يكتسب هذا الكتاب أهميته في الوقت الحإلى من أن "ميت رومني" الذي عمل حاكما لـ "ماساشوستس" وهي واحدة من أهم الولايات الأميركية من حيث العطاء الفكري والنشاط الثقافي قرر أن يدخل سباق الرئاسة الأميركية المرتقب ضد الرئيس الأميركي باراك اوباما، ومن ثم فقد كان من شأن كتاب يصدر عن رومني أن ينال قدرا مرموقا من الاهتمام والانتشار، خاصة وأن "موضوع" الكتاب ما برح شخصية يكتنفها قدر ملحوظ من الغموض أو الالتباس أو الظلال، وهو ما جعل المؤلفْين يجهدان في محاولة النفاذ إلى كواليس هذه الشخصية ،التي ينتمي صاحبها إلى أسرة واسعة الثراء والنفوذ، وخاصة في ميادين صناعة السيارات وتوظيف الاستثمارات، فضلا عن انتمائه إلى طائفة "المورمون" ذات الأصول المسيحية، ولكن ذات التعاليم التي تتفرد بها الطائفة تحت ستار معهود من الأسرار وأحيانا من الغرابة، منذ إنشاء الطائفة في الثلث الاول من القرن التاسع عشر، حيث كان من المعروف عن تعاليمها الأساسية أنها تبيح تعدد الزوجات.

من هنا جاءت عناوين فصول الكتاب بمثابة دالة معبرة عن الأبعاد المتداخلة لشخصية رجل يمكن أن يصبح مع مستهل العام المقبل رئيسا للولايات المتحدة الأميركية ،بكل وزنها المعروف على الساحة الدولية، ومن هذه العناوين مثلا "رجل العائلة ورجل الكنيسة" (الفصل الخامس) أو "صانع النقود" (الفصل السادس) أو "خطوة إلى اليمين باتجاه الرئاسة" (الفصل الاخير من الكتاب).

ولأن بطل هذه الفصول التي يضمها الكتاب مازال شخصية مراوغه بمعني أنها تستعصي لاتزال على الحسم أو البّت أو التحديد. فقد عمد المؤلفان إلى اختيار عبارة "رومني، الحقيقي" عنوانا لهذا العمل الذي أمضيا في جمع مادته وتأليفه خمس سنوات كاملة.

في عام 1967، اتسعت شهرة فيلم جديد من انتاج هوليوود، أقبل على مشاهدته الملايين، ليحقق أرباحا طائلة بمقياس تلك الأيام. الفيلم حمل عنوان "الخريج" وكان يدور حول سيرة شاب غربي طموح، يحاول ان يستشرف ما قد ينطوي عليه المستقبل، يومها رنت في الآذان، عبارة تفّوه بها بطل الفيلم وقال فيها: سيكون المستقبل من نصيب مادة مهمة بعينها هي.. البلاستيك.

بهذه المقدمة بدأ النقاد تحليلهم لمحتويات الكتاب الذي نعايش فصوله وصفحاته في هذه السطور: ها هو الناقد الأميركي "جيوفري كابا سرفيز" يقول ان كلمة "بلاستيك" تكاد تلخص سيرة وشخصية بطل الكتاب الذي صدر في الاشهر القليلة الماضية ليحمل العنوان التإلى ":رومني الحقيقي". والمقصود بالطبع هو "ميت رومني" مرشح الحزب الجمهوري المنافس اللدود للرئيس الأميركي "باراك اوباما" في الانتخابات الرئاسية، المقرر ان تبدأ اشواطها الاستهلالية مع تباشير شتاء هذا العام في الولايات المتحدة.

لماذا هذا الكتاب؟

من جانبنا العربي يأتي اهتمامنا بهذا الكتاب، وخاصة بالأضواء التي يحاول ان يلقيها مؤلفاه على شخصية وسلوكيات المرشح الجمهوري العتيد، من باب التحسب السياسي لامكانية نجاح "ميت رومني" المذكور أعلاه في الفوز بكعكة الرئاسة الأميركية، وهو احتمال لا سبيل إلى استبعاده، بقدر ما أن المطلوب على المستوى العربي تكوين أفكار موضوعية قدر الإمكان عن مثل هذه الشخصيات الكفيلة بأن تؤثر في حال نجاحها، على مسارات الاحداث على صعيد العالم بوجه عام وربما على مستوى وطننا العربي بشكل خاص.

