يقدم هذا الكتاب دراسة عميقة وشاملة ما بين الماضي والحاضر في عالم الدول والنظم السياسية قام بها اثنان من صفوة الباحثين الأميركيين، وانطلقا من المفهوم الذي طرحته مع سنوات القرن الجديد مدرسة العلوم السياسية في الولايات المتحدة وهو مفهوم الدول الفاشلة ، ومن ثم فقد أطلا على أحوال الدول المختلفة في عالمنا من منظور نجاح (أو فشل) الدول المعاصرة على أساس أن مقياس هذا النجاح لا يتحقق بمجرد حيازة الثروة بقدر ما يُقاس أساسا بتحقيق التزاوج بين الاقتصاد والسياسة مستندا في ذلك إلى قاعدة مؤسسية تكفل بحكم التعريف أوسع قدر من مشاركة القواعد الشعبية والفعاليات الجماهيرية في تسيير دفة المجتمع، بعيدا عن منطق الإقصاء أو النبذ أو الاستئثار أو الاحتكار.
ويحرص الكتاب على التمييز الدقيق بين المؤسسية القائمة على الشمول والاستيعاب بمعنى المشاركة الواسعة من جانب القوى صاحبة المصلحة، ومن المؤسسية الانتقائية التي قد يجسّدها احتكار حزب واحد أو أقلية بعينها أو صفوة منتقاة لمقاليد السلطة أو النفوذ في الدولة والمجتمع. وقد استغرق تأليف هذا الكتاب نحو 15 عاما من البحث المتعمق الذي لم يقتصر على الوضع الراهن لدول عالمنا المعاصر، ولكنه استند أيضا إلى سياحة علمية في تاريخ شعوب شتى ما بين الإمبراطورية الرومانية إلى حضارة المايا الأميركية القديمة وصولا إلى الأوضاع الاقتصادية السياسية التي شهدها في القرن الماضي الاتحاد السوفيتي وتشهدها الصين في الوقت الحالي.
ما هي الدعائم التي تنهض عليها قوة الدول ويجسدها تباين أحوال شعوبها بين اليسر والعسر، أو الرخاء والازدهار في مقابل الحاجة والشح والفقر؟
هذا هو السؤال المحوري الذي تدور حوله كل المقولات التي يسعى إلى طرحها ومناقشتها هذا الكتاب الذي نعايشه من منظور العرض التحليلي فيما يلي من سطور.
وهو كتاب حافل بالأفكار والفصول والصفحات التي زادت على الخمسمئة صفحة، ويتميز، أو فلنقل يتفرد، بأنه من وضْع اثنين من المؤلفين اللذين يمكن أن نصنفهما في صدارة مفكري السياسة والاقتصاد على الساحة الأكاديمية الأميركية.
ويتألف كتابنا من 15 فصلا فيما تتميز هذه الفصول بأنها لا تحمل فقط عناوين مختصرة على نحو ما يألفه قارئ الكتب، ولكن هذه الفصول تضيف إلى العنوان عبارات تفسيرية أو شارحة لمضمون الفصل المعني وكأننا بإزاء علامات يستهدي بها القارئ على طول الطريق.
منظور علمي
ويتميز الكتاب أيضا بأنه يطل على قضايا السياسة والاقتصاد التي يتعامل معها شرحا وتحليلا، من منظور أوسع بكثير من أبعاد الحالة الأميركية. ومن ثم فليس من المصادفات أن كتابا صادرا بالأمس القريب في أميركا، يتعامل منذ استهلال سطوره في الفصل الأول مع أحوال مصر العربية بكل ما آلت إليها تطورات هذه الأحوال منذ سقوط نظام مبارك في شتاء عام 2011 المنصرم.
وبعدها تعمد فصول تالية من هذا الكتاب إلى التحول إلى حيث الحالة في الصين باعتبار الصين ظاهرة متفردة ولا سبيل إلى تجاهلها أو اختصار تدارسها، سواء بحكم الواقع الديمغرافي للصين وهو يصنف سكانيا في خانة المليارات أو بحكم انطلاقة النمو حتى لا يقال التنمية - التي ما برحت مندفعة في مسيرتها بحيث تحكم علاقة الصين بكل أرجاء العالم الخارجي.
