يكتسب هذا الكتاب قيمته من كون مؤلفه أميركي الجنسية أولاً، وينتمي إلى جيل أقرب إلى الشباب ثانياً، وإلى أسرة ونشأة بين ظهراني الجالية اليهودية في الولايات المتحدة ثالثاً، فضلاً عن حقيقة أنه كاتب سياسي وأكاديمي جامعي رابعاً.

 ثم تزداد قيمة الكتاب لأن المؤلف يصدر عن منهج تحليلي يعتمد منطق المصارحة الذي لا يتورع عن انتقاد النهج الإسرائيلي الراهن الذي ينطوي على ازدواجية النفاق بين تصوير إسرائيل بوصفها كياناً ديمقراطياً وبين حقيقة كونها كياناً محتلاً للأراضي الفلسطينية، كما يتبع سبيلاً هو أبعد ما يكون عن أي ديمقراطية بل هو نهج أقرب إلى التميز العنصري، كما يقول المصطلح الوارد في سطور هذا الكتاب الذي لقي وما زال يلقى اهتماما واسع النطاق من جانب النقاد والمحللين السياسيين الأميركيين، بالإضافة إلى وسائل الإعلام الرصينة، وخاصة في ضوء انتماء المؤلف إلى مذهب الليبرالية السياسية في الولايات المتحدة.

ومن ثم تأتي انتقاداته الصريحة لحكومة نتنياهو الراهنة ولإمعانها في مخطط الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، موضحا ومحذرا أيضا من أن المستقبل لن يكون في صالح إسرائيل، ولا سيما إمعان قياداتها العنصرية في حرمان الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، مع ممارسة أشكال الإهانة العنصرية بحقهم، وهو ما يقوض أي فرص تطمح إلى تسوية سلمية عادلة للقضية الفلسطينية.

غونتر غراس الأديب الألماني الأشهر، الحاصل على جائزة نوبل في الإبداع الأدبي، أقام الدنيا ولم يقعدها حتى كتابة هذه السطور. نشر غونتر غراس في الأيام القليلة الماضية أحدث قصائده التي اختار لها العنوان التالي: ما يجب أن يقال.

قال الشاعر غراس في القصيدة:

أنا لن أظل صامتا

   فقد سئمت نفاق الغرب

وعلينا أن نقول كلمتنا

    فقد جاء أوانها

كي نقولها اليوم وليس غدا

جاءت صيحة أديب نوبل الألماني لتعيد إلى الأذهان ما سبق إليه منذ ستينات القرن العشرين المفكر الفرنسي الشهير روجيه جارودي حين رفض طروحات الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان المفكر المذكور في صدارة أعضائه في تلك الفترة ويومها أطلق جارودي صيحة في عبارته الشهيرة: لم يعد الصمت ممكناً.

الموقف الصريح والبنـّاء نفسه سبق وأن أعلنه خلال ثمانينات القرن العشرين نائب شجاع في الكونغرس الأميركي، هو بول فندلي الذي أعلن موقفه تنديدا بالكيان الصهيوني في قلب الأرض العربية، وعمد مندلي إلى تضمين أفكاره وانتقاداته ضد الصهيونية في كتاب بعنوان "من يجرؤ على الكلام" ذاعت شهرته بعدها فيما جلب على مؤلفه الأميركي الشهير سلاسل من المتاعب من ناحية أخرى.

وإذا كانت آلة الدعاية اليهودية الصهيونية قد درجت على مهاجمة منتقديها بدعوى أنهم "معادون للسامية" أو "مبغضون لليهود" أو "متعصبون ضد إسرائيل" إلى آخر مفرداتها الدعائية، فقد شهدت الأوساط السياسية والفكرية في أميركا بل في نيويورك بالذات، وهي المعقل الأساسي ليهود الولايات المتحدة، صدور الكتاب الذي نعايش أفكاره وطروحاته في هذه السطور، حيث جاء الكتاب تحت العنوان الواضح الصريح التالي: أزمة الصهيونية.

وقبل الولوج إلى الفصول التسعة التي يضمها كتابنا الصادر في الفترة القريبة الماضية، علينا أن نسجل أن كاتبه أكاديمي جامعي شاب ويهودي ويعيش ويعمل في مدينة نيويورك نفسها، وبمعنى ألا يزايد عليه أحد ولا يتهمه إنسان بأنه معاد لليهود أو للسامية، إلى آخر مسلسل الاتهامات التي تكاد تفقد قيمتها من فرط التكرار، وهو تكرار لا تمل الأوساط الصهيونية من ترديده إلى حد الابتزاز في كثير من الأحيان.

