يشكل هذا الكتاب حصيلة لتجربة المعايشة الميدانية التي سجلها كاتب صحافي غربي أمضى عدة سنوات في قارة أميركا اللاتينية وعمد الى إجراء العديد من اللقاءات والمقابلات مع مختلف العناصر المؤثرة في مجتمعات هذه القارة الأميركية الجنوبية ما بين رؤساء الدول الى زعامات السياسة الى قادة الفكر والثقافة الى زعماء الشعوب من السكان الأصليين الذين لايزالون يشكلون رقما صعبا ومحوريا في معادلات السياسة والاقتصاد وشؤون الحكم في أميركا اللاتينية.
على أن المنظور الذي أطلت منه طروحات هذا الكتاب ظل يركز على طبيعة وما آلت إليه العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية في الشمال وبين أقطار قارة أميركا اللاتينية في الجنوب بكل ما استجدّ على تلك العلاقة من تطورات ربما بدأت معالمها في الظهور على مسرح السياسة الدولية منذ إعلان خامس رؤساء الولايات المتحدة «مبدأ مونرو» في عام 1823 ليطلق يد واشنطن في أصقاع نصف الكرة الغربي .
حيث أميركا الشمال والجنوب، الى أن بدأت هذه العلاقة في التغير وخاصة مع الثورات السياسية والتغيرات الاقتصادية الاجتماعية التي شهدتها أميركا اللاتينية منذ منتصف القرن العشرين، ومن ثم الى سنوات القرن الحالي التي ما برحت تشهد زعامات لاتينية رفعت شعار «قومية الموارد» التي تحفل بها القارة الجنوبية وتصدّت مع شعوبها ضد الاحتكارات العالمية والشركات المتعددة الجنسيات ثم أفسحت المجال لقوى وافدة على القارة مثل الصين وروسيا كي تحل بصورة أو بأخرى محل الولايات المتحدة ونفوذها.
جيمس مونرو (1758-1831) هو الرئيس رقم خمسة ضمن مسلسل رؤساء الولايات المتحدة. وبحكم مولده بعد منتصف القرن الثامن عشر، كان طبيعيا أن يشهد وقائع الثورة الأميركية ضد «الاستعمار» البريطاني بل ويشارك مع مقتبل سن اليفاعة في حرب الاستقلال التي تزامنت مع هذه الثورة، وأن يتزامل مع «توماس جيفرسون» الذي ينسبون إليه عملية وضع الدستور الذي ما برح قائما ومعتمدا رغم ما يصل الى 28 تعديلا استجدت عليه في إدارة الشأن العام بالولايات المتحدة.
يرتبط اسم الرئيس الأميركي الخامس بمعلمين من المعالم البارزة في تاريخ أميركا التي نعرفها:
الأول: ويتمثل في صفقة شراء نعم شراء - ولاية بأكملها هي ولاية لويزيانا من الفرنسيين باعتبارهم «مالكيها الأصليين». كان ذلك في عام 1802 حين بعثت واشنطن وفدا يضم جيمس مونرو الى باريس لإبرام الصفقة لقاء «المعلوم» الذي بلغ يومها مليوني دولار فقط لا غير.
وكم كانت دهشة مونرو ورفاقه يومها حين لم يطلب الجانب «المالك» الفرنسي سوى 15 مليون دولار بغير زيادة وهكذا تمت العملية لتدخل التاريخ الحديث تحت مسمى «شراء لويزيانا» - الولاية المترامية الأطراف التي أدى ضمها الى مضاعفة المساحة التي ما برحت تشغلها الولايات المتحدة حتى اليوم.
الثاني: ويتمثل في ما يعرف حتى الآن باسم «مبدأ مونرو» ويقضي بإطلاق يد واشنطن للتصرف في قارة أميركا الجنوبية، وبمعنى بسط لسيادة الولايات المتحدة في أصقاع نصف الكرة الغربي (الهيميسفير غربي المحيط الأطلسي) بحيث لا يتدخل أحد سوى واشنطن في مجريات الأمور على صعيد «فنائنا الخلفي» وهي الكناية السياسية التي اعتمدها أميركيو الشمال ليطلقوها عنوانا للقارة الأميركية اللاتينية الواقعة الى الجنوب.
