يطلق إيفونيل دونويل مؤلف الكتاب تسمية "رجال أعمال الموساد" على عدد من رجال الأعمال الذين لم يكونوا جواسيس سابقين لدى الأجهزة السرية الإسرائيلية، أو أنهم "ليسوا فقط" كذلك. ولكن امتيازهم الأكثر بروزا هو أنهم يمتلكون حريّة حركة تسمح لهم بالذهاب إلى حيث لا يستطيع أن يمضي الجواسيس.
عدد من رجال الأعمال هؤلاء مارسوا نشاطاتهم في بلدان إفريقية بالتنسيق مع المكتب الإفريقي للموساد. وهناك أمثلة كثيرة يقدمها المؤلف على غرار شابتاي كالمانوفيتش الذي أسس شركة للبناء في جنوب إفريقيا. لكن رغم الخدمات الكبيرة التي قدمها لإسرائيل واجه تهمة "التجسس" في إسرائيل على خلفية صراع بين شيمون بيريز وإسحق شامير.
وهناك طراز آخر من رجال الأعمال- الجواسيس يجده المؤلف في شخصية ارنون ميلشان، الذي مارس التجسس وتجارة الأسلحة لصالح برنامج إسرائيل النووي. وأسس عددا كبيرا من الشركات، التي لم يكن لبعضها أية علاقة ظاهرة بإسرائيل، بما في ذلك شركة للإنتاج السينمائي في هوليوود. لكنه بقي بكل الحالات جاسوسا لها.
اشترى الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، في سنوات السبعينات، طائرة خاصة من طراز "غرومان غولفستريم-2" التي كانت تعد الأفضل آنذاك من شركة "زيمكس" السويسرية. وكانت أعمال الشركة المزدهرة مصدر إحساس بالرضا لدى رئيسها ومديرها العام "هانس زغلر". ولكن أيضا لجهاز الموساد، حيث كان "زغلر" أحد عملائه. والطائرة التي سُلّمت للقذافي كانت "محشوّة" بأجهزة التجسس.
بقيت تلك العملية سرية لفترة طويلة من الزمن، كما يشير مؤلف الكتاب، والتي كانت، كما يضيف حسب اعتراف أحد مصادر معلوماته "إحدى أفضل العمليات التي قام بها الموساد"، وذلك من حيث أهمية المعلومات التي جمعها واستفاد منها كثيرا في بعض المناسبات.
ويشير المؤلف إلى وجود شركة طيران أخرى (إسرائيلية هذه المرة) عملت بالطريقة نفسها وهي شركة "اتاسكو" التي باعت لأوغندا في عهد امين دادا أسطولا من طائرات بوينغ 707، كما باعت عدة طائرات لأحد فروع السي.آي.ايه. وذلك يعني أنه لم يكن هناك شيء يخفى على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية. وكانت "اتاسكو" مملوكة من قبل الملياردير "شارل ازنبرغ"، المعروف بنشاطه آنذاك في أسواق بيع الأسلحة.
ويطلق المؤلف تسمية "رجال أعمال الموساد" على رجال أعمال حقيقيين، كما يصفهم، وليسوا أو ليسوا فقط، جواسيس سابقين تحوّلوا إلى عالم الصفقات، ولكن أصحاب شركات أثبتوا نجاحهم "ووضعوا كفاءاتهم ومفكرة العناوين التي يمتلكونها في خدمة الموساد". وهم لا يتقاضون أموالا مقابل ذلك، بل قد يكلفهم ذلك مبالغ طائلة. وامتيازهم هو أنهم يستطيعون الذهاب حيث لا يستطيع الجواسيس العاديون. وبالمقابل يستطيعون الاعتماد على إسرائيل "عندما يواجهون متاعب".
