يأتي هذا الكتاب وكأنه يجسد واحدا من الهواجس العديدة التي ما برحت تساور العقل الجمعي الأميركي، يستوي في ذلك المواطن العادي بقدر ما يستوي راسم السياسة أو صناع القرار، هذا فضلا عن امتداد هذا الهاجس كي يشمل أطراف الحزب الديمقراطي الحاكم حاليا (باراك أوباما بالذات) أو الحزب الجمهوري المعارض والمتطلع حاليا كذلك إلى خلافة أوباما في مواقع الحكم بحرمانه من ولاية التجديد الثانية (على نحو ما يفعل حاليا مرشحوه الجمهوريون وفي مقدمتهم "ميت رومني").

هذا الهاجس يتعلق بدور أميركا وبمكانها ومكانتها على خارطة النفوذ والوزن السياسي العالمية، وهي مكانة حازتها أميركا بصورة أو بأخرى، سواء بوصفها القطب رقم واحد خلال الحرب الباردة (1945-1990) فيما كان الاتحاد السوفيتي هو القطب رقم 2 في أغلب الأحيان، أو سواء نعمت واشنطن بمكانة القطب الوحيد منذ عقد التسعينات من القرن الماضي ومع استقبال سنوات الألفية الثالثة، ولكنها لم تكن لتستمر في هذه الميزة المتفردة أو هذه المكانة "الإمبراطورية" كما يحلو لبعض المفكرين أن يصفوها، وخاصة بعد الصعود غير المحسوب للصين بوصفها اقتصادا بالغ الدينامية، مما جعلها أكبر دائن للخزانة الأميركية وفي حدود وصلت إلى نحو تريليون دولار.

 من هنا يشكل هذا الكتاب حلقة أضافها مؤلف ينتمي بصورة أو بأخرى إلى فصيل المحافظين الجدد في مسار السياسة الأميركية، ويحاول في فصوله وسطوره الرد على مقولة أن تطورات اللحظة الراهنة جاءت لتهدد المكانة "الإمبراطورية" لأميركا ولقدراتها على التأثير في مسارات الأمور في عالمنا على نحو ما سبق إلى طرحه كتاب "تناقض الإمبراطورية" للبروفيسور "جوزيف ناي" صاحب مقولة "القوى الناعمة والقوى الخشنة"، حيث يطرح كتابنا مقولات تؤكد على أن أميركا مازال لها دور تضطلع به وأنها قادرة كما فعلت من قبل خلال أزمات ووترغيت فيتنام وغيرها في السبعينات أن تواجه المشكلات وتعاود احتلال مكانتها من جديد.

في زمان بعيد نسبيا، كتب عبدالرحمن بن خلدون (1332-1406) عن استمرار وانقطاع العمران وكان يعني بهذا في "المقدمة" الضافية التي أبدعها في علم الاجتماع السياسي كيف أن الأقدار والقوى العملية والموارد والامكانات المادية، فضلا عن ثقافة التطلع والتقدم هي التي تصعد بالأمم إلى مراقي العظمة، ومع ذلك فإن قوانين التطور وهي القوانين التي تصاحب الكائن الحي من مراحل النشأة والتكوين ثم مراحل اليفاعة والنضج والاكتمال - لا تلبث أن تنطبق على الأمة الدولة الحضارة بوصفها كائنات حية، فإذا بشموسها إلى غروب وأقمارها إلى محاق ومسيرها ومصيرها إلى أفول حيث تتجلى ظاهرة "انقطاع العمران" على حد تعبير العلاّمة الإسلامي الكبير.

وفي القرن الثامن عشر، عاودت الظهور الأفكار نفسها التي ترصد ظاهرة صعود وهبوط الأمم والحضارات فانشغل بها مفكر انجليزي كبير هو المؤرخ ادوارد جيبون (1737-1794) فكان أن عكف على تدارس تاريخ الإمبراطورية الرومانية التي ورثت وخلفت التراث الهيليني الذي سبق وأن شيده اليونان ومن ثم عاشت امبراطورية الرومان أزهى عصورها عصر "أوغسطس" مثلا الذي خلف "يوليوس قيصر"، إلى أن عانت أسوأ مراحلها في عصر "نيرون" مثلا الذي لم يدخل التاريخ إلا من باب الحريق المجنون الذي أشعله في أنحاء عاصمة الإمبراطورية في روما.

