هذا الكتاب استعراض يحاول أن يتبع نهج التحليل الموضوعي لموقع وكيان انتاجي عملاق، يتخذ مقره في مدينة تكساس بالولاية المتحدة وهي ولاية النفط كما نعلم ضمن فضاءات المشهد السياسي العام في أميركا.

خاصة وأن هذا الكيان اعترضت مسيرته أخطاء فادحة شكلتها كوارث أضرت ببيئة كوكب الأرض وساكنيه ما بين حادثة «أكسون فالديز» التي أدت إلى تلوث مناطق الشمال المتجمد من الكرة الأرضية في عام 1989 إلى حادثة بقعة الزيت الرهيبة ،التي لوثت خليج المكسيك داخل القارة الأميركية الشمالية في عام 2010.

 ومن هذا المنظور تمضي فصول الكتاب إلى تدارس موقع مثل هذه الكيانات العملاقة في الخضم السياسي ،سواء على مستوى المؤسسات (الكونغرس مثلا) أو على مستوى الأفراد (وفي مقدمتهم مثلا «ديك تشيني» نائب الرئيس السابق جورج بوش الابن).

وتعكس فصول الكتاب جهدا مستفيضا بذله المؤلف ومجموعه مساعدي البحث الذين عاونوه، حيث أجروا مقابلات مع 400 شخصية من العاملين والمسؤولين والمهتمين بهذه القضايا، ورغم تسليط الكتاب الضوء على أخطاء، وربما خطايا، مثل هذه الكيانات العملاقة ، فقد أوضح أنها تقدم كذلك خدمة للمجتمع بأفضل مما تقدمه مثلا شركات إنتاج التبغ وأنواع الدخان.

لا تقتصر تعريفات القوة أو النفوذ أو السلطة على الجانب السياسي ،حيث تستمتع بهذه القوة أو هذا الجاه كما يقول المصطلح اليعربي - فئة أو جماعة أو جهة لها نفوذها المؤثر في تحريك عجلة المجتمع البشري أو تسيير أموره. من تعريفات القوة أيضا وتلك بديهية متفق عليها بين الفرقاء - ما يتصل أيضا ببسطة المال، التي تتم ترجمتها إلى سطوة النفوذ وفاعلية التأثير في مجريات الأمور.

وفيما تعتز المجتمعات الحديثة بأساليبها التي تحمل شعار الديمقراطية، وخاصة ما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات الرئيسية في المجتمع المعاصر، وهي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فإن نشاط هذه المجتمعات ذاتها هو الذي يفضي إلى حالة غالبة ومتواترة أيضا من الاستقطاب المالي، الذي يُراكِم جانباً لا يستهان به من الثروة لصالح أقطاب بعينها أو محاور بذاتها، تؤدي خدماتها ولاشك لصالح المجتمع المعنيّ، ولكنها تكدّس مع مطلع كل صباح مبالغ من الثروة التي تتحول بفعل التراكم والاطراد إلى أدوات للتأثير على عمليات صنع واتخاذ القرار السياسي، الذي لا سبيل أمامه سوى أن يضع هذه المصالح الاقتصادية العاتية كما نسميها في نظر الاعتبار.

في ظل هذه الظروف تجلت بالذات ظاهرة المصالح الاقتصادية البارزة والبالغة التأثير التي باتت تحمل مسميات ما برح يتداولها قاموس المفردات السياسية الاقتصادية في زماننا ومنها مثلا: الشركات (المؤسسات) عبر الوطنية بمعنى العابرة للحدود أو غير المقتصرة على بلد بعينه أو قطر بذاته من أقطار العالم، بل هي تمارس أنشطتها المترامية الأطراف عبر البلدان والأقطار.

ومنها أيضا: الشركات (المؤسسات) المتعددة الجنسيات (البعض يترجمها إلى مصطلح المتعّدية الجنسيات) وهو ما يشير - أيا كانت صيغة الترجمة - إلى الكيانات العملاقة في مجالات الانتاج وعالم الخدمات ، التي تمارس أنشطتها كذلك على مستوى العالم كله، وهي قد تتخذ مقرا رئيسيا لها في هذا القطر أو تلك العاصمة من عواصم عالمنا، ولكنها ترى في ساحة العالم بأكمله مجالا لأنشطتها، وبالطبع موقعا لتحقيق ما تفوز به من مكاسب تفوق ما تضمه ميزانيات دول بأكملها في بعض الأحيان.

الكيان الإمبراطوري

من هنا أصبح من حق نفر من المحللين والدارسين أن يضفوا على مثل هذه الكيانات السوبر ، أو العملاقة، لفظا مستقى بدوره من أدبيات أو كلاسيكيات الماضي التاريخي، البعيد أو حتى القريب، واللفظ هو: الكيان الإمبراطوري.

