أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، ليز تراس، في الــ20 من أكتوبر الجاري استقالتها من منصبها، لتُنهي بذلك شهراً من الاضطرابات الاقتصادية، وبالتبعية السياسية، التي سادت بريطانيا.
ويتعين على أعضاء الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة استيعاب الدروس الاقتصادية المستفادة من استقالة تراس، وأيضاً التعلم من الأخطاء التي ارتكبتها وأدت إلى استقالتها بعد 44 يوماً فقط من توليها منصبها بصفة رسمية، لتكون بذلك رئيس الوزراء الأقصر في مدة الولاية على مستوى التاريخ البريطاني بأكمله.
يحتاج الجمهوريون إلى تلافي أخطاء تراس، كي يتجنبوا انهياراً تاماً مثل انهيارها عندما يخوضون انتخابات التجديد النصفي للكونغرس خلال الشهر المقبل، وأيضاً عندما يخوضون انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر 2024.
كان خطأ تراس الأول والأكبر والرئيس هو أنها تبنّت بعد توليها منصبها أجندة اقتصادية راديكالية لم تتبنّها أو حتى تُلمح إليها إطلاقاً خلال حملتها الانتخابية في الانتخابات الداخلية لحزب المحافظين، والتي انتهت بفوزها بالمنصب. لقد أعربت تراس في كتاب ألفته وأصدرته منذ عدّة سنوات بعنوان «بريطانيا من دون قيود» عن آرائها الشخصية الداعمة لخفض الضرائب.
وكذلك خفض حجم الحكومة، إلا أنها لم تتطرق إلى هذه الأجندة في حملتها الانتخابية. لقد وعدت تراس خلال الحملة بتطبيق بعض التخفيضات المتواضعة على قيمة الضرائب على فوزها بمنصب، كما منحت دعماً نظرياً، لا يتجاوز نطاق الحديث، لفكرة رفع القيود الحكومية على العديد من الأنشطة الاقتصادية.
ولكن ما حدث فعلياً، أن تراس بمجرد دخولها «10 داونينغ ستريت» تبنت تخفيضات ضريبية هائلة، واقترحت هي ووزير خزانتها السابق، كواسي كوارتينغ، الميزانية المُصغرة، التي باتت الآن سيئة الذكر في التاريخ الاقتصادي والسياسي لبريطانيا، لما تسبب فيه من نتائج كارثية في أسواق الأسهم البريطانية، فيما اعتبر الشرارة الحقيقية التي أدت إلى إعلان تراس استقالتها واعتزامها مغادرة «10 داونينغ ستريت» بعد 44 يوماً فقط من دخولها إياه.
يقيناً ستحمل تراس بعد مغادرتها السريعة تراثاً لا يدعو للفخر بأي حال من الأحوال، فهي إلى حد بعيد تُعد المسؤولة الأولى عن سقوط الجنيه الإسترليني، الركود الذي يحوم فوق الأسواق البريطانية، والسقوط السياسي المُحتمل والمتوقع بشدة لحزب المحافظين. ستعود تراس إلى بيتها وهي تحمل على عاتقها كافة تلك الذنوب.
ولكن إذا نظرنا لما يحدث حالياً في بريطانيا بنظرة تحليلية متعمقة وموضوعية، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بحقيقة مفادها أن تراس رغم أخطائها الكارثية ليست هي المسؤولة الوحيدة عما يحدث، وإن كانت هي الأولى. ولكن حقيقة الأمر أن أخطاء تراس كانت تتويجاً لأخطاء في السياسات الاقتصادية ارتكبها المحافظون على مدار الــ12 عاماً الأخيرة التي أمضوها في «10 داونينغ ستريت».
وبمزيد من التعمق والإنصاف، فقد شهدت تلك الأخطاء ذروتها خلال الفترة من العام 2019، وحتى تولي تراس منصبها، أي فترة ولاية رئيس الوزراء البريطاني السابق، بوريس جونسون.
لا جدال أن تراس أساءت إدارة سياستها الاقتصادية، فهي لم تُجهز بريطانيا، ولا حتى حزب المحافظين، للخفض الهائل في الضرائب، بعد ما يزيد عن عقد كامل من سياسة «افرض ضرائب ثم أنفق» التي انتهجها الحزب، وشهدت ذروتها إبان حقبة جونسون. ولكن تراس لم تكن المسؤولة عن معدل التضخم المخيف في بريطانيا،.
والذي بلغ 10.1في المئة قبل توليها منصبها، ولا عن أزمة الطاقة. وعلاوة على ذلك، لم تكن هي المسؤولة عن الإخفاق في إدارة منظومة صناديق التقاعد البريطانية، التي كان انهيارها أصعب تداعيات الإعلان عن ميزانيتها المصغرة، بحيث باتت تتجه إلى سلوك اقتصادي أشبه بالمقامرة كي ترفع عائداتها، فعندما تحدث أي مفاجأة اقتصادية غير متوقعة، تنهار، كما حدث الشهر الماضي بعد إعلان تراس عن خططها. كل هذه المقدمات التي أفضت ما يحدث الآن كانت قائمة قبل وصول تراس إلى منصبها.
ستبقى هذه الدروس حاضرة في الأذهان، ويتعين على الجمهوريين في الولايات المتحدة استيعابها جيداً، كي لا يعانوا في المستقبل ما يعانيه المحافظون في بريطانياً حالياً.
*كاتب مقالات وصحفي لدى صحيفة «واشنطن بوست» المقال منشور في «واشنطن بوست»