أنتجت التغييرات الكبرى التي عرفها العالم العربي، منذ بداية عام 2011، معطيات جديدة على المستوى الإقليمي. وأثار ذلك قلقاً لدى إسرائيل وأجهزتها السرية، خاصة أن بعض «محاوريها» المتميزين اختفوا من المشهد السياسي.
أحدثت الثورة في تونس إحساساً بالخيبة لدى جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي لم يرتقب أبداً «رياح التغيير» المقبلة، رغم وجوده القوي في البلاد، بسبب الحضور الكبير لليهود في المنطقة، وتركيزه على الساحة التونسية منذ أن أصبحت مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بعد خروجها من لبنان. وهناك عدة مؤشرات على وجود «مصادر رفيعة» للمعلومات في ظل حكم بن علي سهّلت مهام الموساد، كما يوضح مؤلف الكتاب.
كان الوضع مختلفاً في مصر، فـرئيس جهاز المخابرات المصري عمر سليمان لم يكن عميلاً لإسرائيل، بل كان «محاوراً يحظى بالاحترام». والخدمات مع الموساد ومع السي.آي.إيه كانت متبادلة. لكن منذ نشوب الثورة، أدرك الرئيس المصري السابق حسني مبارك نهاية حكمه، وركّز بالتالي اهتمامه على البحث عن سبل الاحتفاظ بثروة أسرته.
وفي ليبيا، لعب رجال من أمثال موسى كوسا وعبد الله السنوسي، دوراً مركزياً في عالم الاستخبارات، وتنوعت علاقاتهما وارتباطاتهما مع الأجهزة الغربية، وربما مع الموساد. لكن بعد الثورة تغيرت المعطيات.
رأت الأجهزة السرية الإسرائيلية في الثورات التي شهدتها عدة بلدان عربية «مصدر قلق»، كما ينقل مؤلف الكتاب عن أحد عناصر الموساد السابقين. يضاف إلى هذا «الحرج» الذي تواجهه هذا العام، حيث إنها لم تر التحركات المقبلة، ثم أدركت أن العديد من «محاوريها» اختفوا من «المشهد السياسي»، واحداً بعد الآخر.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأمور «مقروءة» في عهد القادة السابقين، يبدو القادة الجدد «مجهولين»، ولا يمتلكون ثقافة الحكم، ومبتدئين في عالم الاستخبارات، كما يراهم الإسرائيليون. هذا فضلاً عن «جهلهم» بآلية العمل «الشرقية جداً» الكامنة في شتيمة إسرائيل علناً، ولكن التفاوض مع الموساد سراً على بعض التسويات.
ما يؤكده المؤلف إيفانويك دونويل، هو أن الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بذلا، خلال عقود، جهوداً كبيرة لنسج علاقات مع مسؤولين في أجهزة الاستخبارات العربية الذين، دون أن يصبحوا عملاء إسرائيليين، قد يقبلون تبادلاً محدوداً للمعلومات لمصلحة الطرفين. ويضيف المؤلف أنه «إذا حالف الحظ» يمكن لتلك القناة «شبه الرسمية» أن تؤدي في النتيجة إلى تجنيد جاسوس، أو عدة جواسيس، داخل الجهاز العسكري للبلد المعني.
تونس ورياح التغيير
كانت الثورة في تونس أحد مصادر خيبة الأمل بالنسبة للموساد، الذي كان يتمتع بوجود مهم في البلاد. والإشارة هنا هي إلى أنه كان يمتلك ثلاثة مراكز فيها، بسبب الوجود المهم للطائفة اليهودية في المنطقة. والإشارة أيضاً إلى أن هذا ما وصف «بالتفصيل» تقريراً للمخابرات المصرية جرى تسريبه إلى مجلة «المصوّر». وجاء في التقرير أن مركز تونس العاصمة يعطي الأولوية للشؤون الجزائرية، ومركز جربا للشؤون الليبية، ويتركز اهتمام المركز الثالث «سوسة» للشؤون التونسية.