هذا هو بالضبط الموقع الذي ينطلق منه مؤلف الكتاب الذي نتعامل معه من منظور العرض التحليلي في هذه السطور ، وهو الكاتب الصحافي الأميركي «ستيف كول» الذي اختار لموضوعه كيانا عملاقا في عالم البترول، وهو شركة «أكسون موبيل» التي يضفي عليها من واقع العنوان الرئيس للكتاب الوصف التالي: الامبراطورية الخاصة (أي التابعة للقطاع الخاص أو المصالح الخاصة بمعنى غير التابعة لسلطات رسمية أو كيانات حكومية).

بعدها يورد المؤلف العنوان الفرعي لكتابه على النحو التالي: أكسون موبيل والسلطة الأميركية.

والمعنى أيضا هو العلاقة القائمة بين هذين الكيانين، وهما حكومة واشنطن بكل نفوذها الجبار الذي تجسده أميركا في العالم، ثم الشركة السوبر نفطية ،التي تجسد واحدا من عمالقة الشأن النفطي في طول العالم وعرضه على السواء.

هذا النهج التحليلي يبدأ تحديدا بعملية استقصاء لتاريخ أنشطة هذه الشركة النفطية العملاقة، ولكن من منظور دقيق يحدده مؤلف هذا الكتاب في العبارة المشحونة التالي: الكوارث التي هي من صنع الإنسان.

ويعني بها تلك الأحداث الدرامية الكارثية بالطبع - التي لا سبيل للبشر أن يحمّلوا تبعاتها على كوارث أمّنا الطبيعة، بل السبب فيها هو البشر: تقصيرا أو إهمالا.

من هنا تبدأ الفصول الأولى من كتابنا بصفحات عن تسبب أنشطة العملاق النفطي الذي تدور حوله طروحات الكتاب في وقوع كارثة بقعة الزيت الرهيبة أكسون فالديز في منطقة آلاسكا شبه القطبية في شمالي القارة الأميركية الشمالية وكان ذلك في عام 1989، ثم تتعامل الفصول الأخيرة من الكتاب مع الكارثة الأحدث عهدا وربما الأشد خطرا وما برحت.

كما يوضح المؤلف، تشكل كابوسا لا يلبث أن يؤرق مضاجع أوساط ودوائر شتى في الولايات المتحدة، بل وفي خارجها، وهي الكارثة التي حملت العنوان التالي: بقعة الزيت العملاقة التي أدت إلى تلوث خليج المكسيك في أميركا في عام 2010.

أما الأوساط الذي مازال يساورها أعمق القلق فقد ضمت بالذات دعاة البيئة الذين يدركون بحق كم تؤثر مثل هذه الأحداث الخطيرة على بيئة كوكب الأرض بأكملها، ومن ثم على صحة الكائنات الحية وفي مقدمتها البشر بطبيعة الحال.

لقاء مع 400 شخصية

هنالك يعكف المؤلف «ستيف كول» على دراسة وتحليل كمّ واسع النطاق من الدراسات والوثائق والتقارير، التي استقى منها ذلك القدر الغزير من المعلومات التي يشهد بها النقاد الأميركيون ، ومنهم الكاتب الناقد «داويت غارنر» في تحليله للكتاب بأنها جاءت نتيجة جهود واسعة النطاق، استعان فيها المؤلف بعدد لا يستهان به من مساعدي البحث.

وهو ما أتاح للكتاب أن تحوي صفحاته ثمرة مقابلات تمت على مدار سنوات مع 400 شخص من الملمّين بهذه القضايا، التي تجمع أبعاداً شتى ما بين السياسة إلى الاقتصاد.

وما بين الصحة إلى البيئة الكوكبية، وجاء على رأس هؤلاء الأشخاص خبير دولي ذائع الصيت في هذا الميدان وهو «لي. ر. رايموند» الرئيس التنفيذي لمؤسسة «أكسون موبيل» ،الذي تولى منصبه على مدار سنوات عدة، وهو ما أضفى عليه وصف «الشخصية الأسطورية صعبة المراس».

ومع هذه الجهود البحثية الواسعة يشهد النقاد بأن كتابنا جاء أقرب إلى الطابع العلمي الموضوعي بغير شبهة التحامل أو الانحياز، أو جاء كما يقول دوايت غارنر أيضا (ملحق الكتب نيويورك تايمز عدد 26/4/2012) ليحوي تلالا من الحقائق التي تم التنقيب عليها ومن ثم اخراجها إلى النور فضلا عن غربلتها وإساغة مضمونها إلى حيث شكلت نسيجا معرفيا متماسك الخيوط.

