا المقر الاسم التالي: مركز تموين الشرق الأوسط.
وإذ فضّل نفر من الاختصاصيين الغربيين اختيار مصطلح "الشرق الأوسط" للدلالة على موقع أقطار المشرق العربي بالذات، فقد عمدت هذه الفئات من العلماء والسياسيين المسؤولين في الغرب إلى أن يضيفوا إلى هذه الأقطار العربية اثنين من الأقطار المسلمة غير العربية، وهما تركيا وإيران، وبهما تكتمل خارطة الشرق الأوسط.
من هنا كان الاهتمام بإطلاق تسمية "الشرق الأوسط العربي" من أجل فرز البلدان والشعوب العربية، وخاصة بلدان وشعوب المشرق العربي في الرقعة التي تسكنها ما بين العراق إلى الشام، ومن شرقي الجزيرة العربية في الخليج إلى البحر الأحمر المفضي إلى مصر العربية.
الشرق الأوسط وأميركا
ذلك بالضبط ما يذهب إليه مؤلف هذا الكتاب، الذي جعل محور موضوعه هو علاقة هذا الشرق الأوسط العربي والولايات المتحدة، فيما أضاف إلى العنوان عبارة تفسيرية تقول التالي: الخصومات العربية ودبلوماسية الدول العظمى.
هنا يتوقف "وليام كوانت"، الخبير الأميركي المخضرم في مضمار السياسة الخارجية للولايات المتحدة عند حقيقة ما عمدت إليه مخططات السياسة الدولية كي تواصل تلك الدول العظمى استغلالها لمقدرات العرب ـ دول الشرق الأوسط العربي على وجه التحديد. يقول "كوانت" إن من أهم إسهامات كتابنا إنما يتمثل فيما قصد المؤلف إلى التركيز عليه متمثلاً في نتائج الانقسامات العربية الداخلية نتائج ومآلات الحرب الباردة بين معسكري الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي دور البترول العربي (سلباً وإيجاباً) وخاصة في عقد السبعينات (يقصد ملابسات ما بعد حرب أكتوبر 1973).
ومن جانبه يحرص مؤلف كتابنا الأكاديمي الأميركي "بيرتون كوفمان" على إيضاح ان تزايد أهمية هذا الشرق الأوسط العربي إنما يرجع إلى بروز البترول عنصراً محورياً بل حيوياً في معادلات القوة الدولية، لا بوصفه عاملاً أساسياً في طاقة الإنتاج، ولكن بوصفه عاملاً استراتيجيا في إدارة دفة الحياة على مستوى العالم كله، وهو ما جعل المنطقة تكتسب أهمية متزايدة ـ كما يوضح المؤلف ـ بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية بعد انقضاء الحرب العالمية، ثم انتصاف القرن العشرين وبداية نذر الحرب الباردة بين معسكري الشرق الروسي والغرب الأميركي.
في هذا السياق بدأت أيضاً سياسة الاحتواء ـ بمعنى محاصرة المعسكر الشرقي السوفييتي ـ التي سبق وأن بشر بها واحد من آباء الدبلوماسية الأميركية المعاصرة وهو "جورج كينان" سفير أميركا الشهير لدى الاتحاد السوفييتي.
سؤال محوري
مع ذلك يعترف مؤلفنا، بأن منطقة الشرق الأوسط العربي ـ هل نقول أيضاً مصر والمشرق العربي ـ لم تكن تحظى بأولوية عليا لدى الرئيس الأميركي "ترومان" الذي كان عليه أن يسلّم مقاليد الرئاسة لرئيس جديد في عام 1953 هو الجنرال "أيزنهاور".
هنا يتجلى السؤال المهم: ما الذي أكسب المنطقة (المشرقية العربية) هذه الأهمية المستجدة مع سنوات الخمسينات؟
يجيب المؤلف (الفصلان الثالث والرابع) موضحاً أن المشرق العربي ازدادت أهميته بفعل عاملين أساسيين استجدا في تلك الفترة بالذات وهما:
(1) القومية العربية.
(2) الوجود السوفييتي
أما العامل الأول فجاء متمثلاً بالذات في اشتداد ساعد الشعور القومي العربي، وخاصة بعد أن استطاعت زعامة "جمال عبد الناصر" أن تضيف مصر بكل تاريخها وإمكاناتها إلى معسكر القومية العربية، وهو ما تجلى إقليمياً وعالمياً بالذات بعد الانتصار العربي في معركة تأميم قناة السويس ومقاومة العدوان الثلاثي على شرق مصر (بورسعيد بالذات) في شتاء عام 1956.