ثم تدفقت الهجرات
وبديهي أن ظلت أواصر العلاقة بين أهل الشمال وأهل الجنوب مستمرة من خلال تدفقات الهجرة الآتية من «الفناء الخلفي» إياه حيث أصبحت المؤشرات الديموغرافية الصادرة عن واشنطن ودوائرها المختصة تدل على تغيرات مازالت تستجد على «البروفيل السكاني» في الولايات المتحدة ولغير صالح المنتمين الى العنصر الانغلو- سكسوني الوافد في الأصل من أصقاع غرب أوروبا (انجلترا وأيرلندا بالذات) ولصالح تزايد أغلبية السكان من ذوي الأصل الأميركي اللاتيني ويعرفون في أدبيات السياسة الأميركية المعاصرة بأنهم «الهسبانيون» أو باسم «اللاتينو» في بعض الأحيان.
في كل حال فقد ظل هذا الشأن «اللاتيني»، بمعنى الانشغال من جانب واشنطن وسياستها يشكل هاجسا يؤرق العاصمة الأميركية. وخاصة مع سنوات النصف الثاني من القرن العشرين.
لماذا؟ لأن تلك كانت البداية لفترة التحولات التي ظلت تطرأ وما برحت تطرأ على فضاءات السياسة والمجتمع والفكر والحياة بشكل عام في قارة أميركا اللاتينية.
من هنا فالانشغال الأميركي بمصائر ومقاليد الأمور في أميركا اللاتينية يشكل أمرا طبيعيا تقتضيه المصالح القومية لواشنطن بالدرجة الأولى.
وهذا الانشغال في سلبياته أو ايجابياته، في مدّه وفي جزره، هو موضوع الكتاب الذي نعيش مع طروحاته في هذه السطور. وهو الكتاب الذي اختار له مؤلفه البريطاني عنوانا طريفا على النحو التالي: الدروس اللاتينية: كيف توقفت أميركا اللاتينية عن الإصغاء الى الولايات المتحدة (ومن ثم) بدأت خطاها نحو الازدهار.
والحق أن جاء صدور هذا الكتاب في الآونة الأخيرة ليثير تساؤلات مستجدة الى حد كبير على مسرح السياسة في نصف الكرة الغربي الذي يضم كما أسلفنا كلا من قارتي أميركا الشمال وأميركا الجنوب.
مَن يحتاج إلى مّن؟
والسؤال الذي بات مطروحا في غمار صدور هذه النوعية من الكتاب هو:
ترى هل أصبحت الولايات المتحدة، ولأول مرة في التاريخ، هي التي تحتاج الى أميركا الجنوبية بأكثر من حاجة القارة اللاتينية الى الولايات المتحدة؟
والحاصل أن كتابنا، وهو يعالج إجابة مثل هذا السؤال، يتوقف بالتأمل عند ساحة الاقتصاد على وجه الخصوص، فلقد شهدت العقود القليلة الماضية نصائح ومشورات دأبت واشنطن على توجيهها الى جماعة الفناء الخلفي أو الردهة الجنوبية- تحضّ الحكام والسكان في أميركا اللاتينية على مواصلة اتباع اقتصاد السوق الذي تحكمه بداهة قوانين العرض والطلب، حسبما يقضي بذلك النظام الرأسمالي الذي تعد واشنطن نفسها زعامته الأولى على مستوى عالمنا.
لكن مشكلة واشنطن كما يقول مؤلف هذا الكتاب الكاتب الصحافي الانجليزي «هال فايتسمان» أنها نصحت بالرأسمالية والسوق الحرة ، وبعدها تباعدت واشنطن عن أميركا اللاتينية كي تنشغل كما أصبح معروفا لتخوض مغامرات عسكرية وحروباً إقليمية وصراعات لها طابع دولي وخاصة تحت شعار واشنطن الأثير خلال إدارة بوش الابن بالذات .
وهو شعار «محاربة الإرهاب» الذي قاد الولايات المتحدة الى ميادين الصراع والقتال ما بين أفغانستان الى العراق الى ساحات أخرى، أدت كما أصبح معروفا الى استنزاف طاقات واشنطن المالية والبشرية والسياسية والعسكرية على حد سواء.