وأنت تتابع طروحات هذا الكتاب لا يسعك سوى أن تنسب للكاتبين: البروفيسور دارون أسيموغلو أستاذ علم الاقتصاد وزميله البروفيسور جيمس روبنسون أستاذ علم السياسة أنهما يؤكدان في مواضع شتى من كتابهما على عنصر يريانه، ونراه معهما، عنصرا جوهريا في بناء استقرار النظم وضمان منعة الدول.
أو هو عامل أساسي في ازدهار أو انقطاع العمران إذا استخدمنا مصطلح المفكر الإسلامي عبدالرحمن بن خلدون. هذا العامل تلخصه كلمة حاكمة واحدة وهي: المؤسسة بمعنى: البناء المؤسسي
وبمعنى أن لا تقوم الدولة، أيّ دولة، على مجرد فردية التحكم أو على فئوية المصالح مشروعة كانت أو غير مشروعة ، ولكن أن تقوم الدولة، في زماننا الراهن بالذات، على أساس ترجمة أفكار وطموحات ومصالح الجميع، وبالأدق مصالح أوسع القواعد الشعبية في أي مجتمع ، ويصدق عليها في هذا الكتاب تعبير (Grassroots) المستمد بداهة من معنى الجذور والأصول ، وقد نفهمه في مصطلحنا اليعربي على أنه مِلح الأرض الذي يضم أبسط المواطنين.
الفقر والقهر
المهم أن المؤلفين ، ومنذ سطورهما الاستهلالية ضمن التمهيد للموضوع ، يشيران إلى أن جذور السخط الذي اندفعت من خلالها التحولات التي شهدتها في الشرق الأوسط كل من تونس ومصر إنما ترجع إلى عامل جوهري وبديهي في آن معا وهو: القهر.
هنا تصدق كلمات شاعر مصري راحل هو صلاح عبدالصبور يلخص المسألة في بيت شعري واحد ، يقول فيه: الفقر هو القهر.
وهنا أيضا يقول كتابنا: إن المصري العادي لا يحصل من حيث الدخل سوى على نسبة 12 % أو نحوها من نصيب نظيره المواطن العادي في بلد مثل الولايات المتحدة.
وقبل إخضاعنا مثل هذه الحقيقة أو هذه الإحصائية للتحليل العلمي ، يردف المؤلفان سطورهما بإحالة مباشرة، وإن تكن بليغة، إلى نهى حامد وهي فتاة بسيطة تعمل في شركة إعلانات بالقاهرة ، وقد أجابت عن سؤال مطروح عن سبب انطلاقها خلال شتاء العام الماضي للمشاركة في مظاهرات ميدان التحرير في قلب القاهرة ، ونقل عنها كتابنا هذه العبارات: لقد كنا نعاني من انتشار الفساد ومن الاضطهاد ومن تردّي مستوى التعليم ، ولذلك كان يتعين أن يتغير هذا كله.
شهادات شبابية
وفي السياق نفسه يورد المؤلفان شهادات أخرى على لسان شباب من مصر، ثم يخلصان إلى ما يلي: هكذا كان المصريون يشعرون بقيود تحول دون انطلاقتهم، وكانت تتمثل في دولة تنقصها الكفاءة ولكن لا ينقصها الفساد. وفي مجتمع يحول بينهم وبين استثمار مواهبهم وطموحاتهم وإبداعهم، وكانت أشد العقبات الاقتصادية التي يصادفونها تنبع من الأسلوب الذي كان متبعاً في احتكار السلطة السياسية من جانب نخبة محدودة.
هنا أيضا يسترسل المؤلفان كي يوضحا أن الأسباب الحقيقية لم تكن لتتمثل في أن مصر بلد فقير بحكم الجغرافيا، بقدر ما كان يجّسدها ما عانته من احتكار للثروة والنفوذ وتركيزهما بين أيدي أقلية المنتفعين، ثم استخدامها لمراكمة ثرواتهم، فكان أن استأثروا بما يكاد يكون كل ما حرمت منه جموع الملايين.
من هنا أيضا يرى كتابنا أن النهج الأجدر بالاتباع في مثل هذا السياق هو العمل من أجل تنفيذ تحولات سياسية لا تقوم على أسس فردية ولكن تنهض على أسس ومفاهيم مؤسسية بالدرجة الأولى.