ولعل الأهم في هذه الخيوط كما قد نتصور من جانبنا هو ذلك الحُكم الذي يصدره مؤلفنا على مكانة شركة «أكسون موبيل» ضمن السياق الوطني الاقتصادي السياسي في بلد كبير مثل الولايات المتحدة حيث يقول «ستيف كول»:لقد أصبحت الشركة المذكورة دولة مؤسسية داخل الدولة الأميركية.

وبلغ من اتساع تأثيرها وسطوة نفوذها أن أصبحت واحدة من أقوى مؤسسات الأعمال التجارية (البيزنس) في أميركا، أفرزها النظام الرأسمالي الأميركي إلى الدرجة التي جعلت نفرا من مستخدميها يطلقون على مقرها الخطير قرب مدينة دالاس بولاية تكساس وصفا بالغ الغرابة والدلالة في آن معا، وهو: نجم الهلاك (!)

في السياق نفسه يمضي مؤلف كتابنا ليقول أن هذا النجم الاسطوري قلما يبوح بالمعلومات التي تضمها نيازكه، فالشركة العملاقة، كما يوضح المؤلف، تقوم على أساس نظام من السرية المؤسسية استنادا إلى اتفاقات من عدم الإفصاح من جهة ومن الكتمان الداخلي من جهة أخرى وهو ما يكاد يضاهي كما يضيف كتابنا كذلك الاستناد إلى مكامن الأسرار ، الصناديق السوداء كما يقول المصطلح الاستخباري المتواتر المعتَمد بداهة لدى أهم وكالات الاستخبارات في العالم الذي نعيش فيه.

من هنا يؤكد المؤلف في تعبير لا يخلو من دقة ومرارة وطرافة أيضا - أن ثمة مقولة يتداولها العاملون في مقر الشركة العملاقة في تكساس ،وتفيد بأن هناك قاعدة إعلامية تتبعها «أكسون موبيل» وتحرص على ترويجها بين أوساط العاملين في سلكها، والقاعدة إياها تقول ببساطة ما يلي: نحن معتادون على أن نواجه أي وسيلة إعلامية بعبارة واحدة هي «لا تعليق» ولكن بخمسين لغة مختلفة إذا اقتضى الأمر.

كارثة 1989

لكن هذه الحواجز والمتاريس المعلوماتية التي يستخدمها هذا العملاق النفطي لم يحل بين الباحثين المعنيين وبين اكتشاف أن سبب كارثة البقعة التي لوثت أجواء آلاسكا في عام 1989 متسربة من ناقلة نفط عملاقة كان يتمثل في بساطة مباشرة وجارحة في أن قبطان الناقلة العملاقة كان يعاقر الخمر، فكان أن أهمل واجبه الدقيق مما أدى إلى وقوع الكارثة!

ولما كان أخطر خصوم المؤسسة العملاقة هم دعاة البيئة وعلماؤها فمن فصول هذا الكتاب ما يعرض بإسهاب إلى الجهود المستفيضة التي بذلتها المؤسسة المذكورة لملاحقة أساتذة وباحثي العلوم البيئية حتى ينشغلوا في غمار ما يصفه المؤلف بأنه «حروب صغيرة» تبعدهم عن إذاعة ما يعرفونه بحكم تخصصاتهم من أخطار.

ثم يضاف إلى ذلك أن الشركة المذكورة تتعمد حجب المعلومات عن اللجان البرلمانية المختصة في الكونغرس الأميركي فيما تنفق أموالا طائلة للتشكيك فيما يحذّر منه ثقات الاختصاصيين من مغبة ما يتعرض له كوكبنا الأرضي المهيض من غوائل ظاهرة التساخن العالمي، ويأتي هذا مقرونا كما يضيف الكتاب بمزيج من ثقافة الغرور ومن تكديس تلال فوق تلال من الأموال والثروات.

وبمناسبة تلال الثروة، يورد مؤلف الكتاب حقائق بسيطة وبليغة منها ما يلي: في عام 2005 حققت المؤسسة العملاقة المذكورة ربحا صافيا بمبلغ 36.1 مليار دولار وهو ما لم يسبق أن حققته أي مؤسسة أو أي كيان آخر في التاريخ.

عندما يحكم اليمين السياسي

وكان بديهيا بالطبع أن تنظر إليها المؤسسة السياسية آنذاك في واشنطن نظرة تقدير، كيف لا وقد كانت المؤسسة الحاكمة وقتها تحت سطوة ونفوذ فصيل المحافظين الجدد والمنتمين إلى أقصى اليمين الأميركي، الذي لم يكن يهمه سوى تحقيق الربح وتكريس النهج الرأسمالي ،ولو على حساب ملايين البشر الذين تلاحقهم لعنة التلوث في كل مكان.