 

اضمحلال الإمبراطورية وسقوطها

هكذا عكف "جيبون" على دراسة شروق وغروب الإمبراطورية، إلى أن أخرج إلى الناس كتابه الذي ما برح يعد من كلاسيكيات الأداب المكتوبة بالإنجليزية، وكان ذلك في عام 1776 ويومها حمل الكتاب عنوانه المعروف وهو " اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية".

وربما كان من مصادفات التاريخ الحديث أن يتزامن صدور الكتاب المذكور في عام 1776 مع يوم الاستقلال عن انجلترا الاستعمارية الذي حققته دولة أعلنوها يوم 4 يوليو من ذلك العام وحملت اسمها المعروف: الولايات المتحدة الأميركية.

ومن عجب أن تتعمق مثل هذه المصادفات لتربط حتى يومنا هذا بين الولايات المتحدة وبين فكرة الكيان الامبراطوري، الذي ظلت أحلامه وهواجسه تراودها عبر العقود الطويلة التي زادت اليوم على 24 عقدا من عمر الزمان الحديث.

صحيح أن عهد الامبراطوريات الإمبريالية ولّت أيامه (امبراطوريات اسبانيا وانجلترا وفرنسا كمثال) ولكن الصحيح أيضا أن فكرة "الإمبراطورية" مازالت تمثل واحدا من محاور الفكر السياسي الأميركي حتى زماننا الراهن. لا من منظور السيطرة الكولونيالية التي انقضى عهدها، ولكن من منظور تطلّع أميركا وعاصمتها واشنطن إلى دور يتسم بهذه السمات الإمبراطورية من حيث النفوذ والهيمنة والكلمة الأعلى، سواء في منظومة الأمم المتحدة أو على الساحة الدولية على وجه العموم.

 

هكذا تكلم فوكوياما

ولقد تجلى هذا الاهتمام الإمبراطوري في العديد من الدراسات والكتب والطروحات التي شهدتها الآونة الأخيرة، وخاصة بعد انهيار وزوال الخصم السوفيتي الذي كان يناطح أميركا وتطلعاتها مع بداية عقد التسعينات من القرن العشرين.

يومها كتب البروفسور فرانسيس فوكوياما أطروحته الشهيرة بعنوان "نهاية التاريخ" مبشرا بنظام عالمي جديد تتبوأ فيه أميركا مكانة قائد الأوركسترا في المعزوفة التي تحمل اسم القرن الواحد والعشرين.

ويومها أيضا كتب "صمويل هنتنغتون" دراسته بعنوان "صادم الحضارات" التي تصور صراعا مستقبليا بين عالم متقدم وحضارة فتية صاعدة تقودها أميركا وبين "الآخرين" الذين تضم صفوفهم شعوب الجنوب ومنهم من ينتمي إلى عالم الإسلام والمسلمين.

لكن على الجانب الآخر كان هناك من المفكرين الأميركان من اختار نهجا أكثر رشدا فيما نتصور وأقل اندفاعا.

هكذا أصدر البروفيسور "جوزيف ناي" أستاذ علم السياسة بجامعة هارفارد كتابه بعنوان "تناقض الإمبراطورية" محذرا من أن عالم الألفية الثالثة كفيل بأن تصاحبه متغيرات في موازين القوى على خارطة العالم، وبمعنى أنه لم يعد ثمة مجال لحكاية الإمبراطورية أو انفراد أميركا بمقاليد عالمها وعصرها خاصة في ضوء صعود قوى مستجدة، ولابد وأن يحسب لها حساب، وكان في مقدمتها كل من الصين والهند.

وربما كان هذا المسار من الأفكار المطروحة والأفكار المضادة أمرا ميسورا لو لم تكن أميركا في أيامنا هذه بالذات تعيش تجربة الخيار الانتخابي خلال فترة التجديد لولاية الرئيس أوباما بين حزبه الديمقراطي ومعارضيه في الحزب الجمهوري، وفي هذا الإطار يشهد الخطاب السياسي الحالي في الولايات المتحدة مقولات وطروحات تكاد تطمئن الأميركيين على استمرار المكانة التي طالما تمتعت بها بلادهم، وخاصة بعد أن قادت المعسكر الغربي في تحقيق الانتصار على دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، وهو انتصار تحقق ضد "هتلر" في وسط أوروبا وضد "موسوليني" في جنوبها ثم ضد المنافس الياباني في أقصى الشرق من الكرة الأرضية.

