يصدر المؤلف الهندي لهذا الكتاب عن تراث أصيل في ما يتعلق بالتعامل مع ظاهرة آفة - الهيمنة الاستعمارية، التي رزحت شبه القارة الهندية تحت وطأتها على مدار عقود طويلة من السنين، ما بين أوائل القرن الثامن عشر وحتى استقلال الهند في عام 1947.
وإذ يتابع الكتاب مسار هذه الهيمنة، فهو يوضح أنها بدأت تحت أعلام التجارة التي مارستها لعقود شركة الهند الشرقية الإنجليزية - وبلغت ذروتها في حكم أو نظام «الراڈ»، الذي جاء ليجسد واقع الاستعمار البريطاني للهند، التي طالما وصفوها في تلك الحقبة بأنها «درة» التاج الإمبراطوري البريطاني، وهو ما أفرز شخصيات كان لها إبداعها في مسار الأدب الإنجليزي، مثل شاعر الاستعمار الشهير «رديارد كبلنغ».
ولكن جاء الانتصار الحاسم المشهود للأسطول الياباني الصغير على العمارة البحرية للإمبراطورية الروسية في معركة «تسوشيما» في مايو عام 1905، ليشكل علامة بارزة بحق على طريق انهيار الكيانات الإمبراطورية، وإرهاصاً يشير بحق أيضاً إلى أن الشعوب المستعمَرة أمام طريق طويل، ولكنه واعد برغم مشقته من أجل تحطيم الهيمنة الإمبراطورية، ونيل الاستقلال والحرية، خاصة وقد ألهمت معركة اليابان المذكورة جيلاً كان طالعاً وطامحاً في تلك الفترة من الزعامات التي شاءت أقدارها أن تتصدي من أجل تحويل الإمبراطوريات العتيقة إلى أطلال، لا يذكرها إلا سجل التاريخ.
ومن هذه الزعامات «نهرو» في الهند و«ماو» في الصين و«أتاتورك» في تركيا.
لا يذكر مصطلح «الراڈ» إلا ويستدعي ذكريات تاريخية، تجمع بين شبه القارة الهندية، بشعوبها وثقافاتها وأديانها ولغاتها وأنماط حياتها المتفردة شكلاً وسلوكاً، وبين الجزر البريطانية بكل ما وعاه تاريخها من مغامرات وقفزات وتطلعات وأطماع، بدأت بالكشوف الجغرافية منذ عصر الملكة إليزابيث الأولى، التي عاصرها الشاعر الأشهر «ويليام شكسبير» خلال سنوات خلت من القرنين السادس عشر والسابع عشر.
المهم أن مصطلح «الراڈ»، وهو مستقى من التراث اللغوي الهندي، الذي يشير بشكل عام إلى أوضاع السلطة والنظام والدولة والإدارات الحاكمة، أصبح أو كاد يصبح، في أدبيات التاريخ العالمي الحديث، مرادفاً لفترة الهيمنة الاستعمارية التي فرضتها الجزر البريطانية على مدار عقود طويلة من السنوات على مقاليد شبه القارة الهندية، وكانت هيمنة فريدة، ومن نوع خاص إلى حد لافت للأنظار.
لقد جاء المستعمر البريطاني من جزيرة شبه باردة بين شمالي كوكب الأرض إلى شبه جزيرة شبه حارة في جنوبي كوكب الأرض.
في البدء كانت الشراكة
وتشاء مفارقات الأحداث ألا تتم السيطرة البريطانية على الهند من خلال عمليات مسلحة وجيوش جرارة وجنرالات إنجليز قادمين من أقصى الشمال، على نحو ما حدث مثلاً عندما قامت جيوش الجنرال ويلسلي بقصف مدينة الإسكندرية، ثم استدارت لتدخل الأراضي المصرية من قناة السويس، ومنها عبر الصحراء الشرقية إلى القاهرة، لتعلن احتلالها لمصر في سبتمبر عام 1882، ويستمر هذا الاحتلال الاستعماري سبعين عاماً، وينتهي بجلاء القوات الإنجليزية في 18 يونيو عام 1956.
إن استعمار بريطانيا للهند بدأ على شكل حركات تسلل حثيثة تحت رايات شبه بريئة، حملتها السفن التجارية عبر البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، كما حملت شحناتها أيضاً عبر الطريق البري قوافل اجتازت أجزاء من طريق الحرير الشهير، الذي كان يبدأ من ثغور الأناضول والشام، ثم يشق شعاب البوادي والوديان إلى حيث يصل إلى التخوم الهندية في نهاية المطاف، على أن هذه الأنشطة التجارية من البحر أو الجو كان تتم تحت لواء كيان بالغ الأهمية، وما زال يستحق من جانب الباحثين العرب بالذات مزيداً من الدرس والتحليل التاريخي.
