قدمت المؤلفة كما يقول النقاد في هذا الكتاب نسيجا بالغ الدقة والرهافة والأهمية، إذ يجمع في خيوطه الفكرية وجدائله الأسلوبية بين محصلة البحث العلمي النظري في مكتبة المتحف البريطاني الشهيرة في العاصمة لندن، وبين النتائج الميدانية التي ظلت المؤلفة تستقيها من واقع الزيارات المتعددة التي دأبت على القيام بها إلى قارة أنتاركتيكا المتجمدة الجنوبية، حيث ظلت تقيم فترات مطولة من الزمن وتتحمل كل الأنواء بالغة الصعوبة من البرودة القاسية وغياب كل وسائل الحياة المعقولة في سبيل تدارس أحوال هذه القارة التي ما برحت مؤلفة الكتاب تتعامل معها بمزيج من الاهتمام الموضوعي والشغف الرومانسي على نحو ما عبرت عنه بين السطور والصفحات.
من هنا جاء تصريح المؤلفة في يوليو عام 2009 بأنها كانت تستعد لتأليف كتابها الذي صدر في مطالع شهر مارس عن أشد قارات الدنيا غموضا، حيث ذكرت أن الكتاب سوف يأتي جامعا ما بين العلم والجغرافيا وما بين التاريخ والثقافة.
وبهذا جاء هذا الكتاب، كما أضافت المؤلفة، ليكشف عن وجهين تتسم بهما انتاركتيكا: الوجه الأول يصورها على أنها أشد مواقع الأرض غرابة وعزلة وتفرداً، فيما يقول الوجه الثاني بأنها جديرة من حيث تاريخها ومصيرها بأن ترتبط بوشيجة وثيقة، بل حميمة بسائر المناطق والمواقع الأخرى في العالم الذي نعيش فيه، وربما جاءت هذه الرابطة الحميمة بين موضوع الكتاب وصاحبة الكتاب من خلال الرحلات الخمس التي قامت بها الدكتورة غابرييل ووكر إلى انتاركتيكا بكل ما حفلت به الرحلات من ملاحظات ومغامرات ودراسات.. وتحديات.
يعمد هذا الكتاب إلى إبعادنا عن دوامات السياسة، ولكن ليسلمنا إلى دوامات مغايرة وإن كانت مساوية من حيث أخطار الحاضر ومشكلات المستقبل.
هو كتاب عن كوكب الأرض وبخاصة عن تغيرات المناخ من ناحية ولكن مع التركيز على قارة منسية من ناحية أخرى.
وكم درج المكتشفون والمحللون على أن ينظروا إلى قارة استراليا في الجزء الجنوبي من المحيط الهادي على أنها قارة منسية، أو فلنقل شبه منسية منذ أن اكتشف وجودها، مجرد وجودها، رواد الملاحة الأوروبيون في القرن السابع عشر، إلى أن نزل على شواطئها الشرقية الشمالية الملاح الإنجليزي الشهير كابتن جيمس كوك في عام 1770 كي يعلن أنها أصبحت تابعة للتاج البريطاني في ذلك الزمان. لكن ها هم علماء المناخ يبدؤون طروحاتهم بالتحذير من متغيراته إلى أن يصلوا، أو يصل بعضهم، إلى استرعاء اهتمام العالم إلى القارة المنسية في زماننا التي ألمحنا إليها في مستهل هذه السطور.
المناخ ومتغيراته
وعن تغيرات المناخ يكتب جون فيدال (في صحيفة غارديان البريطانية) محذرا أنه لم تعد أحوال الطقس في كوكبنا قابلة كما تعودنا للتنبؤ من أجل اتخاذ ما يقتضيه الأمر من ترتيبات واحتياطيات.
ثم يضيف كاتب غارديان قائلا: في عام 2011 رأينا مقاطعة كِنت البريطانية وكان مناخها معتدلاً باستمرار، فإذا بها تستقبل أمطارا في شهر مايو الماضي بلغت من الغزارة لدرجة أن تساوت مع أمطار أفريقيا وبمعنى أن تساوت كنت مع تمبكتو. وبالمقياس نفسه تساوت مانشستر ذات الجو البارد أصلاً فإذا بها تستقبل شمسها الشديدة الدفء فتصبح أقرب إلى ماربيا جنوبي السواحل الاسبانية بقدر ما شهدت المناطق المعتدلة في انجلترا جفافا في التربة لدرجة فاقت في جفافها مناطق الصحراء في مصر.