صفقات إفريقية
وجد في إفريقيا أعداد كبيرة من اللبنانيين من مختلف الطوائف، وأصبح بعضهم من ذوي النفوذ في بلدان إفريقية، مثل ساحل العاج وسيراليون. وقد ساهم بعضهم في تمويل منظمات لبنانية يذكر منها المؤلف "حركة أمل"، حيث أن رئيسها نبيه برّي من مواليد سيراليون، وله فيها صداقات متينة مع رجال أعمال كبار مثل جميل سعيد محمد.
وفي الفترة نفسها حاولت إسرائيل أن "تعيد الحرارة" لعلاقاتها مع البلدان الإفريقية بعد فترة "البرود" خلال سنوات السبعينات. هكذا أظهر "المكتب الإفريقي للموساد" اهتماما كبيرا بالقارة الإفريقية، وذلك خاصة عبر رجال أعمال مثل "شابتاي كالمانوفيتش" الذي هاجر من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل في مطلع عقد السبعينات الماضي.
وبدأ مساره فيها في إطار الدعم الانتخابي لحزب العمال قبل أن يتحوّل نحو حزب "الليكود" اليميني. وأصبح "كالمانوفيتش " مساعدا برلمانيا لـ"صمويل فلاتو- شارون" الذي اشتهر في فرنسا بفضيحة عقارات خلال سنوات السبعينات. وفي تلك الفترة بدأ "كالمانوفيتش" عمله لحساب جهاز الموساد، ونقل نشاطاته إلى جنوب إفريقيا في مطلع الثمانينات، حيث أسس شركة للبناء عرفت نجاحا كبيرا وسريعا بمساعدة السلطات المحلية هناك.
ما يؤكده المؤلف في هذا الصدد هو أن رجال أعمال لبنانيين واجهوا صعوبات مع السلطات المحلية مثلما حصل عام 1987 حيث قامت الكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى وسيراليون بطرد عائلات لبنانية بحجج مختلفة. وفي الوقت نفسه قامت أجهزة الأمن في البلدان المعنية بتعزيز علاقاتها مع الأجهزة الإسرائيلية.
ويذكر المؤلف أن "كالمانوفيتش" وجد نفسه فيما بعد "متورطا" بصراع مرير بين "شيمون بيريز" و"إسحاق شامير" حيث كان هذا الأخير قد كلفه بنقل وثائق في غاية السريّة إلى موسكو، كان مصدرها هو الجاسوس الإسرائيلي "جوناتان بولارد"، اليهودي الأميركي. كان شامير يريد التقارب مع الاتحاد السوفييتي. لكن "بيريز" لم يتردد فيما بعد بتوجيه تهمة التجسس لـ"كالمانوفيتش" رغم الخدمات الكبيرة التي قدّمها لإسرائيل.
جاسوس ومنتج للأفلام
في تاريخ 18 سبتمبر عام 2008 عقد عدد غفير من نجوم ،هوليوود اجتماعا في القاعة الكبيرة التابعة لشركة إنتاج "بارامونت". كان الجميع يرتدون أزياء السهرة الأنيقة. أما المناسبة فكانت منح جائزة للمخرج "ارنون ميلشان" على "مجمل أعماله" والتي كانت من بينها أفلام حققت نجاحا كبيرا مثل "حرب الزهور" و"السيد والسيدة سميث"
تناوب عدد من المشاهير على المسرح، مثل الممثل روبرت دينيرو والمخرج مارتن سكورسيزي، وكالوا المديح الكبير لـ"ميلشان" وشخصيته القوية وبصيرته وقدرته على المصالحة بين المتناقضات. ولكن لم يذكر أحد منهم ما كان يعرّفه بصورة أدق، ويحدده المؤلف بالقول: "إن الرجل الذي كانت تحتفي به هوليوود ذلك المساء كان أحد أسياد الجاسوسية في إسرائيل، التي قدّم لها خلال العقود الأخيرة كمية هائلة من التقنيات الأميركية، أغلبها بوسائل غير مشروعة".
