مونديال المراجعة والمكاشفة

ت + ت - الحجم الطبيعي

كرة القدم تتربع على عرش رياضات الكوكب الأكثر شهرة ومتابعة. الأرقام تشير إلى نحو 3.5 مليارات مشجع ومتابع مع اختلاف درجات المتابعة بين الإغراق الكامل والمشاهدة الموسمية أو «الكاجوال» وذلك بحسب أهمية المباراة أو إثارتها أو حتى لعوامل لا تتعلق مباشرة باللعبة.

هذه اللعبة المعتمدة على «الساحرة المستديرة» – وهو اسم على مسمى - لا تتوقف عن تلقيننا الدروس واطلاعنا على معانٍ وقيم نسهو عنها أحياناً. وهي تفتح أعيننا من دون أن ندري على الكثير مما يدور في مجتمعاتنا وبقية مجتمعات الأرض من تفصيلات وتغيرات، لولا كرة القدم، لبقيت حكراً على أهلها من دون بقية العالم.

العالم خرج من مباريات مونديال 2022 بمخزون معتبر من المعرفة والمكاشفة والاكتشافات. فمونديال 2022 سيكتب اسمه في التاريخ المعاصر باحتسابه مونديالاً تعليمياً معرفياً، بالإضافة لكونه أحد أكثر المونديالات إثارة وتفرداً وحافلاً بالمفاجآت.

وستظل مفاجأة إنجازات المغرب محلاً للبحث ومثاراً للتفكير ومدعاة لمراجعة العديد من الأنماط التقليدية والصور الذهنية سابقة التعليب. صعود منتخب عربي إلى ما قبل قمة اللعبة الأكثر شعبية في العالم لم يعد مدرجاً بعد الغول والعنقاء والخل الوفي. لقد حدث بالفعل، ومرشح للحدوث مرات ومرات، ليس فقط في كرة القدم ولكن في كل مجال ظن بعضهم أنه حكر على آخرين.

الصعود غير المتوقع كشف الكثير من المستور. لدينا أزمة ثقة بالنفس والقدرات والمواهب لا تخطئها عين. وعلى الرغم مما تزخر به الدول العربية – من دون استثناء – من مواهب وقدرات بشرية، إلا أن هوة ما تفصل بين القدرات الفذة من جهة والإيمان بوجودها مع العمل على تنميتها والاستثمار الوطني فيها من جهة أخرى.

هذه الهوة لا يمكن بعد الآن تعليقها على شماعة ضيق ذات اليد أو لصقها بحجة ترتيب الأولويات المائل تجاه إدارة الحروب ومجابهة الصراعات ومواجهة الفقر والعوز والمرض.

فكل ما سبق قابل للحل، بل الوقاية من شروره، عبر التنقيب في بئر القدرات. ومع التنقيب تأتي الرؤية العلمية والتخطيط المنطقي الواعي والهادف إلى تحقيق نتائج ضمن خطة زمنية منطقية لا عشوائية.

عشوائية النجاحات ينبغي أن تتوقف. والاعتماد الكلي على عناصر البركة والتوفيق والقدر ينبغي أن يتم ترشيده حتى لا يساء استخدامه، وينقلب السحر على الساحر.

النجاح والتفوق، سواء في كرة القدم أو غيرها، لا يتحققان بأعمال السحر أو أفعال الشعوذة. كما لا يتحققان في بيئات غير حاضنة للتفكير العلمي والتخطيط المنهجي. وبدلاً من توجيه السهام الخبيثة الملوحة بضلوع ثقافات وجنسيات أخرى كعوامل نجاح، فلننظر إليها نظرة موضوعية.

فمن أصل 26 لاعباً في المنتخب المغربي، يلعب 20 لاعباً في نوادٍ أوروبية. كما أن 14 لاعباً ولدوا خارج المغرب بين إسبانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكا وكندا. وهذه حقائق لا تصم المنتخب أو تقلل من شأن إنجازه، بل تعظم الفائدة العربية.

فما العوامل المتوافرة لهؤلاء اللاعبين من أصول مغربية والتي لا تتوفر في «الوطن» والتي جعلت منهم أبطالاً استثنائيين؟ بمعنى آخر، الشخص نفسه حين تتوافر له ظروف وأجواء بعينها يحقق إنجازات لم يكن ليحققها في بيئات أخرى. إذن، توفير هذه العوامل ينبغي أن يكون على رأس الأولويات، مع العلم أن الربط المزمن بين العوامل من جهة والثراء والرفاهية من جهة أخرى ربط مضلل.

التضليل الحقيقي يحدث حين يتم الربط بين انتماء عقائدي بعينه وقدرة على التفوق والإنجاز. فالدين لله والإنجازات والأعمال للتدبير والتخطيط والإخلاص والعمل. ويظل هناك هامش عاطفي لا يمكن إغفاله حيث التشجيع المخلص القادم من مشارق العالم العربي ومغاربه، بالإضافة إلى وجود الأهل والأحباب في المدرجات وتغطيات إعلامية عربية داعمة ومشجعة ومعضدة جميعها يكلل الإعداد الرائع والتخطيط المدروس والتنظيم المذهل، ولا تحل محلها.

ولو كنت محل القائمين على أمر المراكز البحثية في علوم النفس والاجتماع والسياسة لأخضعت مجريات كأس العالم 2022 ومتابعة الجماهير العربية وتعليقاتها وردود فعلها ونقاشاتها وحتى سجالاتها للبحث المتعمق من أجل مزيد من فهم المنطقة العربية الآخذة في التغيير.

فالتغيير الدائرة رحاه في جميع أنحاء العالم ليس تغييراً سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو أمنياً أو تقنياً فقط. فتركيبة الشعوب النفسية وسماتها الشخصية وأثر ما يجري من حولها في العالم عليها جميعها جدير بالبحث بغية المعرفة وتطوير أساليب الحكم والإدارة للمواكبة والمعاصرة.

من عاصر مجريات المونديال سيعي بالحجة والبرهان أن ما فرقته السياسة وأبعد بينه الاقتصاد والمصالح وتوازنات القوى وصراعات الأمن، تجمعه دبلوماسية الكرة. وما أحلاها من دبلوماسية! لماذا؟ لأنه لا مجال للكلام المنمق فيها، أو الردود المعدة سلفاً على استفساراتها، أو تمويه ركلة جزاء كأنها تمريرة جميلة.

* كاتبة صحافية مصرية

 

طباعة Email