يجمع هذا الكتاب في فكرته بين الطرافة والذكاء والبساطة، فقد عمد المؤلف الى تسجيل وقائع ما يمكن ان نصفه بانه 100 مقابلة ومقابلة، حيث عرض عبر فصول الكتاب لحظات المقابلات واللقاءات التي سجلتها وقائع القرن التاريخ المعاصر، منذ القرن العشرين بالذات بين أعلام شخصيات تلك الحقبة حيث تستمد مادة الفصول طرافتها من واقع مقابلات تمت بين مبدعين جادين في حياتهم ومهنتهم مثل الشاعر إليوت صاحب ملحمة «الأرض الخراب» وبين الممثل الهزلي الأميركي غروشو ماركس.

فضلا عن لقاءات لها دلالتها الانسانية الخاصة من قبيل اللقاء الذى جمع بين «مارتا غراهام» عميدة ومصممة فّن الباليه الراقي في الولايات المتحدة وبين «هيلين كيلر» التي كانت رمزا لصلابة الارادة وعبقرية الاجتهاد البشري، حيث شقت طريقها في الحياة رغم انها ولدت بإعاقة بصرية وسمعية، وكان توَاصلها مع الدنيا من خلال لغة اللمس بالأصابع.

وتتجلى ميزة هذا الكتاب ايضا في ان المؤلف عمد الى توثيق هذه اللقاءات التي سجلها، بحيث جمع العمل بين جوانب الرواية التاريخية المحققة وبين عنصر الانتقاء الفني التماسا للطرافة او المفارقة أو الدرس المستفاد، وهو ما حظي بثناء واسع النطاق من جمهرة النقاد وقارئي الانجليزية مع صدور هذا الكتاب، أخيرا، حيث وصفته صفحة الادب في جريدة «واشنطن بوست» بانه يجمع بين المهارة والمتعة والطرافة وأوصت به ضمن القراءات المفضلة خلال عطلات الصيف او فترات الاستجمام.

 

هناك لقاء شهير تم بالتحديد في عام 1871 وسبقته سنوات تحادثت فيها المجامع الجغرافية وربما السياسية في انجلترا وأميركا عن اختفاء كل اثر لواحد من رواد حركة الاستكشاف الجغرافي في افريقيا وهو الدكتور «دد نجستون» الذي انقطعت اخباره خلال رحلة علمية قام بها الى ادغال وأحراش القارة السمراء.

هنالك نشطت جريدة «هيرالد تربيون» في نيويورك لتنظيم بعثة كشفية جديدة في محاولة للبحث عن نجستون واستخدمت في المحاولة الصحافي والمستكشف البريطاني «هنرى مورتون ستانلى» الذى ظل يجوب غابات المنطقة ويفتش وسط احراشها الى ان عثر على بغيته، حين صادف رجلا أوروبيا تبدو عليه علامات الإنهاك وأدرك لحظتها أن الرجل هو هدفه المقصود بفضل صورة مرسومة حددت ملامح الهدف، وعلى عكس المتوقع انسانيا على الاقل.

فبدلا من أن تشهد لحظة اللقاء بين الرجلين مشاعر يحفها التهليل والترحيب إذا بالمبعوث الإنجليزي المقبل من آخر الدنيا يقف امام المكتشف الذي كان مفقودا طيلة سنوات خلت ثم لا يفتح الله على المبعوث اياه سوى بعبارة واحدة ما لبثت أن وجدت طريقها حتى الان إلى سطور الموسوعات وحوليات التاريخ المعاصر، قال فيها هنرى ستانلي ببرود إنجليزي مشهود: دكتور نجستون على ما اظن.

المهم أنه كانت تلك لحظات حاسمة ، فاصلة لم ينسها تاريخ اللقاءات بين البشر ربما لطرافتها، وربما لدلالتها، وربما لأنها جمعت بين مشاهير يهتم الناس بحياتهم وسلوكياتهم ومشاعرهم، ولقاءاتهم.