ومن هذا الرصد لغرابة أطوار كوكب الأرض إلى حديث عن القارة المنسية التي تحمل اسماً قلّما يتردد سوى في مجامع العلماء ودوائر المتخصصين.
نتحدث عن انتاركتيكا، عن القارة المتجمدة الجنوبية، وهي المساحة التي تحدق بالقطب الجنوبي من الكوكب الأرضي ومازالت مجهولة أو شبه مجهولة وخاصة بالمقارنة مع القطب الشمالي الذي ترجع شهرته واهتمامات العالم بأموره إلى أنه يقع بداهةً في شمالي القارة الأوروبية ومن ثم فهو لايزال محورا لاهتمامات دول كبرى ليس أقلها الاتحاد الروسي من الشرق، إلى الولايات المتحدة من الغرب وبينهما بالطبع دول اسكندافيا النوردية وبخاصة السويد والنرويج فضلاً عن أيسلندا. كتابنا إذاً عن انتاركتيكا.
إطلالة حديثة
كتابنا صادر مع مطلع شهر مارس الحالي، وبقلم أستاذة بريطانية تجمع بين فضيلتين كما قد نقول، ترجع أولاهما إلى كونها عالمة في مجال التغيرات المناخية، فيما ترجع الثانية إلى أنها لم تكتف بالتزام الأروقة الأكاديمية والتواصل مع مجاميع الطلاب والدارسين، بل انطلقت الدكتورة غابرييل ووكر من واقع أهمية القضية المناخية التي تخصصت في دراستها، وبالتالي من أثر تغيرات المناخ على مستقبل الكوكب والناس، فإذا بها تجتاز الأسوار الأكاديمية إلى حيث أفسحت لها ميديا البث البريطانية البي. بي. سي موجاتها كي تتواصل مع جمهور يعد بالملايين، كي تسرد بالصوت والصورة وبالإحصائية والعرض العلمي المبسط كل ما يساورها من اهتمامات وكل ما يشغلها من هموم.
والمعروف أن انتاركتيكا هي خامس قارة من حيث المساحة في العالم، وهي مقسمة إلى منطقتي الغرب الحافلة بأكبر جبال جليدية في الدنيا والشرق المؤلفة من تشكيلات صخرية، وتربط بينهما كتل الجليد الهائلة فيما تغطي الصفائح الجليدية ما يقرب من 95 % من مساحة القارة الثلجية المذكورة.
ومن عجب أن ظل الناس لا يعرفون سوى القليل عن تلك القارة القطبية الجنوبية إلى أن بدأت القارة تخضع لرحلات كانت أقرب إلى المغامرات الخطرة غير المحسوبة التي تمت على يد رواد جسورين وربما مغامرين كان أولهم رولد أموندسن (1872-1928) النرويجي الذي قطع المساحة شبه الأسطورية في زمانه ما بين وطنه القريب للقطب الشمالي إلى حيث حط رحاله، ولأول مرة في التاريخ، على شواطئ قارة القطب الجنوبي في 14 ديسمبر عام 1911، وكان أن تبعه بعد ذلك بفترة محدودة للغاية (25 يوماً فقط لا غير) رائد آخر إنجليزي هذه المرة هو روبرت سكوت (1868-1912) الذي لقي حتفه للأسف في رحلة العودة من جنوب كوكبنا إلى الشمال.
