السباق نحو أفريقيا والعرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

كنت أقرأ في خريطة الأحداث العالمية خلال الأسبوع المنصرم، وجدتني أسيراً لتفاصيل ممتدة، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال. السباق على أشده بين قوى تقليدية، وأخرى جديدة. تحالفات متباينة، واستقطابات حادة، الأذكياء وحدهم يعرفون الخطوط الفاصلة، الوقوف عند حافة المواقف، قرار لا يتخذه سوى الذين يملكون بصيرة سياسية نافذة.

الأيام الماضية تنقلت أنظار العالم، تتابع ما جرى في الشرق الأوسط خلال القمم العربية - الصينية، وما صلت إليه القمة الأفريقية - الأمريكية من نتائج ورسائل.

تأملت قليلاً السياق الإقليمي والدولي الحالي، فتوقفت أمام ملاحظة، أراها غاية في الأهمية، وهي أن هناك سباقاً عالمياً نحو أفريقيا والعرب، وأن تفاصيل الأحداث وتوازناتها، تؤكد أن خطب ود أفريقيا والعرب، بات معبراً إلزامياً إلى النظام العالمي الجديد، الذي تتشكل ملامحه الآن، فنحن أمام خرائط جديدة لموازين القوى، السباق سياسي، واقتصادي وأمني، وسط تلاشي مستقبلي لفكرة القطب الواحد، فأحداث السنوات القليلة الماضية، تركت بصماتها على وجه العالم.

أحداث كاشفة لحقيقة الأوزان، وأحداث أخرى تعيد التقديرات والترتيبات من جديد، تحالفات تتم وفق قواعد المصالح المشتركة.

الأزمة الروسية - الأوكرانية، فاعل رئيسي في كتابة مستقبل التحالفات الجديدة، ومن قبلها جائحة كورونا، التي كشفت الغطاء عن قوة بعض الدول، ومدى صلابتها وصمودها في مواجهة التحديات.

الصين، تتحرك بقوة نحو توسعات كبرى في الأسواق الأفريقية والعربية. الرئيس الصيني شي جين بينغ، يعرف أن احتضان خريطة العالم، يمكن إمساكها من الشرق الأوسط وأفريقيا، هذا التحرك الصيني قطعاً، أربك حسابات الولايات المتحدة الأمريكية، فالوجود الصيني والروسي في أفريقيا، أحدث فارقاً ملحوظاً مقارنة بالوجود الأمريكي، القارة الشابة برغم احتياجاتها الضرورية للدعم، فإنها تمثل جغرافياً حاسمة، من يتحالف معها يحقق تقدماً كبيراً في السباق الدولي الحالي.

هناك حرص واهتمام من قبل واشنطن، بتقديم حزم من المساعدات والاستثمار، تتمثل في تقديم دعم يصل إلى 55 مليار دولار، خلال السنوات الثلاث المقبلة، فضلاً عن دعم الرئيس الأمريكي جو بايدن، بضم الاتحاد الأفريقي إلى مجموعة دول العشرين، وتخصيص مقعد دائم للقارة الشابة في مجلس الأمن، وتوسيع دائرة ومساحات الوجود، بما يحقق لواشنطن توازنها مع المنافس الصيني والروسي.

هنا لابد أن نتوقف أمام ملاحظة مهمة، تتعلق بأسباب عودة الاهتمام الأمريكي بأفريقيا، بعد انقطاع دام ثماني سنوات، منذ عام 2014، إبان حكم الرئيس باراك أوباما، فليس خافيا على أحد، أن أمريكا فوجئت بأن تصويت الدول الأفريقية في مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، أثناء الحرب الروسية - الأوكرانية، لم يأت حسب توقعات البيت الأبيض، وشعور المسؤولين، بوجود فجوة ثقة كبيرة بين أمريكا وأفريقيا، هذه واحدة، أما الدافع الثاني للعودة الأمريكية لأفريقيا، فيتمثل في اتساع الشراكة الاقتصادية، بين أفريقيا والصين لنحو 220 مليار دولار، مقابل مئة مليار فقط بين أمريكا وأفريقيا، وهذا الفارق من شأنه أن يهز التاريخ المشترك بين واشنطن والأفارقة.

السباق نحو أفريقيا نراه بوضوح، قائماً نحو الدول العربية، فالقوى الدولية، باتت ترى في الإقليم العربي نقطة ارتكاز، وبداية الانطلاق إلى عالم متعدد الأقطاب، فالدول العربية، أو الإقليم العربي، أصبح يحتل المركز السادس في الاقتصاد العالمي قبل المملكة المتحدة، بنحو 3‪,2 تريليون دولار، فضلاً عن أن أمن الطاقة الذي تتميز به الدول العربية، في مقدمتها دول الخليج العربي، باتت صمام أمان للطاقة العالمية، وأن الجغرافيا العربية التي تتوسط العالم، ضاعفت الأهمية الإستراتيجية للدول العربية، خصوصاً فيما يتعلق بمسارات سلاسل الإمداد.

كل هذا يتوافق مع المكانة التصويتية الحاسمة والمرجحة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية والدولية، فالموقف المحايد والمتزن للدول العربية في الأزمة الروسية - الأمريكية، شكل قيمة مضافة للدبلوماسية العربية، في تقريبها بين وجهتي النظر الروسية والغربية، وهو الأمر الذي يجعل من المنطقة العربية منصة لإطلاق المبادرات، والحلول والنداءات، وتبريد الصراعات، ونشر قيم التسامح والسلام والاستقرار في العالم.

يأتي كل ذلك متسقاً مع النجاح، الذي حققته الدول العربية، في مد جسور التعاون والوحدة والتضامن، وتطابق وجهات النظر بينها، سيما في القضايا الاقتصادية والاستثمارية، بما أدى إلى تقديم صورة نمطية جديدة ومتميزة، فتحت شهية العالم للإقبال بشغف على الشراكات مع العالم العربي.

إذاً، ما بين ما تابعناه في القمة الأفريقية - الأمريكية، والقمم العربية - الصينية، يتأكد لنا أن المكانة العربية، تتحرك نحو مساحات جديدة متقدمة، وأن القوى العالمية أدركت جيداً أن حسم منافساتها لن يتحقق دون الحصول على دعم وتأييد ومباركة العرب.

*رئيس تحرير مجلة «الأهرام» العربي

طباعة Email