قبل فترة وقع حادث مروري في الصباح عندما كنت ذاهبة إلى عملي، وتحديداً عند الإشارة المرورية، حيث قامت سيارة مسرعة بصدم عدة سيارات متوقفة عند الإشارة المرورية في الجهة الجانبية، والواضح أن قائد السيارة لم يترك مسافة آمنة بينه وبين السيارات، وربما كان منشغلاً بهاتفه، فلم ينتبه أو لم يقدر المسافة المتبقية عن السيارات المتوقفة بشكل صحيح، فاصطدم بأكثر من سيارة وتسبب بحادث كبير.

بحسب الدراسات فإن عدم ترك مسافة آمنة بين السيارات قد يسبب في الكثير من الحوادث، وهذا الأمر دعونا نقيسه على العلاقات الإنسانية، فهناك حكمة شهيرة تقول: «إن النجاح في العلاقات الإنسانية يكمن في إتقان فن المسافات فلا تقترب إلى حد إبصار العيوب، ولا تبتعد إلى حد نسيان المحاسن».

العلاقات الإنسانية لا تبقى على حالها، فهي متغيرة وتحتاج من جميع الأطراف التأني والصبر ومراجعة النفس والذات، فهي لا تثبت على حالة واحدة. ولذلك فإن الكثير من علماء الطب النفسي والاجتماع ينصحون بالمسافات الآمنة ووضع حدود للعلاقات الإنسانية كونها تحمي الفرد من الوقوع في المشاكل مع الآخرين، والمطلوب من الجميع في كل مكان أن يراعي هذه المسافة، وأن يجعلها حلاً للمشاكل والابتعاد عن الوقوع فيها، فالموظف إذا جعل له مسافة وحدود في تعاملاته مع زملائه ومديريه سوف يساهم في تسهيل حياته، والطالب إن التزم بمنهجه ودراسته وواجباته وامتحاناته والبعد عن المشاكل مع زملاءه ستسير حياته على ما يرام، والحياة الزوجية إن تخللها مسافة آمنة فحتماً سوف تكسر ملل وروتين الحياة اليومية وتساهم في معرفة مزايا للطرفين وقد تعمل على تجديد للعلاقات بين الأطراف والشعور بالمسؤولية والواجبات اليومية، أن المسافة الآمنة لا يعني الانقطاع عن العلاقات الأسرية والتواصل مع الأحباب والأقرباء، إننا نحتاج إلى التقارب مع المحيطين بنا من أجل تعميق العلاقة وهذا ما نراه في تجمعات الأسر يوم الجمعة والمناسبات الرسمية والأعياد وحرصها على تجميع شمل الأسرة ونقل الخبرات بين الجميع.

إن نجاح العلاقة يكمن في الاقتراب من الآخرين بكل محبة ومشاركتهم اللحظات والتخفيف عنهم سواء بالأمور الإيجابية أو حتى منحهم الفرصة للتفكير في حياتهم بعمق وهدوء، وحدود العلاقات الإنسانية هي مسافة الأمان التي تحمينا من الاصطدام بالآخرين ومحاولة الحفاظ على الروابط وتقويتها، ولا سيما في ظل التكنولوجيا والتطور السريع في العلاقات ووجود وسائل التواصل الاجتماعي الذي سبب اليوم الكثير من المشاكل، إننا اليوم ربما بحاجة إلى خطوط حمراء ومساحة آمنة وخاصة يمكنها أن تكون أشبه بميزان صحي يمكن من خلاله التعامل مع الآخرين بذكاء وعدم التورط في علاقات لا قيمة لها.