من هنا جاء اهتمام الأوساط السياسية الفكرية في أميركا بهذا الكتاب، طبعا من منطلق السلب والإيجاب تماما بقدر الاهتمام الذي سبق ولقيته منذ سنوات قليلة الدراسة العلمية التي حملت اسم "اللوبي الإسرائيلي" وقد عكف على إصدارها اثنان من كبار الأكاديميين الأميركان كان أحدهما هو البروفيسور اليهودي ميرشماير الأستاذ بجامعة شيكاغو.

وفيما عمد كتاب "اللوبي" إلى التركيز على التأثير السلبي لسياسة إسرائيل ومؤيديها بالنسبة للسياسة الخارجية لواشنطن نفسها. فقد جاء تركيز مؤلف كتابنا الراهن بيتر بينهارت على ما يدور داخل "البيت اليهودي" في داخل أميركا وبالتحديد على أجيال الشباب الصاعدة من أبناء الجماعة اليهودية الأميركية ومواقفها إزاء الفكرة الصهيونية والسياسات والتوجهات الإسرائيلية في الحاضر وفي المستقبل على السواء.

 

إهداء عائلي

من هنا يهدي المؤلف كتابه إلى والديه وكأنها إشارة موحية إلى أن فصوله التسعة، فضلا عن ثبت المقدمة وثبت الخاتمة، سوف تكرس لتدارس ما يمكن وصفه بأنه أزمة "عائلية" بمعنى أزمة التواصل بين جيل مخضرم وأجيال شابة ما زال من حقها أن تدرس وتناقش وتعارض خاصة وأن المؤلف الأميركي ينتمي إلى أصول من يهود المشرق السفارديم التي ترجع جذورها إلى الأندلس الإسبانية ومن ثم إلى تحولها للعيش حول ضفاف البحر المتوسط بالإسكندرية في مصر إلى أزمير في تركيا.

هذه المعلومات وغيرها عمد مؤلفنا إلى طرحها في سطور المقدمة التي لا يلبث يفرغ منها إلى الفصل الأول الذي يخترق به قضيته مباشرة حين يختار له العنوان التالي: الأزمة في إسرائيل.

ولأننا نطل من منظور التحليل الموضوعي على أفكار كاتب أميركي يهودي نلاحظ مع التحفظ أنه يعلن تسليمه بحق الشعب اليهودي في أن يكون له دولة ويصفها بأنها "الأرض التاريخية المكرسة لحماية أفراد هذا الشعب".

لكن المؤلف يضيف على الفور، وفي السياق نفسه مباشرة، موضحا أنه بحكم انتمائه إلى صنوف الديمقراطية الليبرالية يعتقد أن الوفاء بحق هذه المعاناة التاريخية لليهود، إنما يقتضي من أي دولة يهودية أن تكفل حق المواطنة المتكافئة لكل سكانها، وبمعنى ألا ينبغي لإسرائيل أن تلحق بالآخرين ما سبق وأن صادفه اليهود من صنوف العنت والمعاناة .

وفيما يتصور مراقبو ومحللو قضية الصراع بين الجانب العربي الفلسطيني والجانب الصهيوني الإسرائيلي ضرورة التوصل إلى حل الدولتين، فها هو مؤلف كتابنا يؤكد أن حركة الاستيطان الصهيوني المحمومة في مناطق الضفة الغربية وضواحي القدس من شأنها أن تشكل عقبة كأداء تحول بين تحقيق هذا الهدف على تواضعه أصلاً، ومن ثم بين التوصل إلى حل، أو فلنقل تسوية، تقوم على أساس شكل معقول ومضمون دولياً من أشكال التعايش السلمي بين الجانبين.

هنا يتوقف كتابنا ملياً عند الخط الأخضر الفاصل نظرياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو يورد تصريحاً بالغ الاستفزاز من حيث طابعه العنصري البغيض أعلنه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في عام 2010 في وصف مستوطنة "أربيل" الصهيونية التي تمتد ، كما يصفها المؤلف، عبر مساحة 13 ميلاً إلى داخل الضفة الغربية ويومها قال نتنياهو: إنها قلب بلادنا (!)