من هنا يوضح كتابنا كيف تركت انشغالات واشنطن المذكورة فراغات فكرية وعقائدية وسياسية في ربوع أميركا اللاتينية، وكيف سارعت الى ملء هذه الفراغات أطراف لم تكن أحيانا في أي حسبان وهي أطراف يحرص كتابنا على تعدادها على سبيل الحصر حيث تتراوح ما بين روسيا بوتين بالذات ومعها الصين الى ايران.
تجارب الستينات المريرة
والحق أن كان الطريق ممهدا كما يضيف هذا الكتاب نحو تجسيد وتفعيل مثل هذه التحولات التي طرأت على أميركا الجنوبية اللاتينية.
لماذا؟ لأن القارة المذكورة سبق وأن عاشت وعانت تجارب غاية في القسوة والمرارة حتى منذ عقد الستينات من القرن العشرين.
ولقد بدأت هذه التجارب والتحولات الجذرية مع تباشير العقد المذكور في سنة 1959 بالذات حين نشبت ثورة كوبا الجزيرة المشاغبة كما تعرفها الحوليات السياسية الأميركية. ويومها قام «فيديل كاسترو» (الذي يعيش الآن شيخوخته) ومعه بالذات «ارنستو تشي جيفارا» (الذي أصبح أيقونة بحجم أسطورة للتغيرات والعزمات الثورية في زماننا) بالإطاحة بديكتاتور كوبا عميل واشنطن واسمه «باتستا» كي تتحول كوبا وجزر كاريبية أخرى - من مجرد منتجع أو ملجأ ضريبي يستمتع به بارونات البيزنس في الشمال الى حيث أصبحت مواقع لرفض النفوذ الأميركي والتمرد عليه بل أصبحت مراكز لنشر الفكر اليساري والتبشير بأفكار رافضة للنهج الرأسمالي.
والدعوة الى نظم مستجدة ترفع شعارات الثورة والعدل الاجتماعي ومحاربة الفقر والتمييز الإثني، خاصة وأن أميركا اللاتينية غاصّة كما هو معروف بالعديد والعديد من شعوب السكان الأصليين «شعوب جبال الانديز» أو الشعوب الإندّية كما يسمونها في بعض الأحيان.
وبفضل اقامته الطويلة في تلك «الربوع الهندية الحمراء»، استطاع مؤلفنا أن يتابع ويرصد في فصول الكتاب كيف ارتفعت في تلك الربوع الأميركية الجنوبية دعوة تلخصت في شعار فريد يقول بالتالي: نحو قومية الموارد.
وتقضي هذه الدعوة على نحو ما يذهب إليه المؤلف بمبادرة حكومات أميركا اللاتينية وليس الاحتكارات من الشمال ولا الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات للسيطرة على الموارد المعدنية والزراعية في تلك الأصقاع ومن ثم إتاحة استخدامها لصالح مشاريع التنمية الوطنية والنهوض بحياة أوسع قطاعات السكان الذين طال حرمانهم أمدا ليس بالقصير.
لقاءات الرؤساء والمفكرين
ولتغطية مثل هذه القضايا بكل دقتها وحساسيتها، عمد المؤلف من منظور مهنته الصحافية الى اجراء العشرات من اللقاءات التي تمت مع العديد من رؤساء دول المنطقة وصانعي سياساتها وصفوة مثقفيها، بل وزعماء القوى المعارِضة العاملين والناشطين على صعيدها.
وبتحليل مضامين هذه اللقاءات يخلص المؤلف الى نتيجة جوهرية يوجزها في عباراته الهامة التالية: إن أي أسباب كانت تدعو أميركا اللاتينية الى الاصغاء الى صوت الولايات المتحدة تبددت وانصهرت ولم تعد قائمة.
وفي هذا السياق يتوقف المؤلف عند الشعار المرفوع حاليا ليقول بالتالي لاتينية أميركا الجنوبية. وهو شعار تأصيلي في الأساس وأصبح يروق للجموع التي أصغى آباؤها يوما الى صوت كاسترو في كوبا مع الستينات والى صوت سلفادور الليندي وبابلو نيرودا (شاعر أميركا اللاتينية في السبعينات)، ثم الى الأصوات المعاصرة والرافضة لنفوذ واشنطن والمتمردة على وصايتها مع سنوات هذا القرن الواحد والعشرين.