عندما حلقت الطائرات
المهم أن هذا الكشف الريادي أفضى مع تطور صناعة الطيران - إلى أن استطاع الإنسان المعاصر أن يحلق بطائرة جسورة فوق كل الأصقاع الجليدية المتجمدة منذ الأزل، فكان أن طار الأميرال الأميركي ريتشارد بيرد (1888-1957) فوق انتاركتيكا يوم 29 نوفمبر من عام 1929، وكان بيرد قد نال شهرته بعد أن حلّق فوق القطب الشمالي في عام 1926 ولكن الشهرة ما لبثت أن اتسعت إلى حد أن تسامع بها عالم الثلث الثاني من القرن العشرين، وخاصة حين كرر بيرد رحلاته الجوية إلى انتاركتيكا خمس مرات إلى أن أنشأ قاعدة فوق أديم القارة المذكورة وكان طبيعيا أن يخلع عليها الاسم التالي:
أميركا الصغيرة (ليتل أميركا)
ثم كان لابد أن يمضي ردح من زمان القرن العشرين قوامه نحو 30 سنة إلى أن انتبه المجتمع الدولي ومنظومة الأمم المتحدة بالذات إلى وجود القارة المتجمدة الجنوبية وربما إلى أهميتها ومن هنا كما يقول كتابنا جاء توقيع معاهدة انتاركتيكا في عام 1961 لتصبح القارة بعدها محورا للبحوث العلمية التي تقوم بها جهات دولية من كل أنحاء العالم. ورغم أن مؤلفة هذا الكتاب تعد في طليعة المشاركين في مثل هذه الجهود العلمية، إلا أن سطور كتابها تكاد تنضح بقدر لا يخفى من العواطف التي تربطها بالقارة، وهو ما ينعكس في العنوان الفرعي لهذا الكتاب: صورة حميمة لأكثر القارات غموضا.
والمعنى الذي نراه كقارئين هو أن الدكتورة غابرييل ووكر تتعامل مع انتاركتيكا من منظور مزدوج يكشف أولاً عن هذه العاطفة الحميمة، فيما يعكس ذلك الانجذاب إلى عنصر الغموض إزاء قارة بأسرها لم تبح بعد بكل أسرارها.
من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يتعامل مع قارة تشكل على نحو ما يقول الناقد البريطاني بيتر فوربس - (غارديان، عدد 16/3/2012) مفتاح مستقبل كوكبنا، وعلينا أن نتعامل معها على أساس هذه المكانة، وليس على أساس أنها مجرد مكان لا يحوي سوى تلال الجليد وأسراب طائر البنغوين (البطريق).
معاناة في انتاركتيكا
تحكي مؤلفتنا عن رحلات عديدة قامت بها إلى أنتاركتيكا وتصارح قارئها عن معاناتها ولكن أيضا عن احتمالها بفضل شغفها الأكاديمي بدرجة حرارة بالأدق - درجة برودة عايشتها على سطح هذه الأصقاع الجليدية المتجمدة، وهي درجة الستين تحت الصفر، وعلى مدار ستة أشهر يسودها الظلام، حيث لا تسطع الشمس، ولم يكن يعزّيها في هذا العناء الرهيب سوى ما كانت تستدعيه ذاكرتها العلمية من سير الرواد الذين سبقوها وسط ظروف أقسى وبمعدات أدنى كفاءة ودقة منذ 100 سنة أو نحوها، ومنهم، كما أسلفنا، مواطنها البريطاني سكوت والرائد النرويجي أموندسن، ولكن منهم بالذات الوجيه البريطاني سير أرنست شاكلتون الذي شاءت أقداره أن يقوم برحلات عديدة صوب جنوب الكرة الأرضية، قاصدا استكشاف القطب الجنوبي أو القارة الجنوبية، ومع ذلك فقد خابت مساعيه ورحل عن العالم في عام 1922 دون أن يحرز هذا الكشف المأمول.
يسترعي اهتمامنا أيضا من سطور هذا الكتاب كيف تصور المؤلفة جماعات الباحثين، المستكشفين والعلماء وربما المغامرين الذين تحفل بهم الآن القارة المتجمدة الجنوبية، والغريب أن أصبح في زمرتهم عدد كبير من النساء، ولدرجة أن تقول إحداهن: لقد عملت في إزاحة الثلوج عن قاعدتنا بأكثر مما فعلت أي امرأة أخرى في العالم (والتلميح هنا إلى جهود النساء في بلاد الشمال، انجلترا أو أميركا أو غيرها ممن تحرص كل منهن على إزاحة ثلوج الشتاء بعيدا عن البيت الذي تسكن فيه وخاصة في الضواحي البعيدة عن المدن، حيث تتولى البلديات مثل هذه الأمور.)
هناك أيضا طيور البطريق (البنغوين) الشهيرة التي تسير متهادية بقدر لا يخفى من، الوقار على صفحة الثلوج، كما هو معروف، على قدمين وتتحرك بتؤدة ملحوظة، حيث تقول المؤلفة في هذا الصدد: كم كنت سعيدة أن أشاهد ذكور البطريق، وهم يتبادلون التحية بعد أشهر من الفراق بسبب أحوال الطقس يقترب أحدهما من الآخر ثم يتبادلان العناق مثل قدامى الأصدقاء.