عندما كان عمر "ارنون ميلشان" 21 سنة تولّى إدارة شركة بيع الأسمدة وتوزيع المحروقات التي تركها والده المتوفي. واكتشف عند قيامه بـ"جرد" ملفات الأب أن الشركة لم تكن تمارس نشاطها في المجال المعلن عنه ولكن في "تصدير واستيراد الأسلحة".
تعلّم الابن "المهنة" بسرعة وعرض على جميع شركات تصنيع السلاح أن يكون ممثلها في إسرائيل. وتعرّف آنذاك على موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي، وعلى "شيمون بيريز"، الأقل شهرة في ذلك الوقت.
وبعد فترة من تعارفهما أطلع شيمون بيريز "صديقه ميلشان" على ما أسماه "سر إسرائيل" المتمثل في برنامجها النووي الذي يساعدها الفرنسيون في إنجازه.
وقدّم له المسؤول عن "سرية البرنامج" المدعو "بنيامين بلومبيرغ" المكلف بالحصول على التجهيزات والمواد المطلوبة للبرنامج، والتي لا يمكن شراؤها من الأسواق العادية. كان "بلومبيرغ"، المسؤول السابق عن الأمن في وزارة الحرب الإسرائيلية، بصدد إنشاء وكالة سرية للحصول على المطلوب للبرنامج النووي وجرى منحها مقرّا في مبنى تلك الوزارة الإسرائيلية.
الخداع والسرقة والقوة
وقد كانت الوكالة سرية إلى درجة أن "الموساد" نفسه لم يكن يتم إبلاغه بنشاطاتها. لقد أطلقوا عليها بداية تسمية "مكتب الارتباط العلمي المعروف اختصارا باسم " لاكام- وجرى تحديد مهمتها الأساسية بالحصول على كل ما هو ضروري للبرنامج النووي بشتى الوسائل بما في ذلك "الخداع والسرقة والقوة".
جرى في الوقت نفسه تشكيل لجنة سرية من الباحثين لتحديد الاحتياجات ذات الأولوية وأمكنة الحصول عليها. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد علمت أن الإسرائيليين يبحثون عن سبل الوصول إلى التقنيات النووية، ولكنها وجّهت انتباهها على مراقبة فرق الموساد، حيث أنها لم تكن تعرف بوجود وكالة خاصة مكلّفة بتلك المهمة. هكذا تابع عناصر "لاكام" العمل بحريّة، خاصة أن البعض منهم، مثل "ارنون ميلشان" كانوا يمارسون نشاطات اقتصادية حقيقية ومشروعة في الولايات المتحدة.
قام "بنيامين بلومبيرغ" بتدريب "ميلشان" على جميع التقنيات التي قد يحتاجها لتنفيذ مهامه، مثل كيفية تأسس شركات "وهمية" والتلاعب بالحسابات المصرفية وإعداد الوثائق المزوّرة عن مصادر الأسلحة، الخ.
كما قام بتدريبه على كيفية تجنيد "المخبرين". وبعد نجاحه بعدة "اختبارات" وإيجاد "حلول" للحصول على عتاد مطلوب قام بمبادرة اقترح فيها على صديقه شيمون بيريز وموشي دايان اقتراحا ما كان يمكن أن يرفضاه.
كان الاقتراح هو أن تقوم وزارة الحرب الإسرائيلية بصورة "شبه رسمية" بإفهام مصنّعي الأسلحة أنه أي "ميلسان" هو "الممر" المعتمد، وفي المقابل يلتزم من جانبه بتحويل عمولاته على العقود إلى الحسابات السرية لوزارة الحرب. وبهذا المعنى أصبح بمثابة "المموّل الخفي" للعمليات السرية الكبيرة للاستخبارات الإسرائيلية في الخارج، أي عمليات "لاكام" وأحيانا "الموساد"، ذلك الدور أعطاه سلطة كبيرة، لكن طموحاته لم تكتف بذلك بل ذهبت إلى أبعد من ذلك.