هنا أيضا يستعيد كتابنا حادثة تسلّق عناصر منظمة «غرين بيس» من أنصار البيئة فوق سطح المقر الرئيس لشركة «أكسون» في تكساس نجم الهلاك حتى لا ننسى كان ذلك في عام 2003، ويومها رفع حماة البيئة لافتات وشعارات من فوق سطح المبنى إياه تقول بأنهم إنما يقفون في واقع الأمر فوق سطح مسرح الجريمة النكراء المرتكبة ضد البشر، ولكن يومها استعادت الدوائر والأوساط المعنية ما سبق إليه الرئيس جورج بوش الابن حين خاطب رئيس وزراء الهند قائلا: ليس هناك من يقول لجماعتنا كيف يدبرون ما يصادفهم من أمور.

بيد أن ثمة جانبا أقرب في تصورنا أيضا إلى الموضوعية في تناول هذا الموضوع، حيث لم يفت مؤلف الكتاب مثلا أن يشير إلى أن مثل هذه الشركات المصالح المؤسسات العملاقة إنما تتعامل في سلعة أو منتج مازال له أهميته ومنفعته بالنسبة لحركة بل وحياة المجتمع البشري حتى زماننا الحالي، صحيح أن ثمة أخطاء يتم ارتكابها، ومنها ما يصل إلى درجة الخطايا بحكم ما ينجم عنه من الأضرار الفادحة حجما والطويلة الأمد.

ومن هذه الأخطاء ما قد ينتج عن سلوكيات البشر إهمالا أو طمعا أو تقصيرا سيّان، لكن الصحيح أيضا، على نحو ما يوضح الكتاب أن شركات إنتاج النفط لا يمكن أن تتوازى مثلا مع شركات انتاج التبغ والسجائر وما في حكمها.

لكن هذه النظرة الموضوعية أو شبه الموضوعية - لا تلبث أن تتحول إلى إطلالة تنطلق من الأبعاد السياسية على نوعية الروابط التي كانت تربط بين إدارة العملاق النفطي وبين الرئيس بوش وأركان إدارته وفي مقدمتهم طبعا «ديك تشيني».

ولعل الدرس المستفاد من هذا كله هو أن يدرك أهل السياسة أن موضوعية سلوكهم إنما تقتضي شفافية العلاقة أي علاقة تربطهم مع أرباب المصالح الاقتصادية، أفرادا كانوا أو مؤسسات.

وعليهم من ثم أن ينأوا بأنفسهم ومواقعهم عن مثل هذه الشبهات، وحينها يتأكد مواطنوهم أنهم يسيرون بالفعل على الطريق الصحيح.

المؤلف في سطور 

«ستيف كول» كاتب صحافي أميركي يعمل ضمن هيئة الكُتّاب في مجلة «ذي نيويوركر» التي مازالت تشتهر بتحقيقاتها الصحافية الميدانية التي تطرق بتفصيل مهني مرموق موضوعات تقع باستمرار في بؤرة اهتمام القارئ المثقف في أميركا وأحيانا على مستوى العالم كله، على نحو ما حدث مثلا بالنسبة لما نشرته من تحقيقات عن «سجن أبوغريب» خلال الاحتلال الأميركي للعراق.

وقد بلغ من تفوق المؤلف في هذا المضمار أن فاز مرتين بجائزة «بولتزر» الرفيعة في مجال الصحافة الأميركية حيث اشتهر باستمرار بدراساته التي يعنى فيها بالتفاصيل وبسرد أكبر قدر من المعلومات التي يحتشد مع مساعديه من أجل تجميعها وتحليلها في فصول الكتابات التي ينشرها. وقد أصدر «ستيف كول» عددا من الكتب التي وجدت طريقها إلى قوائم أكثر الكتب رواجا ومن أهمها كتابه الممكن ترجمته تحت عنوان «بن لادن ومَنْ على شاكلته» .

وقد أصدره في عام 2008 وكتابه الصادر في عام 2004 بعنوان «حروب الأشباح» بمعنى الحروب بالإنابة أو بالوكالة. وقد اشتهرت كتاباته وبحوثه بأنها لا تقصر اهتماماتها على الشأن الداخلي في أميركا ، ولكنها توسع منظور هذه الاهتمامات على نحو ما فعل في كتابه الأخير عن «أكسون موبيل» كي تشمل أقطارا خارجية ما بين روسيا بوتين إلى تشاد وفنزويلا شافيز.