نصف قرن من العلاقات الذهبية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تحتفل الإمارات ومصر هذه الأيام بمرور نصف قرن على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، 50 عاماً مرت لكنها حملت ملامح مغايرة ومختلفة، ملامح الأخوة وتطابق الرؤى والوحدة والتماسك، والمصير المشترك، وبجولة سريعة في دروب نصف قرن نجد أننا أمام مواقف لبلدين شكلا الرافعة السياسية لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

منذ أن تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة مصر في النصف الثاني من العام 2014، كان حريصاً كل الحرص على توطيد وتعميق الشراكة مع شقيقه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فالعلاقة بين القيادتين باتت نقطة انطلاق للعلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع البلدين الشقيقين لتؤكد الإرادة السياسية بينهما نحو تعزيز وتعميق العلاقات سواء على المستوى الثنائي أم التنسيق المشترك، حيال القضايا العربية والشرق أوسطية والدولية كافة.

ثورة 30 يونيو 2013 خير شاهد على هذه الوحدة والمصير المشترك ومواجهة التحديات، فمنذ اللحظة الأولى لهذه الثورة الشعبية العظيمة، أكدت دولة الإمارات قيادة وشعباً دعمها الكامل والمستمر للشعب المصري في تنفيذ خريطة الطريق، التي أعلنتها الدولة المصرية بمشاركة القوى السياسية، وفى 7 يونيو 2014 شارك وفد إماراتي رفيع المستوى يترأسه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في حفل تنصيب الرئيس السيسي، ليفتح صفحة ناصعة في العلاقات المصرية الإماراتية في عهد القيادة المصرية الجديدة، تلاها الاتفاق على وضع طابع استراتيجي للقاءات القيادتين.

نعم العلاقات وثيقة وتاريخية مع دولة الإمارات، تستند إلى الوعي والفهم المشترك لطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية التي شهدتها وتشهدها المنطقة، فمصر من أوائل الدول التي دعمت قيام اتحاد دولة الإمارات العام 1971، وسارعت للاعتراف به فور إعلانه ودعمته دولياً وإقليمياً كركيزة للأمن والاستقرار، وإضافة جديدة لقوة العرب، ومنذ ذلك التاريخ استندت العلاقات الإماراتية - المصرية على أسس الشراكة الاستراتيجية بينهما لتحقيق مصالح الشعبين ومواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة.

في الوقت ذاته، يسجل التاريخ للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، أنه الحكيم الذي زرع الحب لمصر في قلوب أبنائه، وأوصاهم بالاستمرار على هذا النهج، يتوارثونه جيلاً بعد جيل، الواقع يؤكد ذلك النهج، والأبناء يخلصون لوصية الأب المؤسس.

صفحات التاريخ مليئة بالعناوين الوطنية التي تضيء أمامنا المستقبل، انطلاقاً من ثوابت مشتركة بين البلدين، عبر نصف قرن مضى، فالدولتان تفضلان الحلول السياسية والسلمية بعيداً عن اللغات الخشنة القائمة على الابتزاز والتهديد في حل الصراعات الإقليمية والدولية، ويشكل الصوت المصري - الإماراتي صوت العقل والحكمة في الشرق الأوسط، في ظل تداعي الكثيرين نحو الحلول العسكرية ودعم المتطرفين والإرهابيين، فإيمان البلدين بالسياسة والدبلوماسية وطاولة النقاش والتفاوض أمر واضح للجميع في المنطقة وخارجها.

هذا فضلاً عن أن البلدين يمثلان حائط صد قوياً ضد الجماعات الإرهابية والفكر المتشدد، فكلاهما يؤمنان بأن الإرهاب العابر للحدود يحتاج أيضاً إلى تعاون عابر للحدود بين الدول. كما أن الدولتين تؤمنان بحتمية العمل العربي المشترك، وضرورة أن تقف الدول العربية بجانب بعضها البعض، لمواجهة التحديات القائمة أو المستحدثة.

اللافت أيضاً أن تحليل الخطاب السياسي والإعلامي بين البلدين يؤكد أن هناك تطابقاً كاملاً في وجهة نظر الدولتين تجاه القضايا الإقليمية والدولية؛ حيث يتفقان على إرساء قيم التعايش المشترك وقبول الآخر، وهو ما أثمر في أن يتخذ هذا التعاون المصري - الإماراتي توجهاً واضحاً نحو طريق بناء مستقبل، يقوم على السلام والاستقرار في الإقليم العربي، ولهذا تعمل مصر والإمارات بشكل دائم من أجل تعزيز العمل المشترك، وتوحيد الصوت العربي في مواجهة كل التحديات والتدخلات الخارجية، ونجح هذا التعاون في دعم وتقوية الدولة الوطنية العربية في مواجهة التنظيمات والميليشيات الإرهابية والظلامية.

إذاً وسط هذا الإبحار في ذاكرة العلاقات المصرية - الإماراتية.. تدفعنا أمواج المستقبل نحو نصف قرن جديد من العلاقات المتميزة التي تصب في مصلحة الأمن القومي العربي.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email