 

عالم ما بعد أميركا

والحق أن هذا الخطاب السياسي اجتاز مراحل من المد والجزر، كما قد نتصور. ففي عام 2004 حاول الكاتب الأميركي هندي الأصل فريد زكريا أن يطمئن وطنه المستجد الذي تبنّاه، فكتب يقول إن أميركا أصبحت "قطبا وحيدا غلاّبا وشاملا" وبشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ منذ امبراطورية روما.

وقبل أن يساور الاطمئنان المنشود أفئدة الأميركيين، بل قبل أن يبلعوا ريقهم كما قد نقول غيّر فريد زكريا آراءه، بعد 4 سنوات فقط لا غير، فكان أن أصدر كتابه في عام 2008 تحت عنوانه المعروف: "عالم ما بعد أميركا".

من هنا كان لابد وأن تخف دعايات الحزب الجمهوري إلى معاودة طمأنة الأميركيين، وأن توجه بالمرة سهام الانتقاد إلى ما حسمته إدارة أوباما أخيرا، حين تدارست عقابيل الأزمة المالية فكان أن قررت تخفيض نفقات الدفاع ضمن بنود الميزانية القومية، وكان الهدف هو إعادة توجيه الوفرات لتصّب في صالح مشاريع رآها أوباما ومساعدوه أجدى نفعا بالنسبة لعامة مواطنيه، وكان في المقدمة تعميم التأمين الصحي وتوسيع حجم العمالة.

في ضوء هذه الملابسات يصدر الكتاب الذي نعايش طروحاته في هذه السطور، خاصة وأن مؤلفه يعد من صقور السياسة في دوائر الحزب الجمهوري، بل هو يعمل اليوم مستشار الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية في حملة "ميت رومني" المرشح الجمهوري المنافس للرئيس أوباما.

سطور كتابنا تكاد تشّن حملة تشجيع وتطمين وزرع الثقة بشأن استمرار دور أميركا القيادي والطليعي، حتى لا نقول دورها في الهيمنة والسيطرة بوصفها القوة رقم واحد في العالم الذي نعيش فيه. صحيح أن البروفيسور "زبغنيو بريجنسكي" مستشار الأمن الأسبق في البيت الأبيض أصدر أخيرا، كتابه على النهج نفسه بعنوان "الرؤية الاستراتيجية" إلا أن مؤلفنا "روبرت كاجان" اختار لكتابه عنواناً أكثر دلالة وربما أشد مباشرة بل وتحديا وهو: "العالم الذي صنعته أميركا".

من الكولا إلى البحث العلمي

هنا نصادف تلميحاً لا يكاد يخفى إلى أن عالمنا هو في نهاية المطاف "من صنع أميركا"، ابتداء من سراويل الجينز ومشروب الكولا وعلكة الشوينغم ونطق الإنجليزية من خياشيم الأنف، وليس انتهاء وهذا هو الأهم بقوات مسلحة عملاقة ومراكز علمية سوبر ضخمة ومقتدرة معنية بجهود البحث والتطوير، وصولا إلى ملاحم ارتياد القمر والبث الفضائي واكتشاف النانو تكنولوجي، فما بالنا بتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تبشر بدخول العالم عصر الثورة الرقمية بكل ما تنطوي عليه من اختراقات وفتوحات.

يذكر أيضا أن الرئيس أوباما قرأ أخيرا، الأطروحة المحورية التي ارتكزت عليها مقولات هذا الكتاب حيث سبق لمؤلفه أن نشر مقالة ضافية في مجلة "نيوريببلك" اليمينية الاتجاه وجاء عنوانها كما يلي: "خرافة الانحدار الأميركي".

وهنا تقول مراجع البيت الأبيض إن الرئيس أوباما أوْلى كثيرا من العناية لما أكد عليه المؤلف الجمهوري الاتجاه كما ذكرنا من تأكيد أهمية أن تعمل الولايات المتحدة بغير هوادة من أجل الحفاظ على مسؤولياتها العولمية (أو الكوكبية).

ورغم الصورة السوبر إيجابية التي يرسمها مؤلف الكتاب عن أميركا وسلوكياتها السياسية، وخاصة على الساحة الدولية فقد واجهت هذه الفصول من كتابنا نقدا ليس بالهين من جانب كثير من محللي هذا الكتاب.