كتاب لمؤلف ساخر

هذا الجانب الأخير هو الذي انطلق منه الكاتب الصحافي الإنجليزي كي يضع مادة كتابه الذي نعيش سطوره ووقائعه في هذه اللحظات.

ولأن صاحب هذا الكتاب وهو الصحافي البريطاني «كريغ براون»، يصنَّف بين الكتاب الساخرين في مواقع الصحافة الإنجليزية المعاصرة، فقد جمع كتابه بين متناقضات تنطوي على السخرية بقدر ما تنطوي على العبرة وبقدر ما تثير من الذكريات ما يعود بالمرء إلى مشاهد لا تنسى على مدار سنوات القرن العشرين بكل ما شهدته تلك السنوات من نجوم وزعامات ومبدعين.

حرص مؤلفنا على ان يتوقف عند تسجيل وقائع ما تم بينهم من لقاءات في مراحل زمنية وحازت كثيرا من الاهتمام ولعلها ما زالت تحوز:

 

لقاءات جرت، على سبيل المثال بين نجمة الاغراء الأميركية «مارلين مونرو» والزعيم السوفييتي الفلاح «نيكيتا خروشوف»، أو بين إليوت الشاعر الناقد الإنجليزي- الأميركي الاصل بكل وقاره وسلوكه المحافظ والممثل الأميركي الكوميدي بل الهزلي إن شئت «جروشو ماركس» او لقاء بين «مارتا غراهام» التي توقرها المجامع الفنية الأميركية بوصفها اعظم من صمم وابتكر الجديد في فن الباليه في حين كان الطرف الآخر في اللقاء هو «مادونا» اياها نجمة البوب والصخب والانفلات.

من شخصيات ووقائع الكتاب نصادف مثلا اللقاء الذى ظل يتطلع اليه الاديب البريطاني الشهير «رديارد كبلنغ» الذى ينتمى إلى صفوة مبدعي الشعر الإنجليزي عند الجسر الزمنى الفاصل بين أواخر القرن 19 ومطالع القرن العشرين.

كان كبلنغ يتطلع الى أن يحظى يوما بلقاء مع الكاتب الأميركي الساخر «مارك توين» وهنا يقول مؤلفنا ان اللقاء تم، وان «كبلنغ» كان في غاية السعادة لان «توين» كان سخيا معه فمنحه متسعا من الوقت لتجاذب أطراف من الحديث، بعدها اصبح «كبلنغ» مشهورا، لكن المشكلة أنه لم ينسج على منوال الكاتب الأميركي بل ظل الكاتب الشاعر الإنجليزي يضّن على من يلتقيه إلا ببضع دقائق وشذرات قليلات.

عبقرية الإعاقة

ثم هناك اللقاء الذي جمع بين اشهر باليرينا في أميركا وهى «مارتا غراهام» التي المحنا اليها وبين «هيلين كيللر»، السيدة التي ولدت عمياء بكماء وطارت شهرتها على مدار عقد الخمسينات بفضل ما وهبتها السماء تعويضا عن اعاقتها- من صلابة العزم وقوة الارادة، يشير المؤلف إلى أن «كيللر» كانت دائما تود لو تمارس هذا النوع من الرقص التوقيعي مثل «سائر الفتيات» كما كانت تقول، وحين التقت بعميدة فن الباليه في بلادها أعربت عن سعادة غامرة لأن «مارتا غراهام» نجحت في أن تجعل «هيلين» تحّس بلمس اصابعها لغة الموسيقى وايقاع النغم.

ثم ها هو الفتى الإنجليزي سليل الارستقراطية وقد حظي في نهاية المطاف بسيارة جديدة وكان ذلك شيئا مثيرا في حياة الناس، حيث كان الزمن هو عام 1931، كان قد أكمل دراسته في «إيتون» مدرسة ابناء النخبة في ذلك الزمان. وكان عمره وقتها 19 سنة، واصطحب سيارته الى ميونيخ ومضى في نزهة يجوب بها انحاء المدينة فإذا به يكاد يصدم رجلا ألمانيا حاد الملامح كاد يلقى مصرعه في الشارع امام السيارة، ويخرج الشاب الإنجليزي من سيارته وفي جعبته وابل الاعتذارات التي تقّبلها الرجل الألماني بتحفظ واضح وبعدها قدم كل منهما نفسه الى الآخر على النحو التالي:

 

- اسمى سكوت اليس.