الفقر والجغرافيا
تمضي مقولات الكتاب في محاولة لتفسير ظاهرتي الفقر والغنى والشحّ والعطاء، مقابل الرخاء والازدهار، وقل الشيء نفسه عما يفرّق بين الدول من حيث التخلف والتقدم. وتوضح السطور كيف حاول مفكرون سبقوا زماننا، منهم مثلا الفرنسي مونتسكييه تفسير هذا التناقض بعوامل الجغرافيا، حيث ذهب المفكر المذكور إلى القول إن أجواء المناخ الحار تحول بين البشر وبين النشاط في العمل .
وعلى الرغم من أن كثيرا من المفكرين المحدثين حرصوا على دحض هذه الأحكام، فإن ثمة مفكرين معاصرين، منهم مثلا جيفري ساكس خبير البنك الدولي يحاول تفسير، أو تبرير، ما سبق إليه الفيلسوف الفرنسي منذ نحو 3 قرون فيقول: إن المناطق الحارة في أفريقيا جنوبي الصحراء مثلا، مازالت متخلفة لا بسبب الطقس بقدر ما أن السبب ترجع إلى انتشار الأوبئة وتفشي الأمراض المتوطنة، ومنها الملاريا مثلا، وهو ما يعصف بقطاعات لا يستهان بها من جموع السكان.
في السياق نفسه يتابع كتابنا تحليله موضحا أن الفرق أو الفيصل في مثل هذه الأحوال لا يرجع إلى نوعية المناخ بقدر ما يرجع إلى نوعية النظام السياسي، الذي لا بد وأن يقوم على أسس الديمقراطية من ناحية، فيما تمارس هذه الديمقراطية على مستوى مؤسسات لها دور ديمقراطي من ناحية أخرى.
هذا هو السبب ، يضيف كتابنا ، في أن بلدا مثل بريطانيا، وهو في الأساس مجرد جزر في مياه الأطلسي ، ساد في يوم من الأيام العالم ، وحقق ثروات طائلة ورفع مستوى معيشة مواطنيه إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث يرجع الفصل في هذا كله إلى السبق البريطاني في مضمار الديمقراطية المؤسسة على قواعد المشاركة المجتمعية الواسعة.
هنا نتحفظ بالطبع من منظورنا العالم الثالث، كما قد نسميه، لنضيف استدراكا أن بريطانيا حققت ذلك بالفعل ولكن مع احتلال شعوب أخرى من أقطار جنوب العالم فضلا عن استغلال إمكاناتها ومقدراتها.
أميركا والمكسيك
يعود كتابنا ليلفت أنظارنا إلى حدود المكسيك والولايات المتحدة ، فعلى الجانب الشمالي من تلك الحدود نجد أميركا بكل ما أحرزته من تقدم ورفاهية، فيما نجد المكسيك عند جانبها الجنوبي بكل ما يعانيه سكانها من تردي أحوال وأسباب المعيشة اقتصادا وتعليما وتقدما ، بينما يعيش الطرفان الظروف الطبيعية والأحوال الجغرافية نفسها.
المقياس نفسه يحاول المؤلفان تطبيقه على أحوال كل من كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، وهو مقياس اعتماد الديمقراطية المؤسسية أسلوبا في إدارة الشأن العام في مقابل اتباع أسلوب الديكتاتورية الشمولية أو السلطوية. صحيح أن ديمقراطية الجنوب الكوري ظلت تعوقها وتشوبها على امتداد فترات من القرن الماضي معوقات من الانحرافات أو ظواهر الفساد، لكن الشعوب تتعلم من تجاربها، ولها أن تعي وتستوعب دروسها المستفادة كي تستقي منها العبرة وتتعلم ، لكن المحصلة ما زالت تفيد ، كما يوضح كتابنا ، بأن كوريا الجنوبية أصبحت تنعم بمستوى معيشة أقرب إلى كل من إسبانيا أو البرتغال في أوروبا، في حين أن كوريا الشمالية ما زالت تعاني مستوى معيشة يبلغ العُشر فقط من نظيره الجنوبي، وهو ما يوازي الأحوال البائسة التي تعانيها دول جنوبي الصحراء الكبرى الإفريقية.
