زاد اهتمام قادة الغرب والمستثمرين فيه بمنطقة الشرق الأوسط، بعد الصدمتين النفطيتين لسنوات السبعينات. وأخذت فرنسا دورا متميزا في التوجّه نحو تعزيز العلاقات مع العالم العربي، بعد ما عُرف بـ"السياسة العربية" التي انتهجها الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول.

وزاد بالتوازي اهتمام الأجهزة السرية الغربية بالنشاطات العربية في بلدانها. وكان جهاز "الموساد" قد كثّف من نشاطاته في فرنسا، خاصة حيث قام بعدة عمليات اغتيال لممثلين فلسطينيين في أوروبا ولعلماء كانوا يعملون في إطار البرنامج النووي العراقي، وذلك على خلفية حرص إسرائيل على الاحتفاظ باحتكار امتلاك السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط.

ويتم التعرّض في هذا السياق لعمليات تدمير مشروع البرنامج النووي العراقي المعروف باسم "تموز" واغتيال العالم العربي دكتور يحيى المشد بإطلاق النار عليه، وكذلك اغتيال العالم "عبد الرشيد" بواسطة السم في باريس بالحالتين. حيث يؤكد المؤلف على قيادة تسيبي ليفني، الطالبة آنذاك، ورئيسة حزب "كاديما" الإسرائيلي الوسطي حاليا، لعمليات الاغتيال في فرنسا.

غدت العاصمة الفرنسية، باريس، خلال سنوات السبعينات والثمانينات، بمثابة "عاصمة عربية" إلى هذه الدرجة أو تلك. وكان ذلك، كما يرى مؤلف هذا الكتاب، نتيجة لما عُرف بـ"السياسة العربية" التي انتهجها الجنرال شارل ديغول، والتي تابعها الرؤساء الذين خلفوه. وكذلك نتيجة للصعود القوي الذي عرفته البلدان المصدّرة للنفط في الاقتصاد العالمي.

علاقات وثيقة

وكان من المنطقي ، في مثل ذلك السياق، تنامي اهتمام القادة والمستثمرين ورجال الأعمال الأوروبيين ببلدان منطقة الشرق الأوسط، وكما طوّر فيه الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان العلاقات مع شاه إيران، كذلك تقارب الرئيس الفرنسي جاك شيراك مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ، إلى درجة أن كثر داخل إسرائيل من اعتبروا ذلك بمثابة "خيانة" للشعارات المؤيدة للصهيونية، التي رفعتها الجمهورية الفرنسية الرابعة قبل قيام الجمهورية الخامسة عام 1958.

ويتعرّض المؤلف في هذا السياق إلى علاقات فرنسا ، خلال سنوات السبعينات والثمانينات ، مع عدة أجهزة عربية، مثل الأجهزة السرية الليبية للعقيد القذافي ، التي كان يقودها أحمد قذّاف الدم، والذي توصلت الأجهزة السرية الفرنسية معه إلى استبعاد الأرض الفرنسية من أعمال العنف.

ولكن بالمقابل كان ينبغي فرض رقابة شديدة على الأجهزة السرية السورية، خاصة بعد اغتيال صلاح البيطار في باريس بتاريخ 21 يوليو تموز 1980، الذي وكان رئيس وزراء سابقا ومعارضا للرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد. ويشير المؤلف إلى أن العمليات السرية السورية في أوروبا كانت تجري تحت إشراف رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد.

ويشير المؤلف إلى أن جهاز الموساد كان غاضبا جدا من الصلات الفرنسية مع الأجهزة السرية العربية. ولم يكن الفرنسيون يجهلون نشاطات الموساد في فرنسا ضد بعض ممثلي الفلسطينيين، مثل محمود الهمشري الذي اغتالته قنبلة وضعها رجال الموساد بهاتف منزله، وعبد الرؤوف الكبيسي، ذي الأصل العراقي الذي درس القانون في الولايات المتحدة وكندا قبل أن يقوم بالتدريس في الجامعة الأميركية ببيروت، والذي قتله عناصر من الموساد في باريس أيضا.