- اسمى أدولف، أدولف هتلر.

100 مقابلة ومقابلة

وقد استرعى نظر الكاتب «ميتشكو كاكوتاني»، ناقد ملحق الكتب في جريدة «نيويورك تايمز» أن مؤلف كتابنا عمد إلى تضمين فصول الكتاب عددا يصل الى 101 من المقابلات المحورية بين مشاهير ونجوم زماننا، وانه صاغ كلا من هذه المقابلات في موضوع قوامه ألف كلمة وكلمة على درجة التدقيق (!)

المؤلف لا يفوته مثلا ان يحيل الى ما ذكره الممثل الهزلي « جروشو ماركس» حين التقى الشاعر الناقد «ت. إس. إليوت» صاحب ملحمة «الارض الخراب» التي ما زالت في الطليعة من الإبداعات الشعرية الكبرى في القرن العشرين.

قال «جروشو ماركس» عن «إليوت» الحاصل على جائزة نوبل في الآداب في عام 1948:

 

- ان السيد إليوت يتصف بخصائص ثلاث (بعيدا عن عبقرية الشعر) وهي: شغف بالأصناف الفخمة من السيجار، وغرام مشبوب، بالقطط، ثم ضعف عجيب ازاء فن القافية ومهارة التلاعب بالألفاظ.

يحكى الكتاب كذلك عن لقاء جمع بين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ونجم موسيقى البوب الاشهر «إيس بريسلي». وبدلا من ان يطلب النجم المحبوب من السياسي المخضرم أن يحيطه علما بمجريات السياسة العالمية او يطلب منه تشجيعا أدبيا أو ماديا في مشروع فني حافل وطموح، إذا بالأخ «بريسلي» يطلب الحصول على بطاقة أو شبه تصريح لعله ينقذه من الوقوع تحت طائلة القانون الذي يجّرم تعاطي، المخدرات.

هنا يشير كتابنا إلى أن اللقاءات التي جهد المؤلف في رصدها وتحليلها، لم تكن تتم باستمرار في مكاتب الرؤساء أو في قاعات الجلوس او المكتبة الوثيرة في دارات النجوم أو الادباء، وفضلا عن لقاء الشارع الذى جمع بين شاب إنجليزي وزعيم طار ذكره في العالم اسمه هتلر، فها هو كتابنا يسجل لقاء في صالون الحلاقة، ويؤكد أن كان لقاء متعمّدا بمعنى أن جاء على اساس ترتيب سابق اتخذه الممثل السينمائي «جورج لازنبي» الذي طمح إلى اداء دور البطولة في افلام الجاسوسية التي راجت منذ منتصف الخمسينات وما بعدها.

كل ممثلي تلك الحقبة من شباب صناعة السينما في الغرب كانوا يطمحون بل يحلمون أداء دور «يمس بوند» بطل افلام ذلك الزمان، وكان الأمل يتمثل في الاقتراب من «البرت بروكولي» أو «كوبي» كما كان أهل صناعة السينما يسمونه ، إذ كان أهم منتجي ومخرجي تلك الافلام التي لاقت وقتها رواجا واسع النطاق بين ملايين المشاهدين في طول العالم وعرضه.

في صالون الحلاقة

من هنا رتب الممثل «لازنبي» لمقابله، تبدو بالطبع عارضه او مصادفة عند حلّاق المنتج المخرج المذكور اعلاه، وتحت المقّص، بدأ الرجلان يتبادلان الاحاديث وكانت بداية التعارف، وبعدها فاز الممثل اياه بدور البطل الذي حل محل الممثل النجم «شين كونري» في الفيلم الجديد للمنتج الذي حمل عنوانه الشهير: في خدمة مخابرات صاحبة الجلالة.