تحكي المؤلفة أيضاً عن تضاريس انتاركتيكا، فتوضح كيف أن ثمة ودياناً تكمن تحت طبقات الجليد وثمة بحيرات، أهمها بحيرة فوستوك التي كشف عنها مؤخرا فريق من الرواد الروس، وهي أكبر بحيرة في القارة المتجمدة بقدر ما أنها كما يؤكد الكتاب سابع أكبر بحيرة في العالم فيما تضيف المؤلفة أن أمر القارة المذكورة يبدو وكأن الأشياء انقلبت رأساً على عقب، بمعنى أنه تحت ضغط الطبقات الأزلية من الجليد وعمرها ملايين من السنين توجد مساقط مائية، ومنها تندفع شلالات المياه الممزوجة بكميات من الطين فإذا بها تؤدي إلى ما تصفه الدكتورة ووكر بأنه تشحيم الصفائح الثلجية إلى حد الانصهار ومن ثم الذوبان بفعل ظاهرة التسخن الكوكبي السائدة حاليا وهو ما يعجّل في رأي المؤلفة بتدفقات من كميات هائلة من الجليد المذاب إلى البحر بكل ما قد ينجم عن ذلك من نتائج مدمرة، كما يصفها الناقد بيتر فوربس تؤدي إلى ارتفاع منسوب المسطحات المائية في الكرة الأرضية وهو ما يهدد كما أصبح معروفا بغرق قد يصيب عدد من دلتاوات الأنهار وعدد من الجزر المأهولة بالناس والدول والحضارة المنبثة هنا أو هناك وسط مياه المحيط.
الكوكب المتسخن
في هذا الخصوص تذهب المؤلفة إلى أن الغطاء الجليدي في غربي انتاركتيكا هو الأكثر تعرضا لظاهرة التسخن الكوكبي، فيما يحوي من كميات المياه ما يكفي لرفع مستوى سطح البحر في العالم في حدود 4.8 من الأمتار، حيث بدأت هذه الظاهرة في التشكل منذ عام 2002 على وجه التحديد وبعد أن بقيت هذه الصفائح الثلجية الأزلية بغير تغيير على مدار نحو 10 آلاف من السنين، وهنا يتساءل الناقد الإنجليزي مضيفا: ترى أين سيكون الانصهار الجليدي القادم من تضاريس انتاركتيكا؟
ثم يبادر إلى الإجابة قائلًا: نحن مازلنا نرقب ما عساه يحدث في انتاركتيكا وقلوبنا واجفة، وتلك قيمة كتاب الدكتورة غابرييل ووكر: إنه يمثل مرشداً لا غنى عنه في هذا المضمار.
يتميز هذا الكتاب أيضا بأنه أقرب ما يكون إلى عمل فني باذخ منسوج بخيوط متعددة الألوان، وبمعنى أن المؤلفة من منطلق شغفها شبه الرومانسي على نحو ما أسلفنا بقارة القطب الجنوبي، تعمد إلى المزج بين الحقيقة العلمية والمعلومة التاريخية وبين أبيات من الشعر وأوصاف لأحوال الطقس وحياة الطير والمواجهة بين البشر وتجليات طبيعة فريدة في بابها، ولا يكاد يتحمل وطأتها سوى المخلصين لها وفي مقدمتهم أكثر من فريق من العلماء المنتمين إلى جنسيات شتى، وهم يدللون على شغفهم بجاذبية المنطقة من خلال معاودتهم زيارتها موسماً بعد موسم ورحلة بعد أخرى.
فوق كوكب آخر
وتحاول المؤلفة تلخيص هذه المواقف حين تقول إن الحياة فوق انتاركتيكا أقرب ما تكون إلى حياتنا نحن البشر فوق كوكب آخر بخلاف الأرض، ورغم أنه لا سبيل لحياة بشر على أرضها بغير أن يتلقى عونا من سواه، فإن القارة المذكورة يسودها سكون جليل، يشعر المرء أن وجودها الأزلي منذ خلْق الكون يضفي عليها مسحة من الغموض، التي تكاد تجسد كما تضيف مؤلفة الكتاب أسرار ماضينا وحاضرنا وغوامض مستقبلنا.
