يكتسب التراث يوميا الكثير من القيمة المعنوية لدى شرائح متعددة من الناس في مختلف المجتمعات، لم يعد التراث من المواضيع العابرة التي تهتم بها مؤسسة ما وباقي مفاصل المجتمع تنساه.
مع التطور التقني والتكنولوجي المهول الذي يعيشه العالم، نلاحظ أن العودة نحو الماضي ماثلة ومحاولة البعض من المجتمعات إخراج كنوز معرفية قديمة واضحة، هناك متاحف متزايدة يتم تعميرها في أكبر عواصم العالم توهجا بالتقنية الحديثة وفي أكثر مدن العالم تطورا، وهناك مواقع أثرية تم تحويلها كوجهة سياحية لكل زائر لتلك المدن.
والحقيقة أن القديم بصفة عامة ليس منفصلا عن الإنسان، ولا يمكن تجاوزه، فالماضي عملية مستمرة مع مسيرة البشرية، فما نعده اليوم حديثا وجديدا بعد بضع سنوات يتحول ويصبح قديما، قلة من يدرك أثر القديم وتحديدا فائدة التراث البالغة، هذه الفائدة التي تعتبر معنوية وأيضا معرفية.
ويكفي العلم بأن كثيراً من أسس البناء والتقدم تقوم على لبنة الماضي وعلى ما تم في حقب وأزمنة سابقة، ليس صحيحاً أن الماضي والقديم منفصل أو غير مهم، وقد أدرك هذه الحقيقة قادتنا وشيوخنا وهذا هو مؤسس بلادنا وقائد الاتحاد الوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمة الله، وفي عدد من توجيهاته وكلماته الخالدة عن التراث والآباء والأجداد يوضح تلك الفوائد التي تلقيناها واستفدناها فهو يقول: "على شعبنا ألا ينسى ماضيه وأسلافه، كيف عاشوا وعلى ماذا اعتمدوا في حياتهم وكلما أحس الناس بماضيهم أكثر، وعرفوا تراثهم، أصبحوا أكثر اهتماما ببلادهم وأكثر استعدادا للدفاع عنها".
ومن هذه الكلمات تتضح فائدة وقيمة جديدة للتراث وهي أولاً تنمية الحس الوطني وتقوية الانتماء في القلوب والأرواح، لأن في مثل هذا الاهتمام بالتراث التصاق بالهوية والجذور، فيه استشعار للأرض التي عاش عليها الآباء والأجداد، الأرض التي تتميز بحرارتها وقسوة مناخها والذي كانت الحياة عليها بمثابة تحدي يومي قاسي وصعب، لذا نجد الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مناسبة أخرى يقول: "إن الجيل الجديد يجب أن يعرف كم قاسى الجيل الذي سبقه، لأن ذلك يزيده صلابة وصبرا وجهادا لمواصلة المسيرة التي بدأها الآباء والأجداد وهي المسيرة التي جسدت في النهاية الأماني القومية بعد فترة طويلة من المعاناة ضد التجزئة والتخلف والحرمان".
ومن خلال هذه الرؤية نجد الفائدة الثانية وهي أهمية الوعي بتفاصيل حياة الآباء والأجداد، ومعرفة جوانب حياتهم وكيف تغلبوا على تلك الظروف الحالكة القاسية، هي بمثابة دروس قيمة عظيمة لكل من ينشد تعليم الجيل الجديد فضائل العمل والتحمل والصبر، وكما قال القائد الراحل الشيخ زايد بن سلطان: "إن الآباء هم الرعيل الأول الذي لولا جلدهم على خطوب الزمان وقساوة العيش لما كتب لجيلنا الوجود على هذه الأرض التي ننعم اليوم بخيراتها". وهذه حقيقة أو الفائدة الثالثة التي يضعها مؤسس اتحاد بلادنا، رحمة الله، بين أيدينا لفهم كيف حدث كل هذا التحول وكيف نجحنا وتمكنا من التقدم والتطور، وهي حقيقة الامتداد مع الأسلاف ومع تراثهم وكل ما ورثناه منهم من قيم ومبادئ في الحياة.
ومما سبق نجد أن توجيهات وكلمات الوالد القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمة الله، قد تضمنت أولا أن التراث ينمي الحس الوطني ويقوي الانتماء في القلوب، وثانيا أنه بفضل صبر وجلد وتحمل الآباء والأجداد على قساوة العيش وخطوب الزمن تمكن الجيل الحالي من العيش على هذه الأرض، أما الثالث فهو اكتساب القيم والمبادئ العظيمة والخبرات الحياتية الثمينة ولا ننسى رابعا أن استدامة التراث تحتاج إلى اهتمام ورعاية وحرص حتى نضمن نقله من الأجداد إلى الأبناء، وبطبيعة الحال أنه دون دراسة متعمقة لهذا التراث ولكل ما حمله من قيم ومبادئ فإنه لا يمكننا من إخراج هذه الكنوز المعرفية الحياتية الهامة لنا جميعا، نحن بحاجة للمزيد من الدراسة المنهجية الأكاديمية لحياة الآباء والأجداد لنخرج منها العبر والفوائد والقيم الحياتية التي نحتاجها في مسيرتنا لمستقبلنا.