صدر هذا الكتاب، أخيرا، ومازال يحوز اهتمام النقاد والمحللين، أولا لأن مؤلفته تعد من أهم الصحافيين الأميركيين الذين نبغوا في ميدان الصحافة الاستقصائية، وثانيا لأنها اختارت الهند موضوعا للكتاب، خاصة وأن الهند ما برحت موضع اهتمام الساسة في الولايات المتحدة، لدرجة أن هناك من يعدها في مرتبة "الحليف" بالنسبة إلى واشنطن مقابل موقع "الغريم" الذي يضعون فيه الصين، على نحو ما فعل مثلا الكاتب الأميركي الهندي الأصل "فريد زكريا" في كتابه الشهير بعنوان "العالم بعد أميركا".

وثالثا لأن المؤلفة اعتمدت منهج التحقيق الميداني الذي امتد فترات مطولة على صعيد واحدة من أفقر المناطق العشوائية في مدينة بومباي حيث لم تكتف الكاتبة "كاثرين بو" بمجرد الزيارة لاستقاء المعلومات اللازمة لمادة الكتاب، ولكنها عمدت إلى الإقامة في منطقة البحث والتعايش والتفاعل مع سكانها، مما أكسب الكتاب قدرا لا يخفى من التميز والمصداقية.

فضلا عما أوردته من تحليل لواقع ومستقبل المسيرة الديمقراطية والأوضاع الرأسمالية في الهند، وهي مسيرة تجمع بين نجاحات مشهودة وبين آفات وسلبيات تجسدت فضلا عما عاينته بنفسها في عشوائية "اناوادي" قرب مطار بومباي.

في تفشي آفات الفساد الإداري أو الحكومي وهو ما أصبحت تواجهه دعوات سلمية على طريقة غاندي وأيضا حركات عنيفة على طريقة ماوتسي تونغ، إضافة إلى ظهور فئات جديدة من محدثي النعمة ممن باتوا يرفضون أي دور للدولة.

 

 

 

في سنة 1937 صدر كتاب بالإنجليزية في لندن، وكان بقلم كاتب لم يكن قد حاز شهرته الذائعة بعد وكان عنوان الكتاب هو: "الطريق إلى ويجان بيير". أما الكاتب الذي ذاعت شهرته مع أواخر الأربعينات من القرن الماضي فكان اسمه كما يلي: جورج أورويل.

وعلى الرغم من أن أورويل مازال اسمه الذائع مرتبطا بروايته المفصلية الخطيرة التي حملت عنوان "العالم سنة 1984" (وكان قد أصدرها في سنة 1949) كي يرسم فيها بتفاصيل مخيفة صورة نظام دكتاتوري يكتم أنفاس مواطنيه ، بالأدق رعاياه شبه المستعبدين ويصادر حرياته ويزيف حقائق حياتهم، الخ، إلا أن العمل المبكر الذي أصدره أورويل كما أسلفنا في عام 1937 كان يرسم صورة مفزعة بدورها، ولكن لأحوال الفقر ومعاناة الفقراء في العصر الحديث، وهي معاناة تجاوزت كما صورتها الرواية الإنجليزية المذكورة حدودا تجاوزت طاقة البشر أو احتمال الإنسان.

على هذه الخلفية التي سبقت إلى تمهيدها رواية "الطريق إلى ويجان بيير" صدر الكتاب الذي نتعايش هنا مع صفحاته وفصوله فيما يلي من السطور.

ورغم أن الكتاب لا ينتمي إلى فن القصّ ولا موهبة الإبداع الروائي، إلا أن مؤلفته، الكاتبة الأميركية "كاثرين بو" شاءت أن تنسج مضامينه وكأنها تحكي حكاية متشابكة الفصول وبالغة التأثير، إنها حكاية الفقراء ومأساة الفقراء من جديد، وبرغم أن "أورويل" أصدر كتابه الباكر عن الفقر في الغرب، فقد اختارت "كاثرين بو" أن تؤلف كتابها الصادر مؤخرا عن الفقر في الشرق.

وفي الهند بشكل خاص، بل في الحاضرة الهندية بومباي على وجه التحديد، ومفهوم أن بومباي، بكل صخبها وبكل ديناميتها وبكل شهرتها، عادت في السنوات الأخيرة كي توضع تحت أضواء من الشهرة والاهتمام كيف لا وقد استرعت أنظار العالم أخيرا، وخطفت أضواءه بعد عرض الفيلم الشهير الذي تناول حياة شاب من قاع تلك المدينة، شاءت حظوظه الباسمة أن تتحول به من حياة الحرمان إلى عالم المليونيرات.

