الظلام والتطرف

ت + ت - الحجم الطبيعي

تتدهور الأمور في القارة الأوروبية على نحو مؤسف، وتتجه من الظلامية السياسية إلى تطرف النخب الجديدة.

وهذا يذكرنا أن أوروبا، إلى جانب بقية الدول الغربية، اندفعت في دعم التيارات الظلامية، التي غذت انهيارات العالم العربي في العشرية الثانية من القرن.

حينها، لم تستمع أوروبا لكثير من النصائح والتحليلات القادمة من منطقتنا، وكانت تحذر من أن هذا السلوك السياسي العبثي سيخلق رؤية غربية تعاند التاريخ، ومقتضيات النمو الاقتصادي، والاستقرار العالمي، وتنتج في النهاية تطرفاً غربياً لا يستقصي الواقع ولا يستشرفه، ويحاكي في النهاية الظلامية نفسها التي عبثت في الخارطة السياسية العربية، وتلاعبت في أوضاعه الاجتماعية.

ووصولاً إلى هذه المرحلة، التي نعيشها اليوم، تتحفنا وكالات الأنباء ومحطات التلفزة بأخبار عن انفجارات طالت خطوط «السيل الشمالي»، التي أول ما يلاحظ فيها أن الأطراف جميعها، تحت وطأة خطورة الموقف، لم تتبادل لأول مرة الاتهامات المباشرة. واكتفت، تحت وطأة الموقف، بالتحليلات المهنية.

تجمع التحليلات أن هذا الحادث ناجم عن عمل تخريبي، ولكنها تختلف في توزيع التلميحات، بعضها يشير إلى تحالف أوروبي متطرف، ينساق إلى الرؤية الأمريكية، ولا يستمع للأصوات الأوروبية. ويعتد أصحاب هذا الرأي بتصريحات تهديدية سابقة للرئيس الأمريكي، تشير إلى خطوط «السيل الشمالي». وترى أن الغاية من هذه الواقعة، قطع الطريق على ألمانيا، سيدة أوروبا، في الاتجاه الروسي، وشطب احتمالية أن تتراجع عن بعض مواقفها المتشددة، تحت ضغط معادلة الشتاء والصناعة والغاز.

ويشير بعض آخر إلى روسيا، مع تنويه بأن من مصلحتها تعقيد الوضع الاقتصادي في أوروبا، بعد نجاح ردها على العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليها الغرب، والضغط الذي شكّله على الاقتصادات الأوروبية وأهلية الحكومات الغربية في تأدية واجبها نحو مواطنيها.

ولكن..

بغض النظر عن الفاعل (متطرفون أو ظلاميون غربيون أم روسيا)، فإن الحادثة نفسها تنقلنا إلى موقف حرج. لقد بلغ الضغط الأمريكي في أوروبا مرحلة خطرة. فيها باتت خطوط إمداد الطاقة، مثلها مثل سلاسل توريد الغذاء العالمية، كلها، جزءاً من الصراع الميداني المسلح في أوكرانيا.

وهذه سابقة في التاريخ الإنساني وتاريخ الحروب، لأنها تتم بشكل سافر، يجعل من الصراع الميداني المسلح أساساً في العلاقات الدولية، ويضغط على دول العالم أن تكون شريكاً فيه، متورطة في جولاته. وليس من معنى لهذا، سوى أننا اليوم نعيش حالة لا يمكننا إنكارها، لقد دخلنا مرحلة التطرف في السياسات الدولية. وللأسف، يتبنى الغرب هذه السياسة صراحة، بتصريحات مسؤولين رفيعي المستوى، بينما نأمل ألا تنجر روسيا إلى ذلك.

لذا، في هذه الظروف الدولية القاتمة، نحتاج في العالم العربي إلى تجنب ظلاميات الصراع الغربي الروسي، والتطرف الذي تصل إليه بعض الأطراف الغربية.

نحتاج تجنب ظلاميات هذا الصراع، الذي هبط فيه الغرب، من عراب للسياسات التي تهتم بالاقتصاد وتعده القوة الحاسمة، وتدعو لإبعاده عن عقل الدولة السلطوي.

هذا الصراع الذي هبط بالغرب من السياسات التي تدعو إلى الاقتصاد الجديد، الذي يركز على الميتافيرس والرقمية والمعرفة واقتصاد التقدم التكنولوجي والعلمي، وقاده إلى أن يتحول، في انحدار حضاري، إلى مجرد طرف لا يؤمن إلا بالقوة المسلحة الغاشمة، ولا يؤمن، حتى، بالاقتصاد الجديد الذي يروجه!

وهذه هي خسارة الغرب الأكثر أهمية، التي تدعو كل من لا يصدق أن القيم الجديدة، الحضارية والاقتصادية، انتقلت من الغرب إلى جهة أخرى من العالم، إلى أن يصدق ويقتنع تماماً أن الغرب يفقد مكانته، بسياساته، وليس بجهود روسيا. ويعطي العالم إشارة إلى أنه يتنازل عن موقعه لصالح طرف آخر.

وربما كان هذا هو، بالذات، السحر العالمي للصين!

غير أن المهم بالنسبة لنا، نحن، في العالم العربي، أن ننتبه في خضم اضطرابات هذا العالم، وتجنب انفعالاته المفاجئة، التي تقودها ظلامية «حداثية» «عصرية»!

وأن تكون الظلامية، حداثية وعصرية، هذا لا يجعل منها تطرفاً مختلفاً عن الظلامية الماضوية الجاهلة، المسكونة بأوهام الأيديولوجيا والتاريخ.

 

*كاتب أردني

طباعة Email