صفحات الكتاب حافلة بالعديد من المواقف واللقاءات المشهورة بين اعلام عصرنا في اقطار الغرب- انجلترا وأميركا على وجه الخصوص: منها لقاء طريف تم بين «هاري هوديني» الذي لقبوه في زمانه الذي امتد من الربع الاخير من القرن 19 الى الربع الاول من القرن العشرين بالساحر العظيم إذ كان يمارس حرفة الحيل السحرية، وبين الرئيس الأميركي الاسبق تيودور روزفلت.

ولقاء آخر بين الاديب الإنجليزي ه.ج.ويلز (صاحب كتاب «تاريخ العالم» ورائد فكر المستقبليات) مع الزعيم الشيوعي جوزيف ستالين، ثم لقاء اثنين من انبغ عقول الجزر البريطانية اولهما برنارد شو الاديب الساخر والثاني برتراند راسل الفيلسوف الشهير الذي امتد به العمر الى ايام معارضة انتشار الاسلحة المدمرة، فضلا عن المشاركة في المظاهرات المناهضة لدور أميركا في حرب فيتنام.

ولا تزال حوليات تلك المرحلة تذكر جلسة الفيلسوف البريطاني، الذي ينتمي الى الطبقة الأرستقراطية في بلاده ويحمل لقب «سير» وقد افترش رصيف الشارع في لندن خلال وقائع مظاهرات الاحتجاج على دور أميركا في تنام.

ويلفت النظر في هذا السياق إلى أن يورد مؤلف كتابنا حاشية يسجل فيها متابعة من ثمار البحث في تاريخ اسرة «رسل» عبر فترات عديدة من تاريخها الحديث.

بل لا ينسى المؤلف حتى ان يثبت كيف استخدم المغني «ألفيس بريسلي» سائقا كان بدوره يعمل في خدمة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل- وكأنما ليقول لنا «كريغ براون» ان سير البشر ووقائع تاريخهم تشكل نسيجا من خيوط متشابكة ومصائر حاكتها الاقدار في نهاية المطاف.

ويبدو أن الامر كذلك فعلا.

المؤلف في سطور

 

تعلم «كريغ ادوارد براون» في مدرسة إيتون العليا التي اشتهرت بتخريج ابناء الصفوة في المجتمع الانجليزى، وبعدها تخّرج في جامعة بريستول، حيث عمل بالصحافة متخصصا بصورة أو بأخرى في تحرير الملاحق الأدبية في عدد من الصحف الكبرى، ومنها جريدة «التايمز» اللندنية التي كان يحرر فيها عمودا ثابتا ثم تخصص في كتابة تحقيقات خفيفة ولاذعة عن جلسات البرلمان الإنجليزي، وجمع هذه الكتابات في كتاب اصدره بعنوان «حياة من الداخل».

وقد ذاعت شهرته وعرفته جماهير القراء من خلال كتابة زاويته الاسبوعية في مجلة «برات آى» الساخرة، وفي هذه الزاوية، دأب على الكتابة متقمصا شخصيات مشاهير العصر من اهل الحكم والسلطة والفكر والإبداع بحيث يكتب على لسانهم ما يتراءى له من أفكار لاذعة وسوانح ساخرة وانتقادات لا تخلو من بلاغة قاسية، ومن هذه الشخصيات التي تقمصها مؤلفنا شخصيات الرئيس بيل كلينتون والملكة اليزابيث والمسرحي البريطاني هارولد بنتر وغيرهم كثير.

يكتب المؤلف ايضا مسرحيات كوميدية تذاع على شاشات التليفزيون، بل يشارك فيها احيانا بأدوار تمثيلية قصيرة إلى جانب برنامجه الإذاعي ذي الشهرة الجماهيرية بعنوان «هنا كريغ براون» الذى تبثه الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) كما تستضيفه عدة برامج حوارية في التليفزيون البريطاني، ولا يزال يحرر عمودا ثابتا في جريدة «ديلي ميل» فضلا عن اصدار كتبه التي بدأها منذ عام 1984 وصدر آخرها بعنوان المذكرات الضائعة في عام 2010.