 

السفر إلى بومباي

على الضفة الأخرى من الحكاية، فقد شاءت حظوظ الصحافية الأميركية مؤلفة كتابنا، أو أنها اختارت عن حرفية مهنية راقية وعن وعي إنساني عميق أن تسافر إلى بومباي وأن تعيش في أفقر أحيائها وأن تعايش أتعس سكانها، لا من زاوية زائرة وافدة من بلد ثري ومتقدم في غرب عالمنا.

ولكن من زاوية الكاتب المحترف لمهنة صحافة الاستقصاء البحثية الرصينة والحريصة على النفاذ بعمق وروية وصبر وأناه خلف اللافتات الدعائية المزوقة والشعارات المصبوغة بكل ألوان الطيف وهو ما انعكس في اختيارها لعنوان كتابها الذي جاء وكأنه يطرح التساؤل التالي: ترى: ماذا يكمن مستترا خلف ستار الجمال الذي لا ينتهي أو الذي لا تحده حدود؟

وربما جاءت إجابة هذا التساؤل في العنوان الفرعي لكتابنا، وهو: الحياة والموت، والأمل في قاع بومباي، (أو في عشوائية بومباي).

ويستخدم العنوان مصطلح (UNDER CITY) المرادف لمعان شتى، وإن جمع بينها معنى قاع المدينة أو الحي العشوائي أو مكمن الفقر ومثوى التعاسة ومحور الحرمان، والغريب أن المؤلفة بدت وكأنها ذابت خلال إقامتها في تلك العشوائيات إنها كادت تنكر ذاتها، وهي تعكف على تصوير حياة أفقر عشوائية تحمل اسم "اناوادي" وتقع يا للتناقض على مقربة من مطار بومباي بكل ما يتمتع به من ازدهار وما يتسم به من طابع الحداثة والثراء.

لا تظهر كلمة "أنا" أو مشتقاتها بين صفحات هذا الكتاب البالغة 256 صفحة إلا عند صفحة 247، التي تكاد تؤذن بنهاية هذا المبحث المؤسسي الذي عكفت عليه الكاتبة الصحافية الأميركية، رغم اعتلال صحتها، وعلى مدار أشهر عديدة أمضتها في جمع المادة وفق منهج ميداني اختطته لنفسها وكان ذلك ابتداء من عام 2007.

 

كتاب أقرب إلى الرواية

لا عجب أن يصف المحللون مادة الكتاب وسياقاته بأنه جاء أقرب إلى الرواية السينمائية الشهيرة التي نالت جوائز عالمية منذ سنوات قليلة حول المليونير الحافي، أو مليونير العشوائيات، ولكن بغير النهاية السعيدة التي وضعتها أو فلنقل اصطنعتها مؤسسات "بوليوود"، وهي الاسم الهندي كما نعرف لمؤسسة هوليوود، الهندية بطبيعة الحال.

هذا المنهج الروائي وهذا المبحث الميداني هو الذي يتيح لنا كقارئين أن نعايش حياة "الكائنات" البشرية التي شاءت حظوظها أن تولد وتعيش، أو أن تولد ثم تهاجر من الأرياف الفقيرة إلى حي "اناوادي" الأكثر فقرا والأنكى تعاسة قرب مطار بومباي ثم هاهي الكاتبة الزائرة تأتي من العاصمة الأميركية واشنطن حيث تقيم وتفارق حياتها المرتبة الوادعة، وزوجها الأستاذ في جامعة جونز هوبكنز، حيث يحدق فيها سكان الحي البائس فوق أرض الهند.

وكأنهم يتساءلون في مزيج من الدهشة والاستنكار عن مآرب هذه الشقراء الغريبة التي تبدو واهنة القوى، متعثرة الخطى، فإذا بها تنفذ من جنبات ذلك السور المصطنع الذي يطوق العشوائية الفقيرة، أو الذي يحاول أن يستر ما يدور بداخلها، سور من الأسمنت الذي يحمل فوق جدرانه لافتات من الفانتازيا الملونة التي ترفع شعاراتها عبارة "جميل إلى الأبد" (وهو ما اختارته المؤلفة عنوانا رئيسيا للكتاب في لفتة من المفارقة الساخرة بطبيعة الحال).

أما العنوان الفرعي الألصق بتعاسة الواقع الحقيقي المعاش وقد جاء العنوان المذكور، كما ألمحنا، عن الفقر والموت، فهو واقع صورته سطور الكتاب وقد أحدقت به بحيرات مجاري الصرف الصحي الراكدة وتلال النفايات ومخلفات البتروكيماويات والركام المتبقي من وقت هبوب أعاصير الرياح الموسمية (المونسون).