ويحدد المؤلف بالقول: «من المحتمل أنه كان للموساد عملاء في حاشية الرئيس بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي». ويؤكد أنه لولا وجود «داعمين على مستوى رفيع» ما كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على الموساد أن يغتال عدداً من القادة الفلسطينيين، مثل أبو جهاد ثم أبو اياد. وينقل المؤلف عن الصحافة الإسرائيلية تأكيدها آنذاك أن القتلة كانوا «يتمتعون بتواطؤ واضح على أعلى مستوى».
وينقل المؤلف أنه في شهر إبريل 2011 اتهم عبد الرحمن سوبير، الحارس الشخصي للرئيس السابق بن علي، ليلى الطرابلسي أنها «عميلة إسرائيلية جرى تجنيدها عام 1990». وبعد أن يتساءل المؤلف عن مدى صحة مثل هذه المعلومة، ينقل عن الوزير التونسي السابق «طاهر بلخوجة»، الذي كان مسؤول الأمن الرئاسي خلال 10 سنوات، قوله في مقابلة صحافية إن رجاله اتبعوا دورة تأهيل نظّمها جهاز الموساد، وأشرف عليها اللواء علي السرياتي. ويشير المؤلف إلى أن مثل هذه الدورات ربما سمحت، مثلما حصل في إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، بتجنيد «مصادر» للمعلومات بين مسؤولي الشرطة التونسيين، وأن بعضهم «لا يزالون يمارسون مهامهم ويحاولون إخفاء كل أثر لأشكال تعاونهم السابق».
وينقل المؤلف عن ضابط الشرطة التونسي السابق «سمير فرياني»، قوله إنه بعد أسبوع من سقوط بن علي، توجهت عربات من وزارة الداخلية إلى مقر الأرشيف لنقل ملفات وأشرطة تسجيل يحتوي بعضها على أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية، جرى جلبها عندما غادرت تونس عام 1994، والتي كانت تحتوي، حسب قول فرياني، على معلومات خاصة بتعاون جهاز الأمن التونسي مع الموساد.
جرى إيداع فرياني السجن في يونيو 2011 لوشايته بإتلاف الأرشيف. وحُكم عليه بتاريخ 26 مارس 2012 بغرامة قيمها 200 دينار تونسي، لتوجيهه اتهامات دون سند ضد موظف في الدولة، وبـ «سنتيم رمزي» لمصلحة وزارة الداخلية.
وضع مختلف في مصر
كان الوضع مختلفاً جداً في مصر عما كان عليه في تونس، كما يشير المؤلف بداية، ذلك أن عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية، لم يكن «عميلاً»، ولكنه كان «محاوراً» محترماً ومقدّراً من قبل الموساد. وعندما واجهت مصر أعمال عنف من قبل المتطرفين في سنوات التسعينيات، عبأت السي.آي.إيه والموساد كل ما لديهما من معطيات لتفكيك شبكات «أيمن الظواهري».
بالمقابل، ودون خيانة المصالح المصرية، حاول عمر سليمان «ردّ الجميل» للأميركيين مثلما للإسرائيليين، إذ لعب دوراً مركزياً في المفاوضات الطويلة من أجل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي «جلعاد شاليط». لكن المظاهرات الهائلة التي شهدها ميدان التحرير بالقاهرة في شهر يناير 2011 فاجأت الجميع، بمن في ذلك عمر سليمان نفسه.
أدرك الرئيس المصري السابق حسني مبارك سريعاً، حسبما ينقل المؤلف عن مصادر الموساد، أن ساعة نهاية حكمه قد دقت، ورسائل الأميركيين كانت واضحة حول ذلك. وإذا كان مبارك قد تمسّك بالسلطة، فإن ذلك لم يكن من باب العناد، ولكن لأسباب مالية. إذ منذ بداية الثورة قام جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» بتسجيل محادثات بين أفراد عائلة مبارك حول أفضل طريقة لحماية ثروتهم.
