مونديال الكرة.. وحظوظ الثقافة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يتعلق الأمر هنا بعنوان مضلل، كما أن العنوان لا ينتمي إلى تلك النوعية التي تسعى إلى استدراج القارئ لمضمون غير ذي صلة بالعنوان، لكن الربط بين الشاغل الأكبر لعقول وأفئدة أكثر أهل الأرض الآن، وهو منافسات كأس العالم لكرة القدم، وبين حقول الثقافة والإبداع، مقصود من دون مواربة، كما أنه لا يتعلق بأي مشاعر حسرة على كساد قطاع، في مقابل رواج سواه، فنحن أيضاً ممن يسعد ببهجة متابعة منافسات المستديرة، وسحرها.

يعاني قطاع الثقافة والفنون زهداً في الإقبال على فعالياته، لا سيما في منطقتنا العربية، مقارنة بقطاعات الترفيه، بما في ذلك متابعة مباريات كرة القدم، وألعاب الفيديو، وبرامج المحادثة الإلكترونية «الشات»، بعد أن تحوّرت الأخيرة متجاوزة إطارها التواصلي، لتصبح ترفيهاً عبر تداول محتوى معظمه ترفيهي. 

ليس المونديال وحده الذي لا صوت يعلوه، ولا سيرة تضاهي جاذبية هذه الأيام، هو من يخطف وحده الأضواء من الفعاليات الثقافية، فالنسبة الكبرى من الأخيرة لا تمتلك بالأساس أضواء عدة مشعة جماهيرياً كي يتم اختطافها، وأي حدث آخر يزاحمها يمكن له بسهولة أن يصبح أكثر جاذبية للقطاع الأعرض.

لا ندعي هنا امتلاك حلول لتقديم المنتج الثقافي عبر صيغ جاذبة، فالأمر أكثر جدية من مجرد اقتراح، أو اجتهاد شخصي، لكن المؤكد أن المؤسسات المعنية بالثقافة والفنون مطالبة بإيجاد صيغ مناسبة جاذبة لتقديم برامجها وفعالياتها، وإيصال رسائلها عبر آليات تناسب المستهدفين بتلقيها، وتواكب التطور الكبير في مزاج المتلقي، والخيارات الواسعة التي أصبحت أمامه، بكل ما تحمله من محفزات ومغريات تدعم فرصها في الفوز باهتمامه وتفاعله، على حساب سواها، بما في ذلك هوايات وأولويات وعادات ظل متمسكاً بها فيما سبق.

لا تعني هذه الدعوة تقديم المنتج الثقافي والفني بصيغ غير مناسبة تنتهي به إلى التسطيح، بل تطوير المحتوى والشكل والخطط والبرامج الثقافية والفنية، من أجل استعادة الشغف المفقود للمنتج الثقافي، وهو الأمر الذي أصبح ضرورة للمحافظة على حضور معقول له، بعيداً عن تكرار أساليب تقليدية في طرحه، لم تعد تناسب لا العصر، ولا أهله.

نؤكد مرة أخرى أن تغيير الشكل، المقصود هنا، لا يعني تغييراً شكلياً، كما أن الدعوة لتغيير المضمون لا تشير إلى تغيير ضمني يفضي إلى التسطيح، والاستسهال، واللهاث خلف الأكثر رواجاً، وركوب الموجة السائدة، كما أن لا فكرة طارئة، ولا خاطرة سانحة في عقل كاتب أو وجدانه، يمكن أن تكون حلاً سحرياً في معادلة المنتج الثقافي وعزوف الجمهور.

المؤسسات الثقافية المعنية بالثقافة والفنون، سواء كانت رسمية أم ذات نفع عام، معنية بالبحث وإجراء دراسات جادة، من أجل الوصول إلى حلول تمنح القطاع فرصة حقيقية لمواكبة المجتمع، والتعبير عنه، والوفاء بتوقعاته، من أجل مشاركة سائر القطاعات في النهوض به، وهي جهود لا يمكن أن تتم من دون استيعاب حاجات مختلف مكونات المجتمع، ما دمنا نأمل في أن تعود الثقافة للجميع، وتعود الفنون بكافة صنوفها، كما كانت دائماً للجميع، فيما سيكون البديل، لو استمر الوضع كما هو عليه، مزيداً من تقوقع المنتج الثقافي والفني على أهله وصنّاعه.

طباعة Email