وكل ما يمكن أن يعصف من حيث نوعيته وبقاياه وقذارته وروائحه، بذوق الإنسان، وراحة الإنسان وصحة الإنسان، هنا تروي المؤلفة كيف أن قدمها عثرت ذات مرة فيما كانت تسجل لقطة بالفيديو، فكان أن انغمست لحظة خاطفة في بحيرة المواد الكيماوية المتخلفة، وما أن سارعت بانتشال قدمها، حتى فوجئت بساقها وقد استحالت إلى لون أزرق مخيف.

 

امرأة بيضاء مجنونة

صحيح أن أهالي العشوائية الهندية بدأوا يتساءلون عما تريده تلك "المرأة البيضاء المجنونة" لكنهم ما لبثوا أن اعتادوا على زيارتها وعلى تواصلها الجاد مع ما يعيشونه ومع ما يعانون، من هنا أمكن لها أن تحدثنا عن هؤلاء الفقراء الذين تصفهم بأنهم "النفوس التاعسة" كيف لا وقد بلغ بهم الحرمان الرهيب الحد الذي "باتوا يطاردون فيه الجرذان والضفادع كي يصطادون.

ولا يتورعون عن طبخها وتقديمها على مائدة طعام،"، فإن لم يجدوا كما تقول المؤلفة أيضا فدونهم كذلك الحشائش الطفيلية التي تنمو على حواف بحيرات المجاري، حين لا يجدون بديلا لسد الرمق واستمرار، مجرد استمرار الحياة.

وما لنا أيضا بالوافدين من أرياف الهند، هم النازحون الأكثر تعاسة الذين يحاولون الفرار أو النجاة من قطاع زراعي تصفه المؤلفة بدوره بأنه يعاني من الأزمات، وعندما يأتون إلى المدينة فهم يشكلون فائضا شديد الغزارة من العمالة الرخيصة في بومباي، ويبلغ بهم يأس البحث عن أي فرصة عمل الحد الذي يشهد حادثة الآلة التي يمكن أن تؤدي إلى قطع يد الصبي العامل، فإذا بالصبي يتوجه إلى صاحب العمل، مؤكدا لسيادته أنه لن يبلغ السلطات عن الحادثة المريعة فيما تظل ذراعه المهيضة تقطر بالدماء.

في العشوائية تموت البنات أيضا، يلقين مصارعهن وسط ظروف ملتبسة وتبعث على الارتياب في بعض الأحيان، وهنا أيضا يستشري فساد الإدارات والمؤسسات الحاكمة وفي مقدمتها الشرطة القادرة على تكييف الأمور حتى ولو لجأوا إلى شهود الزور المجلوبين والمكلفين لقاء أجر معلوم.

تقول كلمات نشرتها "نيويورك تايمز" (عدد 9/2/2012) في معرض النقد التحليلي لهذا الكتاب، بقلم يحمل إيقاعا هنديا وهو "بانكاج ميشرا": إن الأمر يبدو أقرب إلى نوع من الصراع الدارويني (بمعنى صراع البشر من أجل البقاء على قيد الحياة) وقد صورته فصول هذا الكتاب الذي لم يأت، على النسق التقليدي بقلم زائر من العالم الأول إلى العالم الرابع ولا طبعا من خلال نظرة سياحية أو حتى نظرة الدارس الذي يطل على الظاهرة المدروسة بقدر لا يخفى أحيانا من التباعد (تحت ستار الموضوعية) دعك من الاستعلاء.

إن مؤلفة الكتاب لا تعيش دور المفسر الخارجي ولا الكاتب الباحث عن مغامرة أو عن جديد ومثير وغريب أو طريف ينقله إلى قارئيه، بدلا من هذا كله يشعر قارئ هذا الكتاب بمدى الحساسية التي تصدر عنها المؤلفة إزاء ما عايشته من مكابدة البشر، لدرجة أن جاءت كل صفحة من صفحاته، على نحو ما تقول كلمات "بانكاج ميشرا" وكأنها تنضح بمدى التفهم والتعاطف والتشارك مع تجارب الحرمان والمعاناة، فضلا عن تصميم هذه الجموع غير المحظوظة على مواجهة ما ينجم عن حظوظهم الضيقة من مشكلات، بعضها يصل إلى حافة الكوارث في بعض الأحيان،

في هذا السياق بالذات تتطرق الكاتبة الأميركية وقد كانت محررة يعتد بها في صحيفة"واشنطن بوست" بكل وزنها السياسي إلى قضية الديمقراطية الهندية التي ما برحت مثار الاهتمام وربما الإعجاب على مستوى العالم.