وهنا أيضا يورد مؤلفنا تعليقا يقول بالحرف: إن كثيرا من الخرائط والكتب الإسرائيلية المقررة بالمدارس لم تعد توضح الخط الأخضر، لا من قريب ولا من بعيد.

 

مأساة الخط الأخضر

والإشارة هنا من جانب المؤلف تفيد بأن القائمين على مشروع الاستيطان الصهيوني الاستعماري لم يعد في اعتبارهم وجود ملموس أو يعتد به لخط فاصل يعترف بأرض تخصّ أبناء الشعب الفلسطيني أياً كان لونه أو نمطه.

وهنا يعود الكتاب إلى الإحالة إلى إبراهام بورغ الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي الذي حذر قائلًا: قريباً تحل لحظة الحقيقة. وقد تكون هذه اللحظة الفاصلة قد حانت بالفعل وأدت إلى اختفاء الخط الأخضر على ضوء ما آلت إليه أوضاع المستوطنين الذين استشرى وجودهم في الضفة الغربية وأصبح لهم صوتهم المسموع وإمكاناتهم الواسعة ونفوذهم المؤثر من صفوف الحكومة والجيش والحاخامات في إسرائيل، ولدرجة أن سيصبح من المستحيل إزاحتهم من أجل إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة ومزودة بأسباب الاستمرار ولها حدود قرب الخط الأخضر.

من جانبه ينطلق مؤلف كتابنا من هذه الطروحات، ليضيف في موضع آخر من هذا الكتاب أنه عندما يحدث هذا الأمر فمعنى ذلك أن إسرائيل الصهيونية بوصفها، كما تردد شعاراتهم، مشروعا ليبراليا وديمقراطيا مصيره الفناء.

ولأن المؤلف باحث جامعي بحكم المهنة، فهو يرسم معالم السيناريو البديل ، بمعنى سيناريو استمرار إسرائيل في احتلال الضفة الغربية أرضا ومعالم وحقوقا وسكانا الخ.. موضحا أن المحصلة سوف تنطوي على بلد يضم نحو 6 ملايين يهودي إلى جانب مليون ونصف المليون من العرب الفلسطينيين ومعهم بالطبع 2.5 مليون من فلسطينيي الضفة الغربية و 1.5 مليون من قطاع غزة، الذي ما زال تحت الاحتلال الإسرائيلي بمقتضى القانون الدولي وفي تصور حكومة الولايات المتحدة، على الرغم من عدم وجود مستوطنين على أرضه.

ثم يضيف مؤلفنا في السياق نفسه قائلًا: هنالك سوف يفوق معدل الازدياد في أوساط الفلسطينيين نظيره بين اليهود بما يزيد على 50 %، وعلى فرض أن إسرائيل سوف تلتزم ما تقضي به القوانين والأعراف الدولية من حيث المعاملة المتساوية بين كل من يعيش في ظلها فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والسياسية ، فمعنى هذا، يضيف المؤلف الأميركي بالحرف: "فإن إسرائيل تقدم على الانتحار".

 

الأزمة الأميركية

نلاحظ في نفس السياق أن الكتاب ينتقل من فصل "الأزمة في إسرائيل" إلى فصل آخر يحمل عنوانا مثيرا بحق للاهتمام وهو: الأزمة في أميركا.

في هذا الفصل يتابع الكتاب سيرة يهود أميركا الذين تجلت اهتماماتهم باستمرار في رفع شعارات ظاهرها الليبرالية ومواجهة الاضطهاد أو التمييز العنصري فيما كان جوهرها وخاصة في العقود الأخيرة من المشهد السياسي الأميركي يتمثل في العمل بشكل دؤوب على اكتساب المزيد والمزيد من القدرة والنفوذ السياسي من أجل ممارسته للضغط على راسمي السياسات في الكونغرس وصانعي القرارات في البيت الرئاسي الأبيض.

في هذا الإطار يؤكد المؤلف كيف كان يهود أميركا يعزفون على وتر إسرائيل الضحية الواقعة تحت تهديد وعنفوان المد القومي العربي خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ولكن الأمر اختلف بنسبة 180 درجة بعد انتصار إسرائيل الخاطف كما يصفه المؤلف على الجانب العربي في حرب حزيران 1967 وبعدها شهدت الساحة ظاهرة جدلية، كما قد نسميها، تمثلت في جانبها الأول بزيادة معدلات الهجرة إلى إسرائيل من يهود أميركا، وفيما شهدت في جانبها المقابل تغير صورة إسرائيل من الدولة الضحية إلى الدولة المحتلة لأراضي الآخرين.