ولم يقتصر عمل الموساد، كما يشير مؤلف الكتاب، على عمليات الاغتيال ، بل قاموا بتوجيه رسائل تهديد ورسائل ملغومة إلى عدد من الدبلوماسيين العرب في باريس باسم "المنظمة العالمية لإنقاذ الأفراد".

الجاسوسة ورجل العلم

توجّه اهتمام إسرائيل عند منعطف سنوات الثمانينات إلى ضمان استمرار الوضع القائم في الشرق الأوسط بما يتعلق بميزان القوى النووية في هذه المنطقة من العالم. وبتعبير آخر ضمان احتفاظ إسرائيل باحتكار القنبلة النووية. وكان الفرنسيون الذين ساعدوا قبل 25 سنة الإسرائيليين على امتلاكها قد عززوا علاقاتهم مع البلدان العربية، خاصة بعد الصدمتين النفطيتين لسنوات السبعينات.

كان الملف الأكثر إثارة لقلق إسرائيل هو الخاص بمشروع العراق النووي المعروف باسم "تموز" حيث كانت فرنسا قد سلّمت عام 1973 العراق المفاعل "أوزيريك". وكان اتفاق التعاون الفرنسي العراقي الموقع عام 1975 بعد التقارب بين جاك شيراك، رئيس وزراء فرنسا آنذاك، والرئيس العراقي صدام حسين، ينص على "استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية".

كان أرييل شارون آنذاك وزيرا للزراعة في حكومة مناحيم بيغن، لكنه قام بحملة في جميع الاتجاهات لإقناع الحكومة الإسرائيلية بالقيام بضربة جوية للعراق، وإلا "سوف تنتج قريبا أول قنبلة إسلامية". وكانت الأجهزة السرية الإسرائيلية قد قامت قبل ذلك بليلة 5 إلى 6 أبريل 1979 بتفجير قطع خاصة بتموز 1 وتموز 2 مع 65 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب، كانت جاهزة للنقل إلى بغداد في ميناء "سين سورمير" الفرنسي. ولم يكتف الموساد بالتفجير، بل وجه عملاؤه رسائل تهديد للعاملين في ورشة تلك البلدة وللمهندسين الذين كانوا على أهبة الاستعداد للذهاب إلى العراق.

وفي ليلة 13 إلى 14 يونيو 1980 تمّ العثور على جثّة رجل في إحدى غرف فندق الميريديان بباريس. وكان المهندس المصري العامل بحقل الذرة دكتور يحيى المشد، أحد أفضل التقنيين في هذا الميدان في العالم العربي. وكان العنصر الأساسي في البرنامج النووي العراقي. وأفاد الجهاز السري الفرنسي أن فتاة رافقت الفيزيائي النووي مساء يوم اغتياله، وأن رجلاً دخل الغرفة بعد خروجها منها مباشرة.

وسمحت شهادات العاملين والعاملات في الفندق بالتعرف على أن الرجل المعني كان من موظفي السفارة الإسرائيلية. وكذلك التعرف على هوية الفتاة التي جرى استدعاؤها للمثول أمام الشرطة الجنائية، ولكنها قتلت بـ"حادث سير" في شارع "سان جرمان" الباريسي قبل مثولها أمام السلطات الفرنسية المعنية. ووجدت الشرطة في مفكرة بحقيبتها رقم هاتف السفارة الإسرائيلية.

لكن الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري جيسكار ديستان ووزير خارجيته جان فرانسوا بونسيه رفضا إثارة "حادث دبلوماسي" بناء على وجود مجرد رقم الهاتف، وطويت القضية.

اغتيال بالسم

بعد عدة أشهر فقط، وضعت الشرطة الفرنسية تحت الرقابة فيزيائي مصري آخر هو دكتور عبد الرشيد، ويوم وصوله ذهب إلى محطة القطار لاستقبال سيدة نزل معها من القطار نفسه رجل "اختار" فندقهما ذاته ، وبدا أنه يراقبهما. خشيت الشرطة الفرنسية السرية أن تتكرر عملية كتلك التي قتلت دكتور يحيى المشد ، فاقتحمت الفندق ، لكن "رجل القطار" اختفى. وجرى التعرف من صورته على أنه كان "دبلوماسيا" إسرائيليا. أما دكتور عبد الرشيد فقد توفي بعد أشهر قليلة بـ"عملية تسمم غريبة".

ويقول المؤلف إن نتيجة التحقيقات التي قامت بها الشرطة الفرنسية السرية أثبتت أن عمليتي اغتيال المشد ودسّ السم لعبد الرشيد قد جرى تنفيذهما بإشراف إسرائيلية شابة كانت تقيم في فرنسا بصفة طالبة، وهي تسيبي ليفني الشخصية السياسية اللامعة لاحقا ورئيسة حزب "كاديما" الوسطي.

وينقل المؤلف عن جان باكلوتي، أحد مديري جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية قوله: "كان وجود الموساد قويا في السفارة، حيث بلغ عناصره فيها 15 عنصرا (...). والشخص الذي جرى التعرّف عليه من قبل العاملين في فندق الميريديان عندما خرج من الغرفة التي كان يشغلها يحيى المشد لم يكن شخصا مجهولا بالنسبة لي، إذ خدم كحارس شخصي لي أثناء زيارتي الأخيرة إلى إسرائيل. وكان جميع العناصر يقدمون عرضا لما فعلوه لتسيبي ليفني التي كانت رغم صغر سنها هي صاحبة النفوذ الأكبر. وقد قادت العمليات بحنكة معلّم".

وتسيبي ليفني، كما يتم تقديمها في الكتاب، هي ابنة أسرة عملت في منظمة "ارغون" السرية. وينقل المؤلف اعتمادا على مقابلة أجرتها معها عام 1995، لكن لم يتم نشرها سوى في عام 2009 أنها كانت تعمل في إطار جماعة "بايونيت" السرية التي كانت تقوم بالاغتيالات في مختلف أنحاء العالم. ومما قالته عن تلك التجربة: "يعيش الإنسان بحالة قلق دائم. وقد كان سلوكي غريبا في أغلب الأحيان، إذ ينبغي التركيز والقيام بحسابات طيلة الوقت".

تجارة الأسلحة

بتاريخ 22 سبتمبر 1980 تغلغلت القوات العراقية في الأراضي الإيرانية. واستمرت الحرب العراقية -الإيرانية ، التي أطلقها صدام حسين ثماني سنوات وزاد عدد ضحاياها على مليون شخص. واجه الإيرانيون سريعا عدة تحديات ليس أقلها نقص الأسلحة والذخائر في وجه التفوّق التكنولوجي العراقي. وكان الإغراء كبيرا لدى الصناعيين الغربيين لدخول ذلك السوق "الواعد". لم تتأخر فرق "الموساد" عن مراقبة نشاطاتهم، لكن الإسرائيليين لم يكونوا يعارضون جميعهم بيع العتاد العسكري للإيرانيين ، وفي مقدمة المتحمسين لذلك كان هناك موشي ديان وزير الحرب، خاصة أن ذلك كان يعني إطالة زمن الحرب وإضعاف البلدين.

ويشير مؤلف الكتاب إلى أن المدهش أكثر كان موافقة مسؤولين أميركيين كبار على بيع الأسلحة لإيران بواسطة وسطاء تستخدمهم الأجهزة الإسرائيلية. ومما يؤكده هو أنه "منذ الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1980 جرت اجتماعات في باريس بين ممثلين إيرانيين وإسرائيليين ووفد من الفريق الانتخابي لحملة رونالد ريغان. وكان الأميركيون في الوفد وبينهم وليام كينري، مدير حملة ريغان والذي أصبح رئيسا للسي.آي.ايه لاحقا يريدون الحصول على تحرير رهائن السفارة الأميركية بطهران، ولكن بعد الانتخابات لضمان هزيمة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر".

وبعد جولات من المفاوضات ساهم فيها بنشاط آري بن ميناش، الإسرائيلي ذي الأصول الإيرانية، حصلت إيران على أطنان من العتاد العسكري، حيث كانت النتيجة هي قيام إيران منذ شهر اكتوبر 1981 بهجوم مضاد على العراقيين. وبعد أن جرى "ترميم" موازين القوى بين الطرفين المتحاربين، استمر النزاع ليصبح أحد أكثر الصراعات دموية في تاريخ المنطقة.

شامير يقلب المائدة

وفي عام 1985 توصلت مجموعة "بكتل" الأميركية إلى إقناع صدام حسين ببناء خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى البحر مرورا بالأردن. كانت قيمة الصفقة بالنسبة لـ"بكتل" أكثر من مليار دولار. لكن الرئيس العراقي الراحل طلب، قبل التوقيع النهائي، ضمانا قطعيا بأن إسرائيل لن تفجر الأنبوب.

هنا برز دور المدعو بروس رابابورت الذي كان قد عمل مع منظمة "هاغاناه"، الجهاز السري الصهيوني الذي خلفه فيما بعد "الموساد". وكان "رابابورت" قد أسس إمبراطورية صغيرة يديرها من جنيف بسويسرا، ومن بين أصدقائه المقرّبين شيمون بيريز الرئيس الإسرائيلي الحالي، وكان الملياردير قد ساهم "بسخاء" في الحملات الانتخابية لصديقه.

سلّم رابابورت رسالة من بيريز للمجموعة الأميركية "بكتل" وعد فيها بعدم المساس بخط الأنابيب المقترح. ولم يكن ذلك كافيا بالنسبة للعراقيين الذين طالبوا ضمانا بتعويض نفقاتهم إذا نكص بيريز، أو غيره، عن وعوده. تمّ عندها اقتراح آلية لـ"التأمين" تتضمن دفع مبلغ 65 مليون دولار سنويا لحزب العمل الإسرائيلي لضمان عدم الهجوم على خط الأنابيب، وبحيث يتم استقطاع المبلغ من تشغيل المشروع، وقبل بيريز بالمقابل "تجميد" مبلغ 400 مليون دولار من المساعدات الأميركية لإسرائيل كضمان، إذا لم تحترم إسرائيل التزاماتها. كان بيريز يعتمد على دعم مدير السي.آي.ايه وليام كنري.

لكن إسحق شامير وحزبه في الحكومة نعت بيريز بـ"الخائن" وهدد بترك التحالف الحكومي ليسقط مشروع خط الأنابيب العراقي. وتمتد سلسلة طويلة من الأحداث يقدمها مؤلف الكتاب لتبيين آليات صياغة السياسات الإسرائيلية ودور الأجهزة السرية وخاصة الموساد فيها.

المؤلف في سطور

ايفونيك دونويل، مؤلف هذا الكتاب، هو مؤرخ فرنسي اختصاصي بعالم الاستخبارات والأجهزة السرية الكبرى والشهيرة في العالم. وفي مقدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي. آي. ايه" التي كان قد قدّم عنها، بالاشتراك مع المؤرخ الأميركي الشهير أيضا كأحد أهم الاختصاصيين العالميين في عالم الأجهزة السرية "غوردون توماس"، كتابا تحت عنوان: "الكتاب الأسود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" والذي تمّ التعرّض فيه للاغتيالات السياسية، التي استهدفت العديد من القادة الأجانب، وللانقلابات العسكرية التي ساهمت فيها الوكالة الأميركية، وجرت ترجمة الكتاب إلى العديد من اللغات الأجنبية.

وايفونيك دونويل معروف أوروبيا وعالميا كأحد المرجعيات في عالم الظل والأجهزة السرية، وذلك بعد صدور عدة مؤلفات له في هذا المجال يندرج في عدادها: "التاريخ السري للقرن العشرين: مذكرات جواسيس خلال سنوات 1945 وحتى 1989"، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط سور برلين. ومن كتبه أيضا: "عام 1979: الحروب السرية في الشرق الأوسط" و"كيف تصبح جاسوسا"؟ الخ.

الحلقة الثالثة

عدد الصفحات: 336صفحة

تأليف: ايفونيك دونويل

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: نوفو موند، باريس،