كان المطلوب هو تحويل الأموال إلى الخارج، لكن إلى أين؟ درس بن علي في تونس أثبت أن سويسرا قد تقبل تجميد أرصدة الرئيس المخلوع في بنوكها إذا طلبت السلطات الجديدة ذلك. كان الرهان كبيراً، فتقديرات السي.آي.إيه والموساد أجمعت على أن أسرة مبارك جمعت 7 مليارات دولار خلال عقود حكمه.
كان الابن جمال مبارك هو الذي يدير تلك الثروة «بطريقته». ولم يكن يتردد في أن يقترح على صاحب أية شركة «تعجبه» امتلاك ما بين 20 إلى 50 % من أسهمها «مجاناً». لكن مقابل ألا يعيق أحد نشاطاتها. هكذا امتلك جملة من الشراكات التي كان عليه التخلي عنها، بعد سقوط حكم والده، وكذلك التخلي عن شراكات الأسرة في مجال العقارات، حيث إن أسرة مبارك كانت أحد أكبر مالكي الفنادق الفخمة في شرم الشيخ، حسب المعلومات المقدّمة.
وعندما قبل مبارك التنحّي عن السلطة، أسقط معه رئيس مخابراته عمر سليمان، الذي ينقل عنه المؤلف قوله: «في عالم الاستخبارات، يقوم جزء كبير من عمل الارتباط على نوعية العلاقات الشخصية. وفي السابق كان يتم العمل مع أناس عملوا في الاستخبارات لعدة عقود، ولديهم صورة عن مجمل الشرق الأوسط والحركات الإرهابية. أما الآن، فهناك أناس يتعلّمون أحياناً مهنتهم عبر ممارستها، ويركّزون على مسألة عدم الاستقرار الداخلي، وهدفهم الأول هو الاحتفاظ بمنصبهم. وكُثر منهم يقولون لأنفسهم أنه من الأفضل تجنب أن يراهم أحد وهم يتحدّثون مع السي.آي.إيه، وأكثر منها مع الموساد. إنهم لم يتمثّلوا بعد السياسة الواقعية لعالم الاستخبارات».
ماذا عن ليبيا؟
الوضع في ليبيا كان أكثر تشوشاً. فالأجهزة السرية البريطانية والأميركية هي التي أقامت العلاقات الوثيقة مع أحد سادة الجاسوسية لدى العقيد القذافي، والمقصود هو موسى كوسا. وما يؤكده المؤلف اليوم هو أن موسى كوسا لم يكن يكتفي بمجرد الدفاع عن مصالح رئيسه، إذ كان يتقاضى أموالاً من «أصدقائه الغربيين»، وحتى لو كان يصرّ على تكذيب ذلك، كما يشير المؤلف بين قوسين.
ويؤكد مؤلف الكتاب أن الموساد استفاد بطريقة غير مباشرة، وخاصّة عن طريق السي.آي.إيه وجهاز الاستخبارات «إم-16» البريطاني، من معلومات المسؤول الليبي. لكن سقوط القذافي وحكمه غيّر المعطيات كلها، وموسى كوسا يعيش اليوم منفياً «مرفّهاً» في لندن.
وهناك رجل آخر لعب دوراً مركزياً في أجهزة الاستخبارات الليبية، هو عبد الله السنوسي الموصوف بـ «جزّار طرابلس»، والذي كان في «قلب النظام»، عبر زواجه بأخت القذافي، وكان مديراً لأجهزة الأمن الخارجي، ومستشاراً لسيف الإسلام القذافي. حاول السنوسي الهرب بعد سقوط رئيسه، ولكنه وجد نفسه في أحد سجون نواكشوط، العاصمة الموريتانية.
هناك جهات عديدة تطلب تسليمها السنوسي، من بينها فرنسا. ويشير المؤلف إلى أن لكل جهة «أسبابها»، فالرجل هو بمثابة «الصندوق الأسود» لنظام القذافي، إذ يمتلك الذاكرة، هذا إذا لم يكن الأرشيف، حول جميع المؤامرات وعمليات التمويل السرية، واستثمارات القذافي خلال الأربعين سنة التي أمضاها في السلطة.