شمولية المؤسسات
ومرة أخرى يوضح مؤلفا الكتاب في صفحات وفصول لاحقة كيف أن الفيصل هنا لا يتمثل إطلاقا في نوعية البشر هنا أو هناك، بقدر ما يتمثل في فضيلة سياسية جوهرية هي: شمولية المؤسسات الاقتصادية والسياسية. وهي المؤسسات التي تحرص بالذات على إتاحة مستوى متقدم من جودة التعليم ، ومن ثم فهي تحرص على إتاحة وتشجيع سبل مشاركة أوسع قطاعات الجماهير ، المواطنين في النشاط الاقتصادي، ومن ثم يكون حسن استثمار طاقاتهم وقدراتهم ومواهبهم مع تمكينهم كأفراد من أن يقفوا على الخيارات التي يرغبونها ، وهنا تستند إلى أن للدولة ومؤسساتها دوراً في غاية الأهمية في دعم وتشجيع مثل هذه الجهود أو المبادرات، كي لا تترك عرضة للصدفة أو العشوائية أو نهبا لمجرد مبادرات الأفراد.
يصل الكتاب إلى خلاصة يؤكد فيها أهمية عنصر الشمول أو التضام في المؤسسات السياسية، وهو العنصر الذي يرفض أي فكرة أو دعوة أو سلوك للإقصاء أو الاستثناء أو احتكار الإمكانات أو السلطات، ثم الامتيازات وفرص التقدم في أي مجتمع بشري، وبما يحول بداهة بين أن يستفيد هذا المجتمع مما يتمتع به أفراده من المواهب وإمكانات الابتكار وملكات الإبداع. والكتاب يسوق في هذا مثلا من واقع ما أنجزه أحد المواطنين الأميركيين ويحمل الاسم التالي: بيل جيتس.
وهنا يتساءل المؤلفان: لولا أن ثمة مجتمعا منفتحا، ويعمل على إفساح المجال وإعطاء الفرصة للأفراد ، هل كان يمكن لفتى لم يكمل تعليمه العالي ، أن يطلق العنان لموهبته، ليقدم لمجتمعه ومن ثم للإنسانية بأسرها، إنجازا جوهريا ما زال بإمكانه تغيير حياة البشر وأفكارهم وتوجهاتهم اسمه شبكة الإنترنت، وتطويرات الحاسوب الإلكتروني (الكومبيوتر) ، وما كان لهذا أصلا أن يتم وأن يتطور وتنضج ثمراته لولا أن المجتمع نفسه قد تعوّد على أن يحتفي بإمكانات العلم والتكنولوجيا ولا يتورع أفراده، أو فلنقل نفر من أفراده، وعدد من مؤسساته عن توظيف استثمارات طائلة في مثل هذا المجال.
عن الصين
على الطرف الآخر من نفس معادلة التقدم التي تجسد تقدم الدول أو تخلفها ، نجاحها أو فشلها ، يمكن أن نواجه مؤلفي هذا الكتاب بسؤال لا تخلو صياغته من نبرة التحدي. والسؤال هو: ثم ماذا عن الصين؟
ما زال نظامها سلطويا وشموليا وتحكمه أو تتحكم فيه بيروقراطية الحزب الواحد. لكن الصين حققت تقدما مشهودا كي لا نقول هائلا؟
هنا يردّ المؤلفان في سياق المقولات الختامية من هذا الكتاب بأن الصين تتبع نمطا يصفانه بالمؤسسات الانتقائية ، بعكس الشاملة أو الجامعة ، وهي مؤسسات تقوم على أساس سيطرة السلطات الحاكمة -البيروقراطية الحزبية- على مقدرات المجتمع وفي مقدمتها ميديا الإعلام وسبل التثقيف.
من هنا ، يضيف كتابنا ، فالصين، بكل إنجازاتها التي لا تُنكر، حققت نوعا مشهودا بحق، من النمو، بمعنى الزيادة والتوسع في المجال الاقتصادي والإنتاجي، غير أن استدامة هذا النمط من النمو واستمرارية هذه النجاحات الصينية ككل معرّضة - في رأي هذا الكتاب - لخطر يلحق بها في مرحلة ما ، وهذا ما يتصوره أحد مؤلفي هذا الكتاب، وهو البروفيسور أسيموغلو الذي يذكر في أحاديث صحافية أدلى بها مؤخرا وقال فيها: إن استدامة النمو الاقتصادي في الصين تقتضي الأخذ بأسباب التجديد والابتكار. وإذا لم تعمد إلى التحول إلى اقتصاد قائم على أساس إبداعي من حيث هدم القيم القديمة وإبداع الجديد، فإن نموها لن يجد طريقه إلى الاستمرار.
عدد الصفحات: 529 صفحة
المؤلفان: دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: كروان بيزنس