وهذا الكيان حمل أيامها الاسم المعروف: شركة الهند الشرقية، وهي التي وضعت الأساس، كما يقول المؤرخون، لتلك الهيمنة البريطانية التي بدأت مع عقود القرن الثامن عشر على أقدار الهند، ولم تنته سوي قرب منتصف القرن العشرين. وبالتحديد في عام 1947، وهو عام استقلال الهند، وقيام أول حكومة وطنية في ربوعها بعد الاستقلال، وكانت برئاسة واحد من أهم زعماء القرن العشرين وصفوة مثقفيه، وهو «جواهر لال نهرو» (1889-1964).
شاعر الاستعمار والأدغال
تلك كانت الامبراطورية التي بلغت أوج مجدها الاستعماري حتي لا ننسى- خلال القرن التاسع عشر، وإلى مطالع القرن العشرين.
هي الإمبراطورية البريطانية التي أنشد لها شاعرها الاستعماري العتيد «رديارد كبلنغ» قصيدته الشهيرة، التي ناداها عند مطلعها في بيت تقول كلماته ما يلي: ألا فاحكمي يا بريطانيا وسودي!
وبالمناسبة، «رديارد كبلنغ» هو أحد الشخصيات المحورية التي تعرض لها فصول الكتاب الذي نعايش سطوره ومقولاته في ما يلي من سطور:
ها هو مؤلف كتابنا ««بانكاڈ ميشرا» واسمه له إيقاعه الهندي، الذي لا يخطئه السمع ولا الفهم، يتابع منذ بدايات الكتاب سيرة ومقولات كبلنغ الذي شاءت أقداره أن ينشأ ويشب عن الطوق في الهند، الراڈ كما كان رفاقه يسمونها، ومن ثم انتمى الشاعر الكبير إلى طبقة الاستعماريين الإنجليز من مستوطني الهند ومن المتفاعلين مع أعرافها وتراثها ومصائرها، ومن عجب أن يتأمل كبلنغ حقيقة الحاجز الفاصل بين شرق مستعمَر ومستغَل، وبين غرب وافد من منطلق شراهة الاستعمار وشَره الاستغلال، فإذا به يطلق مقولته الشهيرة: الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا.
قيادات مقاومة الاستعمار
نلاحظ من طروحات هذا الكتاب، كيف اختار مؤلفه أن يناقش أحوال الكيانات الإمبراطورية التي شهدتها آسيا من الهند إلى الصين، واليابان، ولكن من المنظور الأهم، وهو: مقاومة النفوذ الاستعماري، والكفاح من أجل التحرر الوطني.
ويلفت النظر كيف أن حركات التحرير، ومقاومة الهيمنة الاستعمارية، الغربية بالذات، استلهمت نموذجاً لم يعد الناس يذكرونه إلا من خلال كتب التاريخ.
لكن مؤلفنا «بانكاڈ ميشرا» يتوقف ملياً عند هذا النموذج الذي تسامع به العالم مع بدايات القرن العشرين، وبالتحديد في عام 1905.
يحدثنا «بانكاڈ ميشرا» عن الحرب الروسية- اليابانية يومها، حيث كانت اليابان بلداً منزوياً أو محدود الموارد والسمعة والإمكانات، لا يكاد يثير اهتمام عالم تلك الفترة، اللهم إلا إذا تحادث الناس - إن فعلوا- عن زي الكيمونو وفتيات الجيشا ودولة اليابان القصية في ركن بعيد، بعيد من الشرق الأقصى.
لكن ها هي اليابان، المغمورة أيامها، وقد تهيأت لخوض حرب ضروس ضد كيان ضخم، بل عملاق، كان يومها يحمل اسماً فخيماً، وهو:
الإمبراطورية الروسية المقدسة، وعلى رأسها حاكمها الإمبراطور الذي ينحدر ولا فخر، من أصلاب آل رومانوف.
ودارت رحى الحرب، فإذا بها تكشف عن مفاجأة، استرعت كل الأنظار، فها هي الهزيمة تلحق بكيان ينتمي بكل خيلاء إلى الغرب الأوروبي، وعلى يد كيان ينتمي بكل تواضع إلى الشرق، أقصى الشرق الآسيوي البعيد.