ها هو الناقد "ميتشكو كاكوتاني" (نيويورك تايمز عدد 13/2/2012) يتحفظ على مبالغات مؤلف كتابنا الذي يقول بين سطور الكتاب ما يلي:

"إذا ما تدهورت القوة الأميركية فلسوف تتدهور أيضا المؤسسات والمعايير التي طالما استندت إلى تلك القوة، باعتبار أن هذا الانتشار العظيم للديمقراطية وللرخاء والازدهار، فضلا عن ذلك الأمد الطويل من السلام، كل ذلك ظل يعتمد بصورة مباشرة وبصورة غير مباشرة على القوة والنفوذ اللذين مارستهما الولايات المتحدة الأميركية،.".

 

قليل من الاطمئنان

في هذا السياق لا يتورع المؤلف عن طمأنة مواطنيه، موضحا أنه لا خشية من الصين رغم صعودها السريع والصريح والمتواصل، وقد ظل يتساءل في هذا الصدد قائلا: ألم يسبق لأميركا أن ساورتها الخشية خلال منافسة الاتحاد السوفيتي لها في حقبة الحرب الباردة، فأين هو المنافس السوفيتي الآن؟

مع هذا كله، يعترف المؤلف بأن أميركا باتت اليوم تفتقر إلى القدرة على إملاء إرادتها في أمور شتى، ولكن هذه السلبية لم تحل بينها في رأيه وبين أن تواصل نهجها الذي تعودت عليه في الماضي سواء بتحقيق نجاحات أو بمواجهة سلبيات.

وهنا أيضا ينعي النقاد على مؤلفنا أنه يشيد بما يتصوره نجاح أميركا في العراق مقابل ما منيت به من فشل في فيتنام، حيث يقول الناقدون إن ما يصفه الكتاب بأنه نجاح في العراق مازال محل نظر إلى حد بعيد، وإن كان المؤلف قد أتعب نفسه بالفعل كي يعيد الثقة إلى مواطنيه، وربما إلى ساسة بلاده، حين عمد إلى التذكير بما سبق وأن واجهته أميركا خلال عقد السبعينات من مشكلات وخيبات ثم استطاعت أن تتغلب عليها، ويكفي أن يستعيد كتابنا في هذا السياق ذكريات أحداث من قبيل فضيحة ووترغيت أو مستنقع فيتنام أو أزمة البترول.

مع ذلك فالمؤلف يتجاهل أن بلاده باتت الآن تواجه مشكلات من نوعية جديدة ويذكر منها محللو هذا الكتاب تدني مستويات التعليم وارتفاع حواجز التمييز بين الطبقات طبعا على حساب مصالح الطبقات الفقيرة فما بالنا بمعدلات التضخم المتزايدة مصحوبة بمعدلات متفاقمة من البطالة، والأفدح من هذا أيضا هو حجم الديون المستحقة في ذمة الخزانة القومية الأميركية لحساب الصين المنافس المستقبلي كما صَّنفها من قبل الكاتب فريد زكريا وهو حجم مخيف بكل مقياس إذ بلغ أخيرا تريليون دولار.

ورغم النبرة شبه المتفائلة التي تكاد تسود صفحات هذا الكتاب، فإن المؤلف، ربما بحكم انتمائه لفصيل المحافظين الجدد، وأيضا لصقور الحزب الجمهوري في أميركا يحرص على تنبيه قارئيه إلى خطر الإفراط في التفاؤل، حين يتعامل بمنطق التحفظ ومن ثم الرفض إزاء المنطق الذي يقول ان شعوب العالم باتت ترفض الحرب وتشغف بالسلام، أو أن أميركا لم تعد بحاجة إلى أن تخشى من الصين أو من روسيا، وفي هذا السياق أيضا يتحفظ المؤلف على مقولة أصبحت مطروحة ورائجة في أوساط شتى من دوائر صنع السياسة والدراسات الأكاديمية في الولايات المتحدة وفي أقطار عدة خارجها.

والمقولة مطروحة كالتالي: لم يعد من سبيل لاشتعال الحروب أو اندلاع الصراعات المسلحة من أجل الاستيلاء على الأرض، إذ لم تعد مساحات الأرض بالأمر المحوري أو المهم في هذا العصر الذي أصبح يتسم بالطابع الرقمي (ديجيتال) وهو أيضا عصر الاعتماد المتبادل أو هو عصر التكافل في مجال الاقتصاد.

