بطولات «فزاع» وثمار «إحياء» التراث

ت + ت - الحجم الطبيعي

انطلقت قبل أيام قليلة التصفيات التمهيدية لواحدة من أقدم البطولات التراثية بالمنطقة، وهي بطولة فزاع لليولة، في نسختها الـ22، وهي بذلك تعد واحدة من أقدم البطولات التراثية التي نجحت في الحفاظ على استمراريتها، متجهة بتصاعد زمني نحو يوبيلها الفضي، الذي بات يفصلها عنه 3 أعوام فقط.

وعلى الرغم من أن انطلاق بطولات فزاع التراثية جاء سابقاً لتأسيس مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، الذي تأسس العام 2013، إلا أن الرسالة المحورية لمختلف أنشطة وفعاليات البطولات التراثية شكلت حافزاً باتجاه إحياء الموروث، وجعله ممارساً حياً تتناقله الأجيال، متجاوزة غرض الحفاظ على مقوماته الذي ترفعه معظم المراكز الإقليمية المعنية بالتراث عموماً، إلى رؤية أوسع تستهدف ضمان ديمومته وفاعليته واستيعاب الأجيال الجديدة لمفرداته. 

وفي رحلتها التي أقيمت خلالها في أماكن عدة من دبي، قبل أن تستقر لسنوات طويلة في «قلعة الميدان» بالقرية العالمية، نشرت البطولة التي كانت ولا تزال تنقل فعالياتها على الهواء مباشرة، عبر قناة سما دبي، العديد من مفردات التراث اللا مادي لدولة الإمارات العربية المتحدة، ليس للآلاف من الشباب الذين جذبهم العام تلو الآخر المنافسة على ناموسها، أو للجمهور المتحمس الذي ارتبط بالتشجيع والتصويت للمتنافسين، بل كذلك لفئة أوسع من الجمهور قاده الشغف للتعرف على تفاصيل عدة عبر تغطيات إعلامية موسعة، كان بعضها لوسائل إعلام أجنبية.

ما حدث في فن اليولة الإماراتي تكرر في ميادين سائر البطولات التراثية، التي ينظمها مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، ضمن بطولات «فزاع»، وبعد أسابيع قليلة، ومع مزيد من تحسن الأجواء التي تشهدها إمارة دبي، سنكون على موعد مع دورة جديدة من منافسات بطولة فزاع للصيد بالصقور، بفئاتها المختلفة، التي تحيي موروثاً إماراتياً أصيلاً مرتبطاً ببيئة البادية الإماراتية، ممثلاً في تقاليد هذا النوع من الصيد.

ولا تقتصر المنافسات التراثية في هذه البطولات على التميز أو المهارة الفنية في ساحة المنافسة، حيث يترافق ذلك مع تقاليد متوارثة، ومنظومة «سنع» ذات صلة وثيقة بمنظومة القيم المجتمعية، ما يعني أن إحياء الموروث، عبر تنظيم البطولات، يرافقه ممارسة وتداول لمنظومة أشمل من الممارسات والقيم وثيقة الصلة بالمكان وأهله.

الأمر ذاته ينطبق على بطولة الرماية للجنسين، التي يستضيفها سنوياً ميدان الرماية التابع لشرطة دبي بمنطقة الروية، التي تشهد أيضاً استضافة منافسات الرماية بالبندقية «السكتون»، وفق تقاليد موروثة كان من الصعب الاحتفاظ بها لولا التحفيز الذي تحظى به مختلف فئات المجتمع.

وتمكنت بطولة فزاع للغوص، التي تقام وفق تقاليد الغوص الحر، على نمط «طواويش» الإمارات الذين ارتبطوا بالبيئة الساحلية في رحلة بحثهم عن اللؤلؤ في مياه الخليج العربي، من التعريف بتقاليد الغوص التراثية، وجذبت كذلك في معظم دوراتها أبطالاً عالميين وأولمبيين للمشاركة في منافستها، جنباً إلى جنب متنافسين إماراتيين وخليجيين وعرب مقيمين.

وضمن منظومة المنافسات التراثية لبطولات «فزاع»، جاءت أيضاً بطولة الصيد بالسلق، وهو النشاط الذي ارتبط ببيئة البادية الإماراتية، وهي بطولة تقام وفق قواعد تحيل بشكل صارم إلى ذات التقاليد المتوارثة في البيئة المحلية. 

كل هذه التفاصيل تتحول إلى بعض من قصص تروى على رمال صحراء الإمارات خلال واحدة من أغرب وأمتع الرحلات البرية التي يمكن أن يصادفها شغوف بأجواء البادية، وهي «رحلة الهجن»، التي تجمع كل عام مجموعة من المغامرين من مختلف الثقافات، متطلعين لاكتشاف البادية الإماراتية، والتعرف على جوانب من منظومة القيم الاجتماعية الأصيلة والمتوارثة إماراتياً، وهي الرحلة التي تطوف لنحو 10 أيام، عدداً من إمارات الدولة، قبل أن تستقر في قلب القرية العالمية، عبر حدث مهيب يقام في أجواء احتفالية تراثية مميزة كل عام.

ومن خلال هذه الكوكبة من المنافسات والفعاليات والمناسبات التي يتم الاستفادة في تنظيمها من تقنيات متقدمة رغم تراثية البيئة والمحيط العام، تؤكد بطولات «فزاع» أن إحياء التراث ودعم كل ما من شأنه إبقاؤه حياً ممارساً ومتوارثاً بين الأجيال المختلفة هو الضمانة الأنجع لديمومته، وأن التراث يتم حفظه بشكل آمن، لا في متون الكتب والموسوعات المؤرخة له، على أهميتها، بل حينما يتم تحفيز فئات المجتمع المختلفة، لا سيما الشباب وذوي الأعمار الأحدث على ممارسته، والتفاعل معه، وهي رؤية يظل الإعلام الواعي صاحب دور مهم وجوهري في ترجمتها.

طباعة Email