نهاية الإمبراطورية الروسية
هكذا جاءت هزيمة روسيا الإمبراطورية العظمى على يد اليابان الآسيوية المتواضعة في معركة «تسوشيما» في مايو عام 1905 على وجه التحديد: كانت بالذات معركة بحرية خاضها أسطول ياباني صغير ضد العمارة البحرية الحافلة لإمبراطورية بطرسبورغ الكلية الاحترام.
يسهب مؤلفنا في عرض وتحليل وقائع هذا النصر الآسيوي على العنصر الإمبراطوري الغربي، موضحاً كيف أن هذا النصر الياباني ألهب خيال شعوب وأمم، وأطلق من عنان الأحداث زعامات كانت أيامها في سن الفتوة وعمر الطلب ومراحل التكوين، وحين يفصّل مؤلفنا الحديث في هذا الصدد، فها هو يسرد أسماء زعامات أصبح لها دورها المشهود في تاريخ العالم بعد عقود قليلة، ومنها على سبيل المثال: جواهر لال نهرو في الهند، وكمال أتاتورك في تركيا، وماو تسي تونغ في الصين، ومن قبله في الصين أيضاً صن يات صن.
هؤلاء كلهم كانوا ينتمون إلى آسيا، كما يقول الكاتب الإنجليزي «ون غراي»، في مقالته النقدية عن هذا الكتاب (صحيفة إندبندنت، عدد 28/7/2012)، وإن لم يفت الناقد المذكور أيضاً أن يشير إلى الأصداء الإيجابية المشجعة التي تناهت إلى أقطار أخرى، منها فيتنام في آسيا، ومنها مصر المنتمية إلى إفريقيا وآسيا، ولعله كان على بيّنة مما لقيته انتصارات اليابان في معركتها مع روسيا، وهو ما يتجلى بوضوح في قصيده عصماء نشرتها صحف القاهرة في تلك الفترة لشاعر النيل الكبير حافظ إبراهيم.
دروس مستفادة
وإذا تساءلنا، كقارئين، عن سر هذا الاهتمام من جانب مؤلف كتابنا بهذه الحرب اليابانية الروسية، لجاء الجواب على لسان المؤلف، الذي يقول فيه: لأن نتائج هذه الحرب هي التي دفعت هذا الجيل من الزعماء (في آسيا وإفريقيا) إلى استيعاب الدرس المستفاد منها، ومن ثم النسج على منواله، وهذا الدرس نستطيع كما يضيف المؤلف بالحرف - أن نبلوره على نحو يقول: إن الرجال الشقر، غزاة العالم، لم يعودوا كذلك، انتهى انتماؤهم إلى صنف البشر الذي لا يُقهر، ذلك لأن معركة تسوشيما جاءت لكي تعزف اللحن الافتتاحي لملحمة تراجع الغرب وانحسار نفوذه.
ربما من هذا المنظور، يمضي المؤلف عبر صفحات هذا الكتاب إلى متابعة ورصد درجات ومسارات ومنعطفات هذا الانحسار للنفوذ الغربي، ولعل هذا هو المنظور الذي جعله يعرب عن إعجاب لا يخفى بحركة عدم الانحياز والحياد الإيجابي، التي لم يكن من المصادفات التاريخية أن عقدت أول وأهم مؤتمراتها في آسيا، وتحديداً في مدينة باندونغ الإندونيسية في عام 1955، لتضم يومها قيادات حركات التحرر وزعامات الاستقلال الوطني، وفي مقدمها سوكارنو- إندونيسيا، ونهرو- الهند، وأونو- بورما، وشو إين لاي الصين، ولا كانت صدفة أيضاً، أن ضمت باندونغ زعيماً عربياً كان شاباً واعداً وقتها (37 سنة)، اسمه جمال عبد الناصر.
قال نائب الملك
ومن عجب أيضاً أن حقبة غروب الإمبراطوريات، وكان ذلك كما ألمحنا في مطلع القرن العشرين، لم تفت ملاحظتها ولا التعليق عليها، ولا تحليل عبرتها، نفر من كبار المستعمرين أنفسهم. ها هو كتابنا يحيل إلى ملاحظة اللورد كيرزون، نائب الملك البريطاني في الهند، درة التاج، كما كانوا يسمونها.