لقد اقترح على "أصدقائه" فتح فروع لمجموعته في الولايات المتحدة، بحيث تكون غطاء لنشاطاته. هكذا كان هو الذي "استورد" طائرات "سوبر فريلون" العمودية التي لعبت دورا كبيرا في حرب يونيو 1967. وأنشأ كذلك عدة شركات بعضها لا علاقة ظاهرة لها مع إسرائيل، بحيث يمكنه شراء تجهيزات محظور بيعها إلى إسرائيل، خشية العقاب باسم المقاطعة المفروضة من البلدان العربية.
لعبة القط والفأر
وعندما كشفت البلدان العربية "المناورة"، جرى منع شركات صناعة الطيران التعامل مع أية شركة لها أي نشاط كان مع إسرائيل. ردّ "ميلشان" على ذلك بتأسيس "سلسلة" من الشركات تعيد بيع التجهيزات والعتاد فيما بينها وصولا إلى الهدف النهائي. لكن "لعبة القط والفأر" انتهت عندما قرر الكونغرس الأميركي عام 1977 إعفاء الشركات الأميركية من الانصياع لإجراءات المقاطعة التي فرضتها البلدان العربية.
وفي عام 1981 قام وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد، ارييل شارون، باستبدال "بنيامين بلومبيرغ" المقرّب من بيريز، بصديقه "رافي ايتان" الذي كان قد عمل في إطار جهازي "شين بيت" و"الموساد"، وكان يمتلك بالتالي "أرشيفا" من عمله السابق لعملاء "الموساد" في أميركا ممن قد يكونون مفيدين له في عمله كرئيس لجهاز "لاكام". ومن بينهم "جوناثان بولارد"، مصدر المعلومات عن السياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط.
وكما تعلّم "ميلشان" عقد صفقات الأسلحة، قرر أن يدخل ميدانا جديدا، هو الإنتاج السينمائي. وبعد عدة "أفلام" متواضعة النجاح أسس "ستوديو" للإنتاج السينمائي باسم "نيو ريجنس" كي يكون بمثابة "الآلة" الخاصة به، وقد شاركه فيه "سيلفيو برلسكوني"، رئيس الوزراء الإيطالي السابق. وفي عام 2011 وقّعت هذه الشركة عقدا مع شركة "فولكس" للتعاون حتى عام 2022.
المؤلف في سطور
إيفونيك دونويل، مؤلف هذا الكتاب، هو مؤرخ فرنسي اختصاصي بعالم الاستخبارات والأجهزة السرية الكبرى والشهيرة في العالم. وفي مقدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي. آي. ايه" التي كان قد قدّم عنها، بالاشتراك مع المؤرخ الأميركي الشهير أيضا كأحد أهم الاختصاصيين العالميين في عالم الأجهزة السرية "غوردون توماس"، كتابا تحت عنوان: "الكتاب الأسود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" والذي تمّ التعرّض فيه للاغتيالات السياسية، التي استهدفت العديد من القادة الأجانب، وللانقلابات العسكرية التي ساهمت فيها الوكالة الأميركية، وجرت ترجمة الكتاب إلى العديد من اللغات الأجنبية.
و"إيفونيك دونويل" معروف أوروبيا وعالميا كأحد المرجعيات في عالم الظل والأجهزة السرية، وذلك بعد صدور عدة مؤلفات له في هذا المجال يندرج في عدادها: "التاريخ السري للقرن العشرين: مذكرات جواسيس خلال سنوات 1945 وحتى 1989"، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط سور برلين. ومن كتبه أيضا: "عام 1979: الحروب السرية في الشرق الأوسط" و"كيف تصبح جاسوسا"؟ الخ.
الحلقة الرابعة
عدد الصفحات:336 صفحة
تأليف: إيفونيك دونويل
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: نوفو موند، باريس،



