طبعة صينية بتوقيع العرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

سألني صحافي صيني يتحدث العربية، ويقيم بالقاهرة، ماذا بعد القمم الصينية - العربية؟

فأجبته بسؤال: وماذا قبل القمم العربية - الصينية؟ لم أنتظر إجابته، لكنني حرصت على استثمار الفرصة باعتباري إعلامياً، ومن واجبي دعم أوطاني العربية في مختلف المحافل والمواقف، فوجدتني أشد على يده قائلاً: يا زميلي، لا بد أن نتفق بداية، على أن هذه القمم حققت نجاحات ومكاسب كبرى لصالح الطرفين، العرب والصين، ولا بد من البناء عليها مستقبلاً، لكن دعني أقل لك، إن الأجواء قبل هذه القمة لم تكن خالية من تحديات كبرى تمر بها الصين، وأيضاً الإقليم العربي، فخرائط العالم لم تعد تحتمل فواتير وتكاليف أحداث مثل الحرب الروسية - الأوكرانية، ومن قبلها التداعيات السلبية لجائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية غير المسبوقة التي وصلت إليها شعوب العالم، في ظل تداعيات وآثار خلقت ملامح جديدة لنظام عالمي متعدد الأقطاب، ولا شك أن الصين قطب يسعى للجلوس على مقاعد الصفوف الأولى في إدارة العالم، فهو يسابق الزمن في الجلوس بجوار الولايات المتحدة الأمريكية وليس خلفها، وأنت تعلم أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، قائد مخلص جيداً لأهداف وآمال وعقيدة شعبه، القائمة على مشروع حضاري وتنموي وثقافي، ومن ثم فإنه يرى وسط هذه المتغيرات والتحديات العالمية، أن فرص الصين مواتية لإحراز تقدم ملموس نحو تحقيق الأهداف الصينية، والرئيس شي يدرك جيداً، أن الطبعة الصينية الجديدة التي تبحث عنها بكين، لا يمكن أن تكتمل دون توقيع العرب.

قاطعني الصحافي الصيني: أليس للعرب الرغبة والتوجه ذاتهما في تحقيق المقاربة العربية - الصينية؟

قلت له: سؤالك في مكانه، فقد تلاقت الرغبة والإرادة والسياسة، لدى الطرفين في توقيت مهم وفاصل بالنسبة للجميع، فلا شك أن العالم العربي حريص كل الحرص على أن يكون رقماً مهماً في معادلة النظام العالمي المتعدد الأقطاب، الذي تمثل فيه الصين قطباً مهماً، ومن ثم فإن رغبة الطرفين أوجدت بيئة سياسية إيجابية، لاكتشاف المزيد من الفرص الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية، للوصول إلى عالم أكثر عدالة واستقراراً، عالم تحكمه الاستفادة المتبادلة والمشتركة، ومن ثم فإنني أعود هنا إلى سؤالك في بداية حديثنا، وهو: ماذا بعد القمم الصينية - العربية؟ لأؤكد لك أن ما سيحدث مستقبلاً قطعاً سيكون مختلفاً عما مضى، فقد أسست هذه القمم لقاموس مختلف في التعاملات الدولية، وأكدت رسالة مفادها، أن العالم لم يعد حصرياً لطرف دون غيره، إنما الانفتاح والتكامل بين جميع القوى العالمية، بات هو الخيار الذي تفرضه التحديات الحالية، فقد جرب العالم المعاناة والعجز في سلاسل إمداد عدة، مثل الغذاء والطاقة، وكانت تتحكم فيها قوى وأطراف بعينها، وبالتالي فإنه من الذكاء التعلم من دروس الماضي، وعدم الإقامة تحت سقف القطب الواحد، وبالتالي فإن هذه القمم تأتي للانطلاق نحو مستقبل أفضل، بل إن مضمون كلمات قادة وزعماء الدول المشاركة، حرصت أن تضع العالم أمام مسؤولياته، وهذا ما لمسناه في ثمار هذه القمم، التي أكدت سلسلة من المعاني والمفاهيم الاستراتيجية الجديدة، وفي مقدمتها: احترام حق شعوب العالم في اختيار الطريق وتطوير الديمقراطية، والنظم الاجتماعية والسياسية التي تتناسب مع ظروف كل دولة وإرادتها الوطنية، ورفض كل أنواع التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلاد، والحفاظ على وحدة وسلامة وسيادة وحق كل دولة في حماية أراضيها، وتكريس القيم المشتركة للبشرية في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والحرية، هذا فضلاً عن الحرص الكامل من جانب العرب والصين، على تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، وحاجتها لحل عادل دائم، وفقاً للمبادرة العربية التي تقود إلى حل الدولتين، وقيام دولة فلسطين على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وهنا علينا التوقف أمام مستجدات مهمة جاءت على لسان الرئيس الصيني نفسه، عندما قال: إن الصين مستعدة لدعم حصول فلسطين على العضوية الكاملة بالأمم المتحدة.

إذن نحن أمام مستقبل عربي - صيني دشنته هذه القمم، بما يتوافق مع مصالح الشعوب والبلاد، وقبل أن أغادر زميلي الصحافي الصيني، قلت له: عليك أن تعلم أننا العرب صادقون مع الصين، لكن عليك ألا تنسى، أن التحدي الحقيقي بعد هذه القمم، هو كيفية البناء على ما تحقق؟

طباعة Email