وينقل المؤلف هذه الملاحظة عن «كيرزون»، التي يقول فيها: لقد حدث هذا النصر (الياباني على إمبراطورية روسيا) فإذا بكل أصدائه يتردد دويّها مثل قصف الرعد في كل أرجاء الأبهاء الساكنة، والرواقات الهامسة من ربوع الشرق.
على صفحات هذا الكتاب، تتردد أسماء علينا أن نتذكرها جيداً، أو نعيد تقييمها من منظور الفهم والاستيعاب والإنصاف الموضوعي العادل والمستنير، أسماء من قبيل «جمال الدين الأفغاني» المصلح الشرقي القادم من أواسط آسيا إلى مصر والشرق العربي، مكافحاً ضد هيمنة واستبداد الإمبراطوريات التركية والأوروبية على السواء، ومنهم أيضاً «ليانغ كيشاو» المصلح والكاتب الصيني الذي هاجم على صفحات الجرائد في بلاده مادية الغرب وأطماعه في إمكانات الشرق، وهيمنته الإمبراطورية على مقاليده، ومنهم كذلك شاعر الهند الأشهر «رابندرات طاغور» الذي طالما انتقد بعض القيادات الآسيوية ذاتها على تكريس نماذج الغرب في النمو والتطور، على حساب النموذج المستقى من أعراف الوطن الآسيوي، واحتياجات مواطنيه.
يصل المؤلف عند الفصول الختامية من هذا الكتاب إلى إيضاح أن الهيمنة الغربية من جانب أوروبا وأميركا قد ذهبت إلى الأبد، وأصبحت مودعة في زوايا التاريخ، لكنه يقف بقدر لا يخفى من التأمل عند ظاهرة الخيار بين اعتناق نموذج غربي أميركي، بالذات في التنمية، وبين إبداع نماذج آسيوية من واقع الأعراف القومية والاحتياجات الوطنية الآسيوية بشكل خاص، والعالمية الكوكبية بشكل عام.
لا يطرح «بانكاڈ ميشرا» إجابة جامعة مانعة لمثل هذه التساؤلات، وإنما يذهب إلى أن هيمنة الغرب لن تعود، ولكن ليس المطلوب في كل حال أن تتراجع مسيرة هذا الغرب، صحيح أن إمبراطورياته آلت إلى أطلال كما أوضح هذا الكتاب - وربما يكون الأهم هو استمرار منظومات، حتى لا نقول إمبراطوريات، العلم والفكر والإبداع والاختراع.
هذا هو السبيل الوحيد المفضي إلى عالم يمكن أن يسوده السلام.
المؤلف في سطور
«بانكاڈ ميشرا» كاتب وروائي هندي، ولد عام 1969 في ولاية «أوتار برادش» في شمإلى الهند، وحصل على درجة البكالوريوس من كلية التجارة في جامعة «الله أباد» قبل أن يتحول للحصول على ماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة «جواهر لال نهرو» في نيودلهي.
وبعدها آثر أن يرحل إلى دواخل الهند، فأقام في مناطق شبه ريفية، حيث تفرغ لكتابة المقالات الصحافية وإبداع روايته الأولى، وكانت بعنوان «الرومانسيون» التي حاك أحداثها الساخرة حول جماعات من الناس تتوق إلى تحقيق ذاتها من خلال الانتماء إلى ثقافات بعيدة عن تراثهم الثقافي الوطني والقومي، وقد نالت هذه الرواية جائزة أميركية مرموقة بوصفها العمل الإبداعي الأول لمؤلفها، ومن ثم كانت ترجمتها إلى 11 لغة أوروبية، وبعد نشره عدة روايات أخرى، أصدر كتاباً في الرحلات يصف فيه تجاربه الثرية إنسانياً في العديد من المواقع والأقطار التي زارها وتفاعل مع جوانب الحياة على صعيدها، ما بين كشمير أو بوليوود (عاصمة السينما الهندية- هوليوود الهند) وأفغانستان والتبت ونيبال وغيرها في جنوب ووسط آسيا.
يسهم المؤلف حالياً بكتاباته في الملاحق الأدبية الصادرة عن جرائد كبرى مثل «نيويورك تايمز» في أميركا و«غارديان» في إنجلترا، وهو يعمد إلى تقسيم وقته حالياً بين الإقامة في لندن والحياة في الهند، بوصفها مصدر الاستلهام الأساسي لأعماله الإبداعية، وهو عاكف في الوقت الحالي - كما صرح أخيراً- على كتابة رواية جديدة.
عدد الصفحات: 368 صفحة
المؤلف: بانكاڈ ميشرا
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: دار ألين لين، لندن،



