عالم متعدد «الأنظمة»

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقال بالعادة، إن السياسة هي التعبير الأكثر تكثيفاً للاقتصاد، والحرب هي الوجه الأشد تعنتاً للسياسة؛ ولدينا، اليوم، حرب، هي بالفعل، تجسيد لسياسة دولية بلغت درجتها الصراعية حدة بالغة، وغير مسبوقة. وهو ما يعني أن المصالح الاقتصادية، في العالم، تجاوزت مفاهيم التنافسية، في تعارضها، ودخلت ما يسمى بمرحلة التناقض الجذري، التي لا تنتهي إلا بقضاء طرف على طرف.

ومن الملاحظ، في هذه الحرب، التي لا تشبه غيرها، أن ليس كل المشتركين فيها موجودون في الميدان، أو يشاركون بالجهد الحربي، قتالاً أو تسليحاً أو دعماً لوجستياً أو سوى ذلك. وبرغم هذا، فإنها تبدو حرباً عالمية، بالمعنى الحقيقي، ويشارك فيها العالم أجمع، بإرادته أو رغماً عنه.

والواضح أن الصراع بشكله الشامل، يدور بين توجهين؛ الأول، يدفع ويطالب بنظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب. والثاني، يصر على بقاء النظام الدولي الحالي، الذي تقوده الولايات المتحدة منفردة. الأمر الذي يدعو إلى القول إلى أن المرء لا يحتاج إلى انتظار نتيجة الميدان وجبهات القتال، للوصول إلى خلاصة نهائية، تختزل نتيجة الحرب بمعناها الشامل.

لقد أصيب النظام الدولي الحالي بضربة قاصمة، ومن الواضح أن هذه الضربة أفقدته توازنه، وقدرته على البقاء بصيغته الراهنة؛ فمجرد الوصول إلى هذه المرحلة، وعدم تمكنه من حل التناقضات سلمياً، يعني أنه دخل مرحلة الفشل البنيوي.

والسبب بسيط، لقد مثلت روسيا والصين ومجموعة الاقتصادات الصاعدة تياراً يحمل مطالبات معينة إزاء النظام الدولي الحالي، وتجاه بعض الممارسات المتعسفة من قبل بعض الدول القائمة عليه. وفي مثل هذا الموقف من المتوقع أن يتمكن هذا النظام من التعامل مع هذه المطالبات وأصحابها، إما بالاستجابة لها، أو بتسويتها.

ولكن الدول القائمة على النظام الدولي الحالي لم تكن قادرة على تحمل كلفة الاستجابة لهذه المطالبات، كما كانت أعجز من أن تستطيع تسويتها، ولم تتمكن من احتواء أصحابها أو عزلهم.

وبالنتيجة، تطورت هذه المطالبات إلى نوع من التمرد العالمي الواضح على النظام الدولي الحالي، من خلال التكتل داخله، وخلق آليات تبادل تجاري وتعاون سياسي واقتصادي وعسكري بديلة، تتجاهل إرادته وأطره الناظمة، وتلتف عليها. وهو ما عقّد آلياته ذاتها، وأضعف قدرته على تسيير الأوضاع في العالم.

ومرة أخرى، لم تتمكن الدول القائمة على النظام الدولي الحالي من قمع هذا التمرد، ولا التكيف معه، ولكن أمكنها فقط التشويش عليه، واستفزازه.

وبنتيجة تالية، تطور هذا التمرد إلى حرب مفتوحة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً؛ ووصل الأمر إلى هنا، حيث لم تعد النتائج الميدانية في جبهات القتال مهمة، طالما أن خارطة العلاقات السياسية وأسس التبادل التجاري، ومنظومة العمل المالي، قد تغيرت خلال أشهر معدودة إلى هذا الحد، وبهذا المنحى الدراماتيكي. وهي تغيرات يبدو أنها نهائية، ومن غير الممكن الرجوع عنها.

والمعادلة اليوم، كالتالي؛ إذا لم يكن ممكناً تغيير النظام الدولي الحالي وتحويله إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، فإن ما جرى، لغاية الآن، هو التحول إلى عالم متعدد الأنظمة الدولية.

وهنا، يظهر بوضوح من خسر، ومن الذي حقق الجزء الأكبر من أهدافه.

صورة الموقف بعد انتهاء المواجهة الميدانية قد تكون أكثر فداحة للنظام الدولي الحالي، والدول الراعية له؛ فخلال أشهر الأزمة التي مرت، تحملت أوروبا العبء الأكبر من نتائج الإجراءات الغربية ضد روسيا. ومن الواضح إن آثار هذه الأشهر على اقتصادات القارة العجوز فادحة على نحو لا يتصوره أحد، إلى درجة أن بعض الاقتصاديين يرون إن هذه الاقتصادات، حتى مع استئناف الحصول على الطاقة الروسية بأسعار زهيدة، ستبقى تعاني لعقدين مقبلين.

فما بالكم، إذن، إذا لم تتح لها هذه الفرصة، مرة أخرى!؟

بلى، السياسة هي التعبير الأكثر تكثيفاً للاقتصاد. والحرب هي الوجه الأشد تعنتاً للسياسة. ومن السهولة بمكان الانتقال بسرعة من «الاقتصاد» إلى «الحرب». لكن طريق العودة من «الحرب» إلى «الاقتصاد»، بالنسبة للخاسر، هي أطول بكثير مما يتطلبه وقف إطلاق النيران والدخول في مفاوضات. وهي، في هذه الحالة، لا تقل كلفة.

* كاتب أردني

طباعة Email