"ميت رومني" كما يذكر الناقد الأميركي الذي ألمحنا إليه شخصية تتسم بتكوين أقرب إلى البلاستيك. وكم لاحظ المحللون السياسيون حرصه على مرونة البلاستيك في طرح آرائه السياسية وهو ما يتجسد في سلوكيات..

بلاستيكية بدورها ما بين تغيير الآراء، والتهّرب احيانا من القضايا الحاسمة والطروحات القاطعة، هذا فضلا كما يضيف الناقد الأميركي أيضا- عن ملامحه التي لا تكاد تتغير ولا يكاد يظهر عليها أثر من عواطف خاصة أو انفعالات معينة، فما بالنا بأنه يبدو رجلا بلا شهية وبلا عواطف أو انفعالات (ملحق نيويورك تايمز، ملحق الكتاب، 15/4/2012).

من هنا تأتي قيمة كتابنا الذي حاول فيه المؤلفان اختراق مثل هذه الطبقة البلاستيكية في جهد من جانبهما للتوصل إلى دواخل هذه الشخصية التي يمكن ان تدفع الاقدار السياسية والانتخابية بصاحبها إلى مكتب الرئاسة البيضاوي الشهير في البيت الأميركي الابيض.

من هنا يشير عنوان الكتاب إلى ما استطاع المؤلفان إنجازه وهما "مايكل كرانيش" وزميله "سكوت هيلمان"، وكلاهما يصنفان في ساحة الصحافة الأميركية على أنهما من أقدر العاملين في دنيا الصحافة الاستقصائية، ثم إن رومني كانت له شهرته النسبية إذ كان حاكما لولاية ماساشوستس، التي تعد بمثابة المركز الثقافي النابض في شمال شرقي الولايات المتحدة، ومن ثم اتسعت شهرته منذ اختاره الحزب الجمهوري المعارض مرشحا منافسا لباراك أوباما في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

مزيد من الأضواء

مع هذا كله فمازالت شخصية رومني بحاجة إلى مزيد من تسليط الأضواء، ولأسباب وجيهه شتى.

أولها أنه ينتمي بحكم المولد إلى ما يعرف في حوليات السياسة والمجتمع في أميركا باسم "جيل طفرة المواليد"، وهو الجيل الذي رأى أفراده النور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وعودة الجنود الشباب الأميركيين إلى بلادهم مع أواخر الاربعينات ومطلع الخمسينات، حيث كان بانتظارهم الزوجات والخطيبات والصديقات الشابات، وبعدها استعاد المجتمع الشبابي فتوته، وكانت النتيجة زيادة مرموقة أو مشهودة بلغت حد الطفرة في عدد المواليد.

هنا يقف كتابنا عند حالة من التناقض بالنسبة إلى بطل الكتاب- ميت رومني: هو من مواليد عام 1947، وبمعنى أنه جاء منتصف عقد الستينات وهو يطرق أبواب العشرين من العمر، وبالتحديد كان قد بلغ سن الرشد في عام 1968- العام الذي شهد أكبر انتفاضات وثورات وتحركات قام بها الشباب في طول العالم وعرضه تعبيرا عن رفض أوضاع سبقت (منها مثلا حرب أميركا في فيتنام) أو أوضاع تجاوزها الزمن (منها مثلا استمرار طرق التدريس والبحث العلمي العتيقة في جامعات فرنسا الكبرى..الخ)

هنا يلاحظ مؤلفا الكتاب عدم مشاركة رومني في أي من تلك الحركات، التي رفضت القديم وأعربت عن تطلعها إلى الجديد، إلى المستقبل.

ولو كان رومني يعيش وقتها مع عائلته الثرية في ارياف ميتشغان أو غيرها- من الاصقاع الأميركية المنعزلة نسبيا لهان الامر، ولكن المشكلة، كما يوضح مؤلفا هذا الكتاب، أن كان رومني الشاب مقيما أيامها في باريس، أي في قلب حركات الشباب المتمرد على القديم والمطالب بالجديد، الأفضل والأحدث.

وهنا يعود المؤلفان ليوضحا أن هذه العزلة التي باعدت بين الفتي رومني وبين تيارات عصره النابضة إنما ترجع إلى عوامل خاصة بالسياسي الأميركي المذكور، وتلخصها حقيقة جوهرية لا بد وأن يدركها بل ويتدارسها كل من يتعين عليه التعامل مع المرشح الجمهوري سواء ظل مرشحا أو حملته اقداره وحظوظه إلى رئاسة الولايات المتحدة، والحقيقة ببساطة موجزة هي: أن الشاب ميت رومني لم يكن في باريس للدراسة أو الاطلاع أو لمعايشة الحضارة في مدينة النور، ولكنه كان واعظا مبعوثا من أجل الدعاية للطائفة العقائدية التي ينتمي اليها، والتي نشأ على الإيمان بها وتحمل الاسم التالي: المــورمـــــون.