ومن يومها ، يضيف الكاتب، لم تعد حكاية محرقة اليهود أو الهولوكوست، بكل ما انطوت عليه من حكايات المحارق والاضطهاد والعذاب، تنطلي على الآخرين، وخاصة بين الأجيال الطالعة من يهود أميركا الذين بدأت زعامات "اللوبي اليهودي"، وعلى رأسها برترام غولد، تشكو من أنها لم تعد تعنيها حكاية الهولوكوست، وقد ارتفعت شكوى هذه الزعامات في عام 1970، وكان ذلك هو السبب الأساسي، كما يوضح مؤلفنا، في انطلاق حمى النشاط بغير هوادة للتذكير بمحارق الهولوكوست والدعوة إلى إنشاء متاحف وصنع أفلام وأدراج مواضيع خاصة بها ضمن الكتب المدرسية المقررة، هذا فضلاً عن مسرحيات واحتفالات كئيبة تهدف إلى محاكاة الهولوكوست ومحاولة غرسها في عقول ووجدان الأطفال والناشئة على اختلاف الأعمار.

مع هذا كله فهل ينبغي ليهود أميركا أن ينتقدوا إسرائيل؟

سؤال محوري اختاره بيتر بينهارت عنواناً لواحد من الفصول المهمة في هذا الكتاب.

وتبدأ الإجابة ببيان أن من زعامات يهود أميركا من يذهب إلى القول إنه ليس من حق يهود الشتات، وهم يهود أميركا أو غيرها في خارج إسرائيل، أن يوجهوا أي انتقاد كان إلى الدولة اليهودية.

وهنا يؤكد فوكمسان، وهو من كبار هذه الزعامات، على أن الحياة في أميركا سهلة وميسورة ولا ينبغي نقد من يعيشون في ظل خطر أمني داهم وماثل في إسرائيل، والأوجب عدم توجيه هذه الانتقادات علانية أو على رؤوس الأشهاد إذا كان لا بد منها. وتلك مقولات لا تقوم على أساس ولكنها تؤدي إلى وصف كل من ينتقد إسرائيل وممارساتها المرفوضة ، وخاصة إذا كان الناقد من غير اليهود في عالمنا بأن انتقاداته تفتقر إلى الرشد والحكمة، أو أنها تصدر عن عداء ملتهب أو مستحكم لوجود إسرائيل ذاتها (!)

 

نقول لأنفسنا

نصل مع كتابنا إلى نهايات السطور ، وهنا يحرص المؤلف على تفنيد ودحض ادعاءات إسرائيل التي تحاول "بيعها" للعالم الخارجي، وخاصة إلى مؤيديها في أميركا. يقول المؤلف الأميركي بالحرف: نحن نقول لأنفسنا أن إسرائيل كيان ديمقراطي، ولكن الحقيقة أنها في الضفة الغربية كيان عنصري، حيث إن اليهود هم الذين يتمتعون بالمواطنة، وهو أمر محروم منه الفلسطينيون.

ونحن نقول لأنفسنا، يضيف المؤلف، إن احتلال إسرائيل للضفة الغربية مؤقت، ولكنه ما زال مستمراً على مدار أربعة عقود من الزمن، أي على مدار ثلثي عمر إسرائيل نفسها. ونحن نقول لأنفسنا إن حكومة إسرائيل ليس لديها الرغبة في الاحتفاظ بالضفة الغربية ولكنها قدمت معونات الدعم إلى مئات الآلاف من المستوطنين، لكي ينتقلوا إلى هناك، بل وأنشأت شبكة لحافلات النقل وشبكة طرق وخطاً حديدياً وشبكة للإمداد بالمياه والهواتف والكهرباء، والمشكلة هي التعامل مع إسرائيل، الديمقراطية وإسرائيل الاستيطانية على أنهما كيان واحد، ولكننا وعلى مدار وقت طويل ظللنا نتجاهل الحقائق المؤلمة من خلال تجاهلنا للفلسطينيين.

وهكذا، تكلم وكتب مثقف أميركي، ونحسب أن هذا التجاهل لن يستمر طويلاً، فأصحاب الحق موجودون ويؤكدون هذا الوجود مع مطلع كل صباح.

عدد الصفحات: 290 صفحة

تأليف: بيتر بينهارت

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: تايمز بوكس، نيويورك،