 

التراجع ليس محتوماً

باختصار يرى المؤلف، عبر فصول كتابه، أن تَراجُع المكانة ليس قدرا محتوما بقدر ما أنه اختيار في المقام الأول، وأن إدارة أوباما الديمقراطية الراهنة انطلقت على ما يبدو من هذا الاختيار ومن ثم فهو يقول خلال السطور إنه ما عكف على تأليف الكتاب إلا بعد أن لاحظ استسلام الناس في بلاده لمقولة إن أميركا تسير على طريق التراجع ومن ثم الانحدار شأن أي امبراطورية أخرى في التاريخ، وبذلك فقد تقبلوا، في رأيه، خفض ميزانية الدفاع ودعوة الانكفاء على الداخل، وبهذا فهم يتخلون عن الدور الذي طالما اضطلعوا به على مدار عقود عديدة في الماضي.

وفيما تسلّم فصول الكتاب بضرورة استثمار القوى الناعمة التي تملكها أميركا (في مجالات من قبيل الثقافة والفنون وسائر نواتج الابتكار وثمار الإبداع) إلا أن "روبرت كاجان" لا يلبث أن يؤكد في أكثر من موضع من هذا الكتاب على أهمية أن تستند هذه القوى الناعمة على حد تعبير الأكاديمي "جوزيف ناي" - إلى دعامة من القوى الخشنة وفي مقدمتها القوى العسكرية بطبيعة الحال.

وفي كلتا الحالتين فالكتاب يدعو أميركا إلى التأكيد المتواصل على دورها المحوري بالنسبة للعالم. وفي هذا الصدد أيضا يذهب المؤلف سواء في فصول الكتاب أو على نحو ما أكده بنفسه مؤخرا في حوار مذاع (بتاريخ 14/2/2012) إلى أن القوة العسكرية لأميركا تهيئ الأساس لاستمرار بل وازدهار التجارة العالمية، بمعنى أن السيادة البحرية لأساطيل الولايات المتحدة تدعم في رأيه استمرار نظام مفتوح للتبادل التجاري الدولي. وبقدر ما تتمكن أميركا من بسط قدراتها على مسارح بعيدة على خارطة العالم بقدر امكاناتها في العمل على استتباب الاستقرار والأمن لصالح حلفائها في تلك الأنحاء والأصقاع يستوي في ذلك كما يضيف مؤلفنا آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وفيما يتصل بالتعاون بين واشنطن وبين المنظمات المتعددة الأطراف، سواء كانت دولية مثل الأمم المتحدة أو كانت إقليمية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يؤكد الكتاب في فصوله الختامية على أن تلك المنظمات دولية كانت أو إقليمية لا يمكن أن تكون بديلا عن تسلم أميركا زمام القيادة، وذلك بعد أن أصبح مجلس الأمن الدولي، كما وصفه المؤلف مشلولا بفعل الانشقاق الحاصل بين الدول الديمقراطية على حد وصفه وهي أميركا وفرنسا وبريطانيا من جهة وبين نظم أوتوقراطية كما يراها المؤلف في الصين أو في روسيا من ناحية أخرى.

وهو أيضا يعترف بأن السلوك الأميركي لم يكن يحوز قبول الشعوب ورضاها على طول الخط، بل يسوق في هذا المقام أمثلة من التاريخ القريب، وصل بعضها إلى حد الاعتذار مثلا عن عدم استقبال الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور خلال عقد الخمسينات في زيارة إلى اليابان بعد أن حذرته حكومة طوكيو وقتها بأنهم لن يضمنوا سلامته بوجه تظاهرات الطلاب اليابانيين الرافضة لما وصفوه بأنه الامبريالية الأميركية.

والمعنى أنه ليست هناك دولة فوق النقد، حتى ولو كانت دول عظمى.

والفيصل في هذا كله، هو تحقيق المصالح الوطنية الحيوية للدول المعنيّة، وهذا هو المحور الجوهري الذي ظل مؤلف هذا الكتاب يؤكد عليه، على الرغم مما ادعاه من عنوان كتابه من أن العالم الذي نعيش فيه، ولاسيما منذ الحرب العالمية الثانية لا يزال من "صنع أميركا" بصورة أو بأخرى.

عدد الصفحات: 149 صفحة

تأليف: روبرت كاجان

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: ألفرد نوبف، نيويورك، 2011