وهي أنها أصوات ضمت وتضم على نحو أو آخر أسماء من قبيل شافيز في فنزويلا، وموراليس في بوليفيا، ورافاييل كوريّا في كولومبيا وربما ضمت سيلفا دي لولا في البرازيل أو باتشيل في تشيلي وغيرها.
في هذا السياق تلاحظ الناقدة «فيلشيا غراهام» في مقال منشور أخيرا (أويل دبلوماسي بتاريخ 20/5/2012) أن مؤلف كتابنا يتوقف كثيرا عند عنصر الطاقة بكل أهميته المحورية وبوصفه واحدا من أهم العناصر التي توخّت فيها أميركا الجنوبية تحقيق حالة الاكتفاء الذاتي مما يتيح لها مزيدا من مساحة الاستقلال في القرار بعيدا عن وصاية واشنطن من جهة وتحقيقا لمصالح أوسع القطاعات المحرومة من سكان القارة الأميركية الجنوبية من جهة أخرى.
موارد ثمينة
من هنا نتوقف في سطورنا الراهنة من تحليل هذا الكتاب عند حقيقة لابد وأن نضعها بكل اهتمام في نظر الاعتبار.
والحقيقة اللاتينية كما قد نسميها تقول بالتالي: إذا كان العالم يطمح في يوم قريب أو بعيد الى تطوير وترشيد استخدام الأنواع الأنظف من بدائل الطاقة المتجددة وأكثرها فعالية فإن مادة «الليثيوم» تعد من أهم ما يستلزمه تلك البدائل وخاصة في معرض استخدام السيارات التي يجري تشغيلها بطاقة الكهرباء.
في هذا السياق يخلص كتابنا قرب طروحاته الختامية الى أن يوضح أن ثمة مناطق في قارة أميركا اللاتينية ومنها مثلا حقول «سالار دي ايوني» في بوليفيا تحوي، فيما يقال، ما تصل نسبته 70 في المائة من مجموع امدادات الليثيوم في العالم. وفي هذا السياق بالذات يمضي مؤلف هذا الكتاب ليقول ما يلي: في ضوء هذا الاكتشاف، تبدو قارة أميركا اللاتينية بفضل ثرائها في مثل هذه الموارد، وكأنها مؤهلة أو مرشحة لكي تضطلع بدور أوسع على صعيد الاقتصاد العالمي.
بيد أن هذه النتائج تطرح كذلك عدة تساؤلات مهمة في هذا الخصوص، ومنها مثلا:
إذا كان نفوذ أميركا واشنطن يعاني كما يوضح الكتاب حالة من التراجع أو الانحسار، فما هي إذن القوى الأخرى البديلة والمؤهلة بدورها لملء الفراغ الأميركي؟ هل هي مثلا الصين التي يتصور محللون بأنها قادرة على ملء هذا الفراغ من الناحيتين التجارية أو الاستراتيجية؟
وهل مازالت أميركا قادرة على استجماع قدراتها وتعويض ما فاتها في السنوات القليلة الماضية ومعاودة التعامل الإيجابي مع أرجاء القارة اللاتينية المترامية الأطراف ما بين المكسيك الى الأرجنتين وشيلي بغير شبهة التدخّل الأميركي في شؤون تلك الأقطار اللاتينية؟
وهل يشكل ازدياد اعتماد واشنطن على الواردات النفطية من أميركا اللاتينية عاملا محوريا أو حاسما في تشكيل سياسات واشنطن تجاه «فنائها الخلفي» أو «ردهتها الجنوبية» في مستقبل الأيام؟
لقد عمد مؤلف هذا الكتاب الى تحليل موقف أهل القارة الجنوبية وزعمائها إزاء ظاهرة العولمة، وأجاد تسليط الضوء على احتجاجات سكانها الأصليين بالذات ضد أساليب النهب التي ظلت تمارسها الاحتكارات الدولية والمؤسسات والشركات عبر الوطنية بحق ثروات تلك الأقطار والشعوب، وهو ما أشادت به مجلة «فورين أفيرز» (عدد مايو/ يونيو 2012).
عدد الصفحات: 288 صفحة
تأليف: هال فايتسمان
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: دار ويلي، نيويورك، 2012