وبعد إشارة المؤلف إلى الاتهامات التي نشرت على شبكة الإنترنت بأن السنوسي لجأ إلى خدمات شركة «غلوبال سي.إس.تي» الإسرائيلية لتجنيد مرتزقة أثناء الثورة الليبية، وقوله، أي المؤلف، إنه: «إذا كانت هذه الشركة قد قامت فعلاً بمهمات لحساب ليبيا قبل الثورة، فلا يمكن رؤية منطق دعمها لدكتاتور أثناء الثورة، ومحكوم عليه من قبل الأصدقاء الأميركيين وتعاديه أجهزة العديد من البلدان الأوروبية، ولم يكن يجد هو نفسه صعوبة في إيجاد المرتزقة».
السيناريو الأسوأ
وفي بعض الأسطر التي يكرسها المؤلف لسوريا في الصفحات الأخيرة لكتابه، يؤكد أن: «الانتظار هو السائد لدى الموساد خلال سنة 2011 كلها ومطلع 2012». ويرى أن إسرائيل تكتفي، حتى إنجاز الكتاب، بـ «حساب النقاط». لكن جيشها «يتدرّب على مواجهة السيناريو الأسوأ. إذ في حال وقوع سوريا في براثن الفوضى، يخشى جهاز الموساد وجهاز أمان تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى هضبة الجولان، بحيث سيكون من الصعب السيطرة عليهم».
وينقل المؤلف عن مصدر بالموساد قوله: «حتى لو كان النظام البعثي عدوّاً لإسرائيل، فإنه لدينا تقريباً صورة عنه وعن كيفية التعامل معه. لكننا لا نعرف شيئاً عما سيكون عليه سلوك نظام إسلامي سنّي قد يحل محلّه».
وعن «الملف النووي الإيراني»، نقرأ في الصفحة الأخيرة ما مفاده: «في مطلع عام 2012، توافقت آراء الموساد والسي.آي.إيه حول أن الإيرانيين لم يبدؤوا بتجميع قنبلة نووية، إذ قد يتوقف ذلك على أمر من أعلى المستويات، وذلك الأمر هو ما ينبغي ترصّده، فبعد تسعة شهور منه، ستكون لدى إيران القنبلة. ويرى الموساد والسي.آي.إيه أنهما قادران على الحصول على تلك المعلومة الأمر- وقت صدورها. والتزامهما في التشخيص ربما سيكون حاسماً، والتشخيص سيحدد، بدرجة ما، مستقبل الشرق الأوسط».
المؤلف في سطور
إيفونيك دونويل، مؤلف هذا الكتاب، هو مؤرخ فرنسي اختصاصي بعالم الاستخبارات والأجهزة السرية الكبرى والشهيرة في العالم. وفي مقدمها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي. آي. إيه» التي كان قد قدّم عنها، بالاشتراك مع المؤرخ الأميركي الشهير أيضاً، كأحد أهم الاختصاصيين العالميين في عالم الأجهزة السرية «غوردون توماس»، كتاباً تحت عنوان: «الكتاب الأسود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية»، والذي تمّ التعرّض فيه للاغتيالات السياسية التي استهدفت العديد من القادة الأجانب، وللانقلابات العسكرية التي ساهمت فيها الوكالة الاستخباراتية الأميركية، وجرت ترجمة الكتاب إلى العديد من اللغات الأجنبية.
و«إيفونيك دونيول» معروف أوروبياً وعالمياً كأحد المرجعيات في عالم الظل والأجهزة السرية. ذلك بعد صدور عدة مؤلفات له، في عدادها: «التاريخ السري للقرن العشرين: مذكرات جواسيس خلال سنوات 1945 وحتى 1989»، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط سور برلين. ومن كتبه أيضاً: «عام 1979: الحروب السرية في الشرق الأوسط« و«كيف تصبح جاسوساً؟»، إلخ.



