مكافحة الفساد صمام أمان الدول

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعتبر الفساد على اختلاف أشكاله من أكبر العقبات أمام تقدم المجتمعات وازدهارها، وإعاقة تنميتها، وهدر مواردها، وبمقدار شيوع هذا الداء واستفحاله تضعف الدول، وتفقد دورها في تنفيذ الخطط التنموية، التي تصبح حينها مجرد حبر على ورق، وبمقدار امتلاكها قيم الشفافية والمحاسبة والأنظمة والقوانين والتشريعات ووسائل التوعية التي تكافح الفساد وتحاصره تتحول الخطط والرؤى الرامية للتنمية والازدهار إلى واقع مشهود ملموس.

ويسعى العالم اليوم لمكافحة هذا الداء، لما يتسبب به من أضرار بالغة على الاقتصاد والاستقرار، وفتح أبواب الجرائم الخاصة والعامة والمنظمة، من احتيال واختلاس ورشوة، ومن تعريض حياة الناس للأخطار، فالغش في البنى التحتية على سبيل المثال من جسور ومبانٍ وغيرها وعدم استيفاء شروط السلامة فيها يتحول إلى مآسٍ وكوارث بانهيارها، وسقوط الضحايا بسببها، وكم سمعنا عن حوادث من هذا النوع في بعض المجتمعات!

ولا تقتصر خطورة الفساد على المحيط الداخلي لهذا المجتمع أو ذاك فقط، بل تمتد مخاطره في كثير من الأحيان للعالم كله، وخاصة في هذا العصر الذي أصبح العالم فيه كالقرية الصغيرة المفتوحة، التي تتميز بحدة وسرعة التأثر والتأثير، فقد يكون الفساد سبباً في إطلاق العنان للتنظيمات المسلحة الإرهابية التي تستهدف العالم بأسره، كما حصل في بعض المجتمعات، وقد يكون سبباً في دعم تجار السموم وعصابات الجرائم المنظمة، التي تستهدف الأمن العالمي، وقد يسهم في زيادة معدلات الفقر والجوع وتفاقم الأزمات الغذائية، ما يثقل كاهل العالم كذلك بهذا التحدي الكبير، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي تكلف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ولذلك فإن القضاء على هذه الظاهرة هو من أهم المتطلبات في هذا العصر، ولا يكون ذلك بالدرجة الأولى إلا برفع مستوى الوعي والتثقيف العام، وإرساء دعائم الأخلاقيات، والعناية ببناء الإنسان، وتنمية الرقابة الذاتية في نفسه، والتي هي خط الدفاع الأول في مكافحة هذا الداء، والأهم من ذلك تعزيز صلته بربه سبحانه، وغرس مراقبته في نفسه، واستشعاره أنه يراه في كل وقت وحين أينما كان، وتعزيز حس المسؤولية لديه، فهو محاسب أمام الله سبحانه عن كل صغيرة وكبيرة يعملها، كما قال تعالى: {ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}، فإذا سولت له نفسه أي أمر استحضر مراقبة الله له، فكان أميناً في وظيفته، أميناً على موارد دولته، بعيداً كل البعد عن أي مظهر من مظاهر الفساد الوظيفي، فلا يستغل وظيفته لأي غرض شخصي، ولا يتغاضى عن أي فساد وظيفي.

إن وجود الآلات والأنظمة الإلكترونية لا يعني بحال من الأحوال إمكانية الاستغناء عن الإنسان، كونه سيد هذه الآلات والأنظمة، وسيد هذا الكوكب، والمسؤول عن عمارته، ولذلك فإن توجيه الجهود لبنائه بناءً رشيداً هو أساس النهوض ومكافحة الأدواء، ومنها الفساد، وبمقدار ما نجده من تركيز المنظمات العالمية على حقوق الإنسان وحرياته وكسر القيود الأخلاقية بدعوى الحريات، فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى إحلال منظومات أخلاقية تُعنى بتهذيب الإنسان، وتعزيز القيم الإيجابية فيه، ليغرس في هذه الأرض بذور الخير والصلاح والسلام.

إن مكافحة الفساد ومحاصرته تتطلب جهوداً متنوعة مشتركة، تشمل سن القوانين الصارمة، وتعزيز منظومة العدالة والقضاء، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، واتخاذ الإجراءات والتدابير التأديبية والعقابية، وتفعيل أجهزة الرقابة والكشف، وغير ذلك.

وتعتبر دولة الإمارات من الدول الرائدة في مكافحة الفساد، حيث تصدرت دولاً كثيرة كبرى في هذا المجال على المستوى العالمي، واحتلت المرتبة الأولى إقليمياً في مكافحة الفساد، واتخذت نهجاً شاملاً في ذلك داخلياً وخارجياً، وذلك منذ بداية قيامها، فقد أنشأت ديوان المحاسبة في السنوات الأولى من الاتحاد، وهو الجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة في الدولة، وقامت بتطوير أساليبه وآلياته، ومن جهة أخرى كافحت الفساد عبر سن العديد من القوانين والتشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد، وفتح قنوات لتقديم البلاغات السرية بشأن الحالات المشبوهة، إضافة إلى إحلال الأنظمة الذكية التي من شأنها الحد من هذه الظاهرة، وأما على المستوى الخارجي فقد عملت دولة الإمارات على تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الفساد بكل أنواعه.

إن مكافحة الفساد صمام أمان الدول، لتحقق لشعوبها التنمية والازدهار، وتوفر لهم مقومات الأمن والاستقرار.

*كاتب إماراتي

طباعة Email