وعن العامل الثاني بكل ما ارتبط به من ملابسات يقول مؤلف هذا الكتاب: إضافة إلى انتشار دعوة القومية العربية، كان هناك أيضاً تزايد الوجود السوفييتي في الشرق الأوسط، فضلاً عن تنامي اعتماد غرب أوروبا واليابان ثم الولايات المتحدة، وإنْ بدرجة أقل، على بترول الشرق الأوسط ـ كل هذا دفع الإدارة الأميركية، منذ أيام أيزنهاور في الخمسينات وما يليها، إلى إيلاء المزيد من الاهتمام بالمنطقة
مع ذلك، ففيما لاحت نذر من الأمل في نشوء تفاهمات معقولة بين الرئيسين الأميركي "كيندي" والعربي "جمال عبد الناصر"، وخاصة بشأن قضية فلسطين، فقد جاء اغتيال كيندي نفسه وتولي نائبه "جونسون" ليحطم هذه الآمال، بل ويفضي وسط ملابسات شتى إلى حرب 1967 التي أقضّت مضاجع واشنطن، لا بسبب ضياع أراض عربية احتلتها إسرائيل، ولكن بالذات لأن موسكو دأبت في أعقاب تلك الحرب على توجيه شحنات ضخمة من الأسلحة الروسية إلى المنطقة، ولدرجة يقول معها كتابنا (ص 63):
"ما إن انتهى عام 1968 حتى كان قد تم استعواض ما خسره العرب من أسلحة في وقائع حرب 1967"، وهو ما كان بمثابة تمهيد تاريخي لحرب الغفران ـ كما يسمونها في إسرائيل ـ وهي الحرب التي تداخلت مع نتائجها جهود شخصيات أميركية نافذة يركز كتابنا على اثنين منها.
وهما الرئيس "نيكسون" ثم وزير خارجيته "هنري كيسنجر" الذي يرى مؤلفنا أن سياسة الخطوة ـ خطوة التي اصطنعها لم تُجْد نفعاً، وهو ما دفع رئيسا آخر هو "كارتر" إلى التماس ما تصوره كارتر حلاً شاملاً جسّدته، في رأي المؤلف أيضاً، اتفاقات كامب ديفيد عبر الفترة 1977 ـ 1981، وكأنما البروفيسور بيرتون يحدد الحيز الزمني الفاصل بدقة ملحوظة بين عام زيارة الرئيس المصري "أنور السادات" لإسرائيل وبين مصرع السادات نفسه على رؤوس الأشهاد في أكتوبر 1981.
هنا يلاحظ قارئ الكتاب أن المؤلف يضع خطاً فاصلاً بين مرحلتين تفصل بينهما اتفاقات "الكامب" الشهيرة، وهو يكاد يعدّها إغلاقاً لملف الدور المصري الفاعل في حركة التصدي العربي لإسرائيل.
في حقبة ريغان
من هنا أيضاً يشهد القارئ تحولاً أساسياً في اهتمامات المؤلف: من تركيز ومتابعة دقيقة للشأن المصري، والإشكاليات المصرية، إلى التحول للتركيز على شؤون وشجون أخرى شهدتها منطقة الشرق الأوسط ـ العربي حتى لا ننسى ـ في لبنان "الفصل الثامن"، ثم في الخليج "الفصل الحادي عشر".
وقد تشاء المصادفات الزمنية للمنطقة، ومعها المصادفات ـ الديمقراطية هذه المرة في أميركا ـ أن ترتبط كل من المنطقتين برئيس أميركي مختلف، وينتمي أيضاً للحزب الجمهوري، المعروف عنه تأييده المبالغ فيه لمخطط إسرائيل في الاستيطان الاستعماري العنصري على أرض فلسطين العربية: لقد ارتبط لبنان بالرئيس "رونالد ريغان"، وارتبط الخليج بالرئيس "بوش ـ الأب".
عند هذا المنعطف من الكتاب يعترف المؤلف بأن الشرق الأوسط ظل على مدار النصف الثاني من القرن العشرين يشكل لغزاً أو معضلة يصعب التعامل معها بالنسبة لكل رئيس أميركي أياً كان انتماؤه، فما بالنا بالرئيس ريغان الذي ظل يتعامل مع المنطقة ـ كما يتصور المؤلف ـ وكأنها ما برحت ساحة للحرب الباردة، بمعنى استمرار الصراع بين مصالح الكرملين شرقاً ومصالح البيت الأبيض غرباً. ولهذا جاء فشل السياسة الأميركية في التعامل مع لبنان، الذي كان خلال ولاية ريغان نهباً للصراعات الأهلية سياسية كانت أو عسكرية في بعض الأحيان.