هنا تتجلى واحدة من ميزات هذا الكتاب، لان المؤلفْين يلقيان لمحات دارسة ومهمة من الضوء على هذه الطائفة، عن تاريخها وتطورها، ونضوج قدراتها التي أتاحت لها أن تضم أعلاما ومشاهير، منهم من أصبح من بارونات الصناعة مثل "جورڈ رومني" والد بطل كتابنا، ومنهم بالطبع من دخل السباق الرئاسي مرشحا عن الحزب المعارض وهو ميت رومني شخصيا.

المهم أن هذا الكتاب صدر ليضفي مسحة انسانية مطلوبة سياسيا ولاشك- على شخصية رومني المرشح الرئاسي، وهو ما حرص المؤلفان على تسليط الاضواء عليه، سواء من خلال تقصّي العلاقة التي ربطت بين رومني الابن ورومني الأب، الذي كان شخصية مرموقة، إذ كان في طليعة رجال الأعمال، في مجال صناعة السيارات وغيرها في مدينة ديترويت، فيما اشتهر بأنه سياسي معتدل، بل كان من انصار حركة الحقوق المدنية المؤيدة لحقوق السود بوصفهم من مواطني الولايات المتحدة.

مشكلة المرشح رومني كما يقول ناقد أميركي آخر هو "بنجامين والاس" في "واشنطون بوست" خلال تحليله لهذا الكتاب أن الناس لم تعرف له آراء واضحة وصريحة أو مستقلة ومعلنة بشأن الكثير من القضايا، إن هي الا عبارات واشارات وتلميحات ، ومنها ايضا جُمل غير مستكملة أو تصريحات يمكن فهمها على وجوه شتّي.

عن تصريحات رومني

من هذه التصريحات التي يسوقها مؤلفا هذا الكتاب تلك التي أعلن فيها رومني عن أسباب دخوله معمعة الترشيح لرئاسة الولايات المتحدة، لم تسمع جماهير الناخبين مثلا أن الرجل ينطلق من أرضية فكرية متبلورة أو من مواقف سياسية محددة أو واضحة، لم يصدُر مثلا عن خطة التنمية، أو عن حلم قومي يتوسل بأدوات العلم والتكنولوجيا، أو عن دعوة يتبناها المرشح الجمهوري لتطوير ما يملكه بلده من امكانات تعيد له مكانته العالمية، يستوي في ذلك القوى الناعمة والقوى الخشنة وما في حكمها.

قصارى الامر كما يذكر هذا الكتاب- أن المرشح الجمهوري استيقظ ذات صباح من صيف عام 1993- وإذا بالزوجة الوفية "آن" وهي تحثه على أن يراجع تاريخ وتقاليد العائلة، ثم تؤكد له أنه يحمل مسؤولية تدفعه إلى دخول عالم السياسة، وبسرعة، وهو ما جعل صاحبْي الكتاب يطرحان سؤالا بديهيا ان لم يكن ساذجا وان كان وجيها كذلك وهو: ترى.. هل دخل رومني عالم السياسة متطوعا أو مقتنعا أو كان مدفوعا من جانب زوجة تجمع بين المحبة والاخلاص والطموح؟

في كل حال يظل ميت رومني كائنا من البلاستيك كما قال ناقد "التايمز" أو "رجلا من صفيح" الرجل القصدير كما وصفه واحد من شركاء قطاع الأعمال وإن كانت هذه السلبية في رأي صاحبْي الكتاب قد تبدت ايجابيا عندما عرضوا لعلاقات رومني مع موظفيه ومرؤوسيه واتضح لهم أن الرجل قد استعاض عن دفء الصداقة بصدق الولاء من جانب هؤلاء المرؤوسين.

الدين والبزنس والسياسة

مشكلة بطل هذا الكتاب أنه دخل سباق الرئاسة ليس على أساس مَن هو رومني، أو ما هي مواهبه المتميزة وقدراته المشهودة، لقد دخل السباق كما يضيف ناقد التايمز أيضا- على أساس أنه ليس.. باراك اوباما، وبمعنى أنه اذا كان اوباما هو أول رئيس لما بعد التمييز العنصري في أميركا، فلماذا لا يكون رومني هو أول رئيس لما بعد الحداثة في أميركا أيضا.