لكن وبصرف النظر عن هذه المواقف الأقرب، كما أوضحنا إلى الرومانسية، يصادف القارئ عنصر اللجوء في سطور الكتاب إلى قصائد شعرية ومنها بالذات أشعار اللورد شاكلتون التي ينعى فيها حظه الذي لم يحقق له أمل الوصول إلى انتاركتيكا حيث يقول: آه من لهيب الشوق وغريب الحب. إلى دنيا الجنوب حيث الرياح العفيّة تهب بعصف يسلمنا إلى نشوة الشراب.
هنالك يعيش رواد انتاركتيكا بين أبيات هذا المستكشف الإنجليزي الذي ذاق مرارة الإحباط وبين ضرورات الانضباط الصارم الشديد المطلوب من أي امرئ يريد أن يظل على قيد الحياة وسط أنواء البرودة الرهيبة والثلوج المترامية بغير حدود، وكلها تشكل، كما توضح مؤلفة الكتاب، جوانب أساسية من غرابة أساليب الحياة في المكان، وهي غرابة تحوي شحنات تراها المؤلفة ذات جاذبية خاصة تشجع المرء على البقاء والاستمرار مادام يجد مادة للبحث العلمي ومواضيع تعود بالفائدة والوعي على جماهير القارئين والمستمعين والمشاهدين.
وفي وسط هذه الأجواء تعمد المؤلفة إلى استقاء ورسم صورة شخصية لمن تصادفهم في هذا المكان، وخاصة وسط زمهرير الشتاء، ومنهم مثلاً ذلك العالم الباحث الذي جاء من مرصد القطب الجنوبي فإذا به ينطلق في رحلة تزلج بالغة الغرابة والخطورة على طول 1300 كيلومتر عائدا إلى القاعدة التي يقيم فيها مع أقرانه، ولم يكن في جيبه من صنف القوت سوى بضع قوالب من الشيكولاتة!
أما في قاعدة البحث العلمي، فكأنك تعيش كما تضيف المؤلفة في ظل حكومة الأمم المتحدة، حيث لا يوجد ولا يطبق بالطبع قانون وطني معين، ولكن النظام المتبع يمضي وفق قانون متعدد الجنسيات، كما قد نصفه، على أفراد المجاميع من الباحثين والدارسين والمستكشفين الذين ينتمون إلى أوطان وجنسيات شتى، وحيث لا سبيل إلى الانصياع، ومن ثم الانضباط، كما تؤكد مؤلفة الكتاب، سوى إلى بنود المعاهدة الدولية الخاصة بقارة انتاركتيكا وقد دخلت هذه المعاهدة حيز السريان في عام 1961 فيما وصل عدد الدول الموقعة عليها حتى الآن 49 دولة.
وإن كان من الملاحظ أن ليس من بينها دولة عربية أو شرق أوسطية باستثناء تركيا التي انضمت إلى معاهدة انتاركتيكا في سبتمبر من عام 2004، والمهم أن المعاهدة الدولية المذكورة تتعامل مع انتاركتيكا بوصفها مجمل المساحة الكوكبية الواقعة جنوبي خط عرض 60 وأنها وحدة واحدة أرضا وجليدا، فضلاً عن أنها القارة الوحيدة في العالم التي لا تضم سكاناً دائمين أو أفراداً يصدق عليهم تعريف المواطنين، والأهم أن المعاهدة المذكورة أعلنت القارة المتجمدة بأسرها محمية محجوزة لأغراض البحث العلمي الحر والموجَّه لخدمة الإنسانية جمعاء.
ثم هناك قرار الأمم المتحدة الصادر عن الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة (المعقودة في عام 2008) وهو يعكس مدى اهتمام العالم بإيجاد وإدامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ومن منطلق أنها فضاء مترامي الأرجاء، ومن ثم فهو يغري بإقامة منشآت نووية وبإجراء تجارب واختبارات على أصناف السلاح النووي، وهو ما قد يفضي إلى ثوران الطبيعة التي ترفض العبث بالتوازن البيئي، وهي جديرة بأن تشّن غضباتها على مثل هذا السلوك غير المسؤول من جانب البشر، وما درس اليابان ببعيد.
عدد الصفحات: 416 صفحة
تأليف: الدكتورة غابرييل ووكر
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مؤسسة بلومزبري، لندن،