هكذا تكلم وودوارد
على أن الكتاب ينقل عن الصحافي الشهير بوب وودوارد العبارات التي وصف بها أسلوب بوش الأب فيما يتعلق بالتعامل مع قضايا السياسة الخارجية على مستوى العالم بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط العربي بشكل خاص، حيث يقول وودوارد ما يلي: على عكس رونالد ريغان، أراد جورج بوش (الأب) أن يكون هو اللاعب الرئيسي.
وأن يكون الرجل الذي يجري أكبر عدد ممكن من المكالمات الهاتفية (مع زعماء الخارج). وبوصفه محارباً قديماً من أيام الحرب العالمية الثانية، فقد تقّبل بوش فكرة السوابق التاريخية التي تحمل اسم "ميونيخ"، ومفادها أن سياسة السكوت على العدوان لا تسفر سوى عن مزيد من العدوان. وقد كان لهذه الفكرة أثرها المباشر على موقف جورج بوش إزاء إقدام النظام السابق في العراق على غزو جارته الكويت في عام 1990.
في الصفحات الختامية من هذا الكتاب يعرض المؤلف لحالة التذبذب التي تسود أحياناً مواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة إزاء منطقة الشرق الأوسط العربي. ويصل المؤلف إلى خلاصة مفادها أن واشنطن تتبع منطق الحرص أحياناً، فتحاول التباعد عن هموم واهتمامات المنطقة، خشية أن تظهر أمام العرب في إطار المؤيد على طول الخط لإسرائيل، ولكن لا تلبث أن تعاود الاهتمام العميق بالمنطقة، وخاصة إذا ما نشأت أي مساحة للتفاهم بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على نحو ما فعلت في أواخر ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
هذا التحليل ربما يفضي إلى سؤال مازالت إجابته معلقة بين سماء المنطقة وأرضها، وهذا السؤال يقول: ترى ماذا تخبئه الأيام من سياسات الإدارة المستجدة في واشنطن مع نجاح أوباما في نيل الولاية الثانية، خاصة في ضوء سُحب التوترات الساخنة التي عاودت التجمع في سماوات الشرق الأوسط العربي نتيجة ما ارتكبته العسكرية الصهيونية بحق غزة في منتصف شهر نوفمبر ؟
المؤلف في سطور
عمل البروفيسور "بيرتون أ. كوفمان" أستاذاً جامعياً في علم التاريخ، كما شغل منصب مدير مركز الدراسات متعددة التخصصات في معهد "البوليتكنيك" بجامعة ولاية فرجينيا في الولايات المتحدة. وكان قد تولى قبل ذلك مهام التدريس في جامعة نيو أورليانز ثم جامعة كانساس، حيث ظل يجمع بين تدريس التاريخ والعلوم السياسية، وخاصة ما يتعلق بمراحل التاريخ الحديث والأوضاع السياسية الدولية في القرن العشرين، حيث انصبت اهتماماته، كباحث أكاديمي، على الإسهامات التي قدمها أهم الرؤساء الأميركيين إلى أوضاع بلدهم .
وكذلك إلى المشهد السياسي العالمي بشكل عام، وهو ما استحق معه البروفيسور "كوفمان" مكانة مرموقة كما يقول ناقدو تراثه البحثي وإصداراته العلمية، بوصفه "واحداً من أبرز المؤرخين الأميركيين" فيما يتصل بالعلاقات الخارجية لأميركا. وقد أصدر المؤلف في هذا المضمار كتبا عدة مازال لها أهميتها بالنسبة لفهم مجريات ومآلات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة.
ومنها على سبيل المثال كتابه عن "السياسة الاقتصادية" للرئيس "دوايت أيزنهاور" وكتابه عن شبه الجزيرة الكورية التي شاركت أميركا في خوضها ضد المد الشيوعي في جنوب شرقي آسيا، وقد أصدره بعنوان "الحرب الكورية: تحديات الأزمة والمصداقية والسيطرة القيادية". كما اشتهر من إصدارات المؤلف كتابه عن رئاسة "جيمي كارتر" بين المنجزات والتحديات، فضلاً عن دراسة اضافية أصدرها عن السياسة الخارجية للرئيس الأسبق "ويلسون".

