أزمة الليبرالية في زمن «كورونا»

ت + ت - الحجم الطبيعي

عملت العديد من الأيديولوجيات في القرن الحالي وما قبله على محاولة فرض نفسها على الدول والمجتمعات، واعتبار قيمها قيماً عالمية مُحتَّمة عابرة للقارات، وارتبط كثير منها بأحزاب وتنظيمات ومنظمات وقوى ضغط تبنت هذه الأفكار، وسعت للترويج لها، بل عملت على اختراق المجتمعات، وإيجاد مواضع قدم لها، وارتبط بعضها بأعمال العنف والإرهاب والخلايا السرية والتشكيلات المسلحة، كما حدث من الشيوعية في القرن الماضي.

وإثر سقوط المشروع الشيوعي بانهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي ادعى بعض الكُتَّاب والمفكرين أن البديل الذي سيهيمن على العالم كله هو النموذج الليبرالي الغربي، وأن هذا النموذج هو النموذج الأصلح والأقوى الذي صمد أمام التحديات وأنه يمثل نهاية تطور الفكر الإنساني، وأنه مرحلة نهاية التاريخ!

ولكن الواقع أثبت خلاف ذلك تماماً، فلم يخلُ هذا النموذج من إشكاليات كبيرة، بل أضحت أداة للصراعات والأزمات، فباسم الليبرالية والديمقراطية تم استباحة غزو الدول وإسقاطها وتدمير مؤسساتها، وباسم هذه الليبرالية تم انتهاك سيادة الدول، والتدخل في شؤونها، ومحاولة ممارسة الوصاية عليها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل دخلت الليبرالية في صراعات مع المجتمعات نفسها.

فقامت بتوظيف مختلف الأدوات لفرض أجندتها على المجتمعات، حتى أصبحت أداة لخلق الصراعات الفكرية، ووسيلة لهيمنة الثقافات الدخيلة، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع المجتمعات التي لها خصوصياتها الثقافية وهوياتها الوطنية، وقد أثبتت تلك الحروب والصراعات والصدامات التي شُنت باسم الليبرالية عدم صلاحية هذا النموذج كقيم عالمية مثلى تسعد المجتمعات وتقودها نحو آفاق الحضارة.

ومع ظهور جائحة كورونا أصبحت الليبرالية في مأزق أكبر، حيث برزت الأزمات التي ينطوي عليها النموذج الليبرالي إلى السطح، وانبرى كثير من المثقفين والمفكرين حتى في المجتمعات الغربية للتعاطي مع هذه المشكلة، فبعد أن كانت الدول الغربية تتباهى بتقديس الحريات الفردية وحقوق الإنسان إذا بهذه الجائحة تفرض عليها نقيض ذلك، من وضع القيود على الحريات الشخصية، وحرمان الإنسان من العديد من حقوقه الفردية، مثل حرية التنقل.

وفرض الحجر المنزلي، وغير ذلك من الإجراءات التي مست الحريات الشخصية للمواطنين هناك، كما اتخذت بعض هذه الدول إجراءات عدة لحماية القطاع الخاص والشركات بالمال العام، بل قامت بعض هذه الدول بتأميم جميع مستشفيات ومنشآت تقديم الرعاية الصحية بما في ذلك القطاع الخاص لمواجهة جائحة كورونا، كما أدت هذه الجائحة إلى فرض القيود على حرية التعبير والعمل الصحفي في ما يتعلق بالتعاطي مع الوباء، حتى إن بعض تلك الدول الغربية فرضت عقوبات بالسجن ضد الصحفيين الذين ينشرون معلومات خاطئة حول الفيروس أو الإجراءات المتخذة.

كما مست هذه الجائحة القيم الإنسانية التي يتشدق بها الليبراليون، ففي هذه الجائحة انكفأت كثير من الدول العربية على نفسها، وامتنعت عن تقديم الدعم والمساندة لغيرها، مما حدا ببعض رؤساء هذه الدول أنفسهم إلى انتقاد ذلك.

واعتبار أن المبادئ التي يتغنى بها الغرب عن التضامن الإنساني كلام فارغ لا أثر له في الواقع، وأنهم سيتجهون إلى دول أخرى لا تتبنى الليبرالية الغربية لطلب المساعدة منهم، مما كشف للجميع أن القيم التي يتغنى بها النموذج الليبرالي حول التضامن الإنساني حبر على ورق!

كما أن هذه الجائحة زادت من الأزمات الاقتصادية في المجتمعات الغربية، وكشفت عن مشكلات كثيرة في القطاعات الصحية والمستشفيات، وقلة كفاءتها، وزادت من معاناة الناس المعيشية، وقد ازداد تفاقم هذه المشكلات مع الحرب الروسية الأوكرانية، ومع هذه المعضلات برزت التيارات اليمينية المتطرفة في المجتمعات الغربية، وبدأت تكتسح الساحة السياسية، وتخلى كثير من الناس عن الأنظمة الليبرالية واتجهوا لهذه الأحزاب، التي وصل بعضها بالفعل إلى سدة الحكم.

لقد تهاوت مقولة نهاية التاريخ التي تدعي أن النموذج الليبرالي الغربي هو النموذج الذي يمثل أرقى تطورات الفكر الإنساني، وأثبت ذلك أن التحضر والرقي ممارسات عملية وقيم إنسانية حقيقية وليست مجرد أيديولوجيات موجهة.

* كاتب إماراتي

طباعة Email