 

عن الديمقراطية والفقر

صحيح أنها تسلم بأن هذا العالم يشيد بديمقراطية الهند، من منظور المقارنة التي لا فرار منها مع شمولية الصين، لكن المؤلفة تصارح قراءها أيضا بأن الأمر لا يزال بحاجة إلى بذل جهود أكثر من مضنية، ولكي تتحول هذه الديمقراطية من "لعبة قومية"، إلى حيث تصبح أداة فعالة للتصدي للمشاكل المزمنة للهند ما بين الفقر والمرض والأمية إلى عمالة الأطفال، وبحيث يتمثل الهدف، على نحو ما يضيف هذا الكتاب، في القضاء على "استغلال المستضعفين بواسطة الأقل استضعافا وهو استغلال لا يلقى سوى الحد الأدنى من التدخل بغية إنهائه،".

على الطرف الآخر من المعادلة نفسها تطرق مؤلفة كتابنا تخوما نراها بالغة الأهمية حين لا تتورع عن الإشارة إلى فئات مستجدة في مجتمع الأثرياء أو الأقوياء بالهند المعاصرة وتصفها بأنها عناصر من محدثي النعمة كما قد نصفهم ممن أصبحوا لا يطيقون أو لا يكادون يطيقون أعراف الديمقراطية الهندية بل وصلوا حتى إلى النيل منها أو ازدرائها(!).

وباتوا كما تضيف المؤلفة شأن غيرهم في مواقع أخرى من عالمنا، يريدون إلغاء التزامات الحكومة إزاء العدل الاجتماعي والعمل على رفاه جماهير البسطاء، بدلا من تعزيز تلك الالتزامات، وفي هذا السياق بالذات توضح "كاثرين بو" هذا العنصر المستجد على الهند فتمضي قائلة:

بالنسبة لهذه الفئات من الهنود (المحظوظين) تم استئجار واستخدام عناصر للأمن الخاص (بودي جارد) واستخدموا وسائل لتنقية مياه الشرب وأرسلوا أبناءهم إلى مدارس التعليم المخصوص، ثم توالت هذه الممارسات التي اتبعوها إلى حيث تبلورت لتصبح مبدأً يقول بالتالي: أفضل الحكومات هي تلك التي تخلي الطريق بغير تدخل على الإطلاق.

 

غاندي أم ماوتسي تونغ؟

هنا يواصل كتابنا تحليله، موضحا أن مثل هذه الأجواء التي تدعو إلى إبعاد الدولة أو إقصاء الحكومة مع ترك العنان كاملا لقوى الفعاليات الخاصة، أفرخت آفة الفساد التي ظلت تستشري إلى حيث أثارت في الفترة القريبة الماضية حركة مقاومة وطنية من جانب عناصر من مثقفي الهند وطلائعها منها من أعلن العصيان المدني ومنها من أعلن الإضراب عن الطعام.

لدرجة أن أطلق عليها المراقبون الوصف البليغ التالي: الحركة شبه الغاندية. في إشارة بالطبع إلى ما سبق إليه زعيم الهند الكبير المهاتما غاندي (1869-1948) خلال مرحلة المقاومة الوطنية الباسلة التي قادها ضد الاستعمار البريطاني.

وفيما تعد الحركة الغاندية المذكورة اتجاها مسالما وربما توافقيا بشكل من الأشكال، فإن المؤلفة تعرض في الوقت نفسه إلى حركة أخرى تصفها بأنها انبعثت من جديد في ربوع الهند وقد بلغ عمرها كما يؤكد الكتاب 40 عاما. إنها حركة الثوريين الماويين (نسبة إلى زعيم الصين ماوتسي تونغ). وهي حركة تتوسل بالعنف الذي تشن حملاته ضد ما تصفه المؤلفة بأنه "الرأسمالية والدولة الهندية".

ولأنها حركة تستغل انتشار لعنة الفقر أو النبذ أو الحرمان بين صفوف الملايين، فقد اتسع نفوذها إلى أن شمل نحو الثلث من مقاطعات الهند البالغ عددها 627 مقاطعة، وهم لا يتورعون كما يضيف الكتاب عن شن حرب عصابات تستخدم الألغام الأرضية والصواريخ والقنابل المسمارية والمدافع وكان طبيعيا أن تعدهم الأوساط المسئولة في الهند على أنهم يمارسون "تدخلا فوضويا في مواجهة النجاح العظيم للرأسمالية".

تخلص صاحبة هذا الكتاب إلى تبيان أن الأمر لم يعد في زماننا يقتصر على الهند ثم تقول: إن ما ينكشف الآن في بومباي إنما يتكشف كذلك في مواقع أخرى من العالم ما بين نيروبي (كينيا) إلى سنتياغو (شيلي) وما بين واشنطن إلى نيويورك، أمـــــا العنصر الجــــامع بين هـــــذا كله فيجسده شعور الناس المشترك بأن ثمــــة أزمة أو معضلة ما برحت تواجههم علــــى ذات الطريق.