ثم تشهد صفحات هذا الكتاب بالعديد من المناقب الايجابية للمرشح الجمهوري، ويتوقف المؤلفان في هذه المواضيع عند تلك الايجابيات التي يوضحان ان رومني استمدها من واقع تقاليد عقيدة المورمون المسيحية التي نشأ عليها، وفي مقدمة هذه التقاليد مثلا عزوفه، وعزوف رفاقه في الطائفة، عن معاقرة الخمر وعن التدخين وتعاطي المنّبهات وأيضا عن سوقية الالفاظ، ومنها أيضا احترامه للتقاليد العائلية التي نشأ عليها وخاصة ما يتعلق بتوقيره الشديد لمآثر والده وإخلاصه العميق لزوجته "آن" وخاصة عندما أصابها المرض العضال، وهناك ايضا نسبة العشَرة في المئة من الدخل التي يلتزم رومني بأدائها لصالح فقراء الطائفة، وهو ما حرصت دعاياته على تأكيده على أساس أن مرشحهم الجمهوري يعرف كيف يرعى حق فقراء أميركا.

يلاحظ أيضا أن كتابنا يكاد يتعامل مع المرشح الجمهوري من خلال منظور ذي 3 ابعاد:

هناك أولا: رومني الابن والزوج والأب ورب العائلة بكل إخلاصه لها وحدبه على أفرادها وإعزازه البالغ لأبيه، الذي كان مصنَّفا خلال النصف الثاني من القرن الماضي بأنه من فئة المعتدلين في الحزب الجمهوري، كيف لا وقد كان جورج رومني كما أسلفنا- من مؤيدي إقرار ما للأفرو- أميركيين من حقوق المواطنة وحقوق الانسان.

هناك ثانيا: رومني رجل الأعمال الرأسمإلى الذي يسيطر على مؤسسة استثمارات مالية عملاقة أو شبه عملاقة تحمل اسم "بين كابيتال" وهو يدير المؤسسة ويجني أرباحها السوبر- طائلة بعقلية رأسمالية البزنس التي لا يعنيها سوى الربح أو فائض القيمة دون أن تأبه كما فعل- لآلام العمال الذين أطاحت بأرزاقهم ومصائرهم الأزمة المالية منذ عام 2008.

وهناك ثالثا: رومني رجل طائفة المورمون أو الواعظ في كنيستها، وقد ارتضى أن يبدأ حياته في صدر الشباب مبعوثا لهذه الكنيسة ومبشّرا بتعاليمها كما اسلفنا- في قلب العاصمة الفرنسية، باريس، التي كانت وقتها منتصف الستينات- تموج بألف تيار، دون أن يشارك رومني في أي منها ولا يتأثر بها، وهو ما جعله في نظر الكثير من مؤرخي سيرته رقما فريدا بل غريبا في معادلة الجيل الذي ينتمي إليه.

 

المؤلفان في سطور

يعد مؤلفا هذا الكتاب من مشاهير الكتاب الصحافيين المخضرمين في الولايات المتحدة، ويعملان في صحيفة "بوسطون غلوب" التي دأبت على نشر ما يقدمانه من مواضيع وحوارات وتحقيقات .

تخرج أولّهما، وهو "مايكل كرانش"، من جامعة سيراكيوز التي تشتهر بأنها تضم قسما للصحافة والاعلام متميزا أكاديميا ومهنيا، وكان مندوب صحيفته في البيت الابيض على مدار آخر سنتين من ولاية الرئيس الاسبق "جورج بوش"- الاب ثم أول عامين من ولاية الرئيس "بيل كلينتون" وقد شارك "كرانش" في تأليف وإصدار عدد من الكتب كان من بينها سيرة حياة السيناتور "جون كيري" إلى جانب كتاب انفرد بتأليفه وإصداره عن "توماس جيفرسون".

أما المؤلف الآخر المشارك في تأليف كتاب "رومني، الحقيقي" فهو "سكوت هيلمان" الذي تخصص في الكتابة السياسية في صحيفة "بوسطون جلوب" إلى جانب قيامه بتغطية القضايا والسياسات المحلية على مستوى ولاية ماساشوستس التي كان رومني حاكما لها، فيما تشتهر الولاية بانها تمثل على نحو أو آخر- مركز الاشعاع الثقافي في أميركا، واشتهر "هيلمان" بتغطيته الدقيقة للحملة الرئاسية منذ عام 2000.

عدد الصفحات: 401 صفحة

تأليف: مايكل كرانش وسكوت هيلمان